كأس العرب.. بطولة كرة قدم أم أوبريت الحلم العربي؟

مرحبا، لقد أُسدل الستار على منافسات كأس العرب بعد 20 يوما على انطلاقها، ورغم قصر هذه الفترة، فإنها كانت كافية لتؤكد أهم شيء يخص هذه البطولة، وهو أنها تمتلك كل المقومات لتصبح بطولة كرة قدم قوية وتنافسية.

صحيح أن هذه المقومات اختُزلت مع بداية البطولة -التي أُقيمت لأول مرة تحت عباءة الفيفا- في عبارات الأخوة والوحدة العربية، وكأننا نتحدث عن أوبريت الحلم العربي لا عن منافسة رياضية محتدمة بين دول الجوار، وإقامتها بين دول متجاورة يجعلها أكثر تنافسية واحتداما لا أكثر ودا ودفئا، لكن مع تقدُّم البطولة واقترابها من النهاية، تغيرت هذه النظرة شيئا فشيئا.

نسخة تمهد الطريق

صبيحة نهائي نسخة 2021، تحدَّث رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم حول استمرار تنظيم كأس العرب رسميا، مؤكِّدا أن الأمر سيكون محل نقاش بين جدران الفيفا في الأيام المقبلة. في الحقيقة كان ذلك محل نقاش بين جميع الجماهير العربية مع احتدام منافسات نسخة هذا العام قبل أن تناقشه الفيفا. (1)

قررت الجزائر خوض بطولة كأس العرب بمنتخب المحليين ومدربهم مجيد بو قرة، وليس مدرب المنتخب الأول جمال بلماضي.

نسخة هذا العام جاءت في منتصف موسم محتدم محليا في أغلب البلدان العربية، وأوروبيا كذلك، جاءت لتوقف المنافسات المحلية وتمنح المشجعين جرعة من الملل الذي يُصيبهم غالبا مع بداية المباريات الدولية، خاصة مع إعلان المنتخبات الكبرى أنها لن تشارك بنجوم الصف الأول، إلى درجة أن منتخبا مثل الجزائر قرَّر خوض البطولة بمنتخب المحليين ومدربهم مجيد بو قرة، وليس مدرب المنتخب الأول جمال بلماضي. (2)(3)

كل شيء قبل البطولة كان يدور تقريبا حول تلك الأجواء الفاترة، ولكن مع بداية المسابقة، ورغم غياب أغلب النجوم العرب، وتعامل الغالبية معها باعتبارها مباريات تحضيرية لا أكثر، وجدت الجماهير احتداما وتنافسية شديدة، وإثارة فاقت مشاركات منتخباتهم الأخيرة في البطولات الرسمية لأفريقيا وآسيا ربما، ومن هنا جاءت الاقتراحات بأن يجتمع العرب بشكل منتظم في بطولة رسمية، خاصة في ظل تفنُّن الفيفا والاتحادات القارية في استحداث بطولات من العدم حتى وإن كانت بلا قيمة، فما بالك إذا وُجدت كل المقومات التي ستمنحها القيمة المرجوة؟ (4)

تلك الأجواء الفاترة كرويا التي سردنا تفاصيلها جعلت حفل افتتاح البطولة يدور فقط حول لم شمل العرب، والحديث عن الوحدة العربية ولقاءات الأشقاء وأخوة الدم واللغة والدين والجوار. ولكن مع تعاقب المواجهات، اكتشفنا فجأة أن منتخباتنا العربية قد اصطدمت كثيرا فيما قبل، وأن هناك مَن ينتظرون الثأر، ومَن يخشون رد ديون الماضي، ومَن يحلمون بمواصلة السيطرة على مواجهات الديربي، لندرك أن الأمر كان أكبر من مجرد لمِّ شمل الأخوة. (5)

ابن خالتك!

في كرة القدم يتناسب الجوار طرديا مع احتدام التنافس، وفي أغلب الأحوال تنشأ العداوات الكروية من اقتراب المسافات، سواء على مستوى أندية المدينة الواحدة، وعلى مستويات أوسع نطاقا مع منتخبات القارة الواحدة. من الطبيعي أن تجد بعض الحساسيات على مستوى الدول القريبة بفعل الأزمات السياسية، وحتى لو غابت الظلال السياسية، غالبا ما تكون هناك حساسيات رياضية كامنة منشؤها ثأر قديم أو صراع أزلي على الأفضلية والزعامة.

هذه الروابط والحساسيات والعداوات الصغيرة هي ما يصنع التنافس في كل شيء، هل تعرف قاعدة "ابن خالتك" التي تستخدمها غالبية الأمهات؟ هي رغبة تبدأ عند الأم في التفوُّق على شقيقتها بوصفها مربية، فرغم كونهما شقيقتين، فإن ذلك لا يمنع أن كلًّا منهما تريد أن يتفوق ابنها على ابن الأخرى، فتظل كل واحدة تؤكد لابنها أنه لا بد أن يتفوق على ابن خالته حتى يحقق النجاح المنشود، فتنتقل تلك الحساسية له بمرور الوقت، مع تكرار عبارة "ابن خالتك" بين كل حديث وآخر.

هذا المثال الفطري والكوميدي ربما يكفي لشرح ما نريد الوصول إليه، وهو أن أغلب الحساسيات والمنافسات المحتدمة تنشأ من الروابط والجذور المشتركة والتشارك في رقعة أرضية أو لغة وديانة واحدة، ودور الرياضة هو تحويل هذه الحساسيات والمناوشات الخفيفة إلى تنافس رياضي شريف بدلا من تحوُّلها إلى حرب أو كراهية حقيقية، وفي الحقيقة، فإن هذه "العداوات" الافتراضية هي ما يمنح البطولة التنافس والإثارة، الشيء الذي لا يستطيع لم الشمل أن يمنحه. باختصار، في كرة القدم عليك أن تحب ابن خالتك كما تحب أمك اختها، ولكن تذكّر أنك يجب أن تتفوق عليه دائما.

في أميركا الجنوبية مثلا، هناك 10 دول يجمعهم إطار جغرافي واحد ولغة واحدة -باستثناء البرازيل- وديانة واحدة (في الأغلب) وعدد كبير من العادات والتقاليد والإرث التاريخي المشترك، ورغم ذلك لا أحد يتحدث عن الوحدة اللاتينية قبل مواجهات كوبا أميركا، بل بالعكس تماما، تحتدم المنافسات لدرجة تصل إلى العنف أحيانا لأسباب مشتركة، أبرزها أن هذا متأصل في الثقافة اللاتينية ونشأ عليه أغلب اللاعبين والجماهير من خلال حروب الشوارع والعصابات، فانعكس ذلك على المنافسات الرياضية، ونشأت عداوات بين دول الجوار، ولم يعد مسموحا للبرازيل أن تسقط أمام الأرجنتين، وباتت كل الخسائر مقبولة لشعب التانغو ما داموا سيفوزون على راقصي السامبا، وتحوَّل العرس الكروي إلى صراع على زعامة القارة، ولم يُترجم إطلاقا إلى أحاديث عن لم الشمل. (6)(7)

بين الأخوة والتنافس

الحديث عن لم الشمل في تلك الحالة يكون أشبه بالحديث عن تشجيع النادي المنافس محليا في البطولات القارية لأنه يُمثِّل بلدك، شيء يمكن أن يُقال في وسائل الإعلام لتعزيز قيم الروح الرياضية والتظاهر بالصورة المهنية حول التشجيع ونبذ التعصب، ولكنه يتوقف عند تلك المنصات ولا يُترجم أبدا إلى أرض الواقع في أغلب الأحيان.

كأس العرب ذكَّرنا أن مصر تحب التفوق على الجزائر دائما، والعكس صحيح، ولن يقبل أحدهما السقوط أمام الآخر، حتى وإن تظاهرا بنسيان حساسيات الماضي وشجَّع المصريون الجزائر في أمم أفريقيا الأخيرة، ولكن "لا يمكن أن نسقط أمامهم" كانت العبارة المشتركة بين محاربي الصحراء والفراعنة حين أوقعتهم القرعة وجها لوجه. (8)

قارِن بين الروح التي لعب بها لاعبو منتخب قطر تلك المسابقات والروح التي أظهروها في أمم آسيا الأخيرة ثم في كأس العرب، ستُدرك تماما من أين تأتي التنافسية التي تُنتج المتعة للمشاهد.

الأمر نفسه حدث بين الجزائر والمغرب وبين قطر والإمارات، وبشكل أوسع بين عرب أفريقيا وعرب آسيا ورغبة كلٍّ منهما في إثبات أفضليته على الآخر، وهو الشيء الذي كان يحدث بين كل منتخب عربي وآخر في سياق مختلف، إما في أمم أفريقيا أو أمم آسيا أو تصفيات كأس العالم، أو مواجهات الأندية في دوري أبطال أفريقيا أو آسيا.

في الواقع نحن لم نكتشف هذه الأشياء للتو، ولكن ما اكتشفناه هو أن هناك سياقا واحدا يمكنه جمع كل هذه المنتخبات في إطار تنافسي، وهذه الحساسيات التي كانت تظهر كلما تواجه منتخبان من شمال أفريقيا أو قادتنا المصادفة إلى نهائي آسيوي بطرفين عربيين اجتمعت كلها في بطولة واحدة، فكان حجم التنافسية فيها يفوق الكثير من البطولات الدولية التي أُقيمت مؤخرا، رغم غياب اللاعبين المحترفين في أوروبا، وتعامل الغالبية معها بأنها مجرد بطولة ودية، فما بالك لو اتخذت الطابع الرسمي وحضر فيها كل النجوم؟

بالطبع ستكتسب البطولة قيمة أكبر، وستصبح الرغبة لدى كل منتخب في الزعامة العربية حافزا له قبل انطلاق المسابقة. فقط تذكَّر حين لعبت قطر بطولة كوبا أميركا 2021 وتصفيات أوروبا لكأس العالم من أجل الاحتكاك بثقافات مختلفة قبل المونديال، وقارِن بين الروح التي لعب بها اللاعبون تلك المسابقات والروح التي أظهروها في أمم آسيا الأخيرة ثم في كأس العرب، ستُدرك تماما من أين تأتي التنافسية التي تُنتج المتعة للمشاهد بوصفها نتيجة مضمونة. (9)

وماذا عن الأجندة الدولية؟

بالعودة إلى حديث إنفانتينو عن دراسة إقامة البطولة بشكل منتظم، والشكوى المتكررة من ازدحام المباريات وإجهاد اللاعبين، ستجد أن تعديلات بسيطة فقط قادرة على منح الوقت الكافي لإقامة البطولة، شأنها شأن دوري الأمم الأوروبية الذي حل محل المباريات الودية في القارة العجوز. (10)

لديك بطولة كأس الخليج، تُلعب مرة كل 3 أعوام أو عامين أو ربما كل عام في بعض الأحيان، وهناك كأس أمم أفريقيا للمحليين، بطولة بدأت في 2009 ولُعبت منها 6 نسخ منذ بدايتها وحتى الآن بمعدل نسخة كل عامين. بطولتان تُلعبان في الظل يمكن بكل سهولة دمجهما في بطولة واحدة تسمى "كأس العرب"، خاصة مع زيادة عدد منتخبات أمم أفريقيا الرئيسية، وعدم احتياج أغلب دول أفريقيا من غير العرب إلى بطولة محلية. (11)(12)(13)

وعلى ذكر أمم أفريقيا، تجد أنها البطولة القارية الوحيدة التي تُلعب كل عامين، وبتعديل بسيط يمكن أن تُقام مرة كل 4 سنوات مثل اليورو وكأس العالم وكوبا أميركا في حالتها الطبيعية، أو تتركها كما هي دون زيادة في عدد المنتخبات ما دامت ستُبقي على أمم أفريقيا للمحليين وستُقيم كأس العرب. كل ذلك سيمنحك بكل تأكيد 20 يوما كل عامين أو 4 أعوام لإقامة مونديال العرب بموعد ثابت، وفي وقت يتوقف فيه الموسم كما يحدث في اليورو وكأس العالم، لتمنح كل البلدان الفرصة للاستفادة من محترفيهم في أوروبا، وتكون البطولة صداما حقيقيا بين المنتخبات العربية وليس تحضيرا لما هو آتٍ. (14)

إجمالا، نجاح نسخة 2021 من كأس العرب جعل العالم العربي كله ينتظر تكرارها، وجعل الفيفا يناقش إقامتها دائما قبل حتى أن تنتهي (15). ساعتها، لن يكون حفل افتتاح النسخة القادمة مقتصرا على أناشيد الدول العربية وتلاقي الفنون والثقافة، بل بإمكان المشجع الإماراتي انتظار الثأر من قطر، وبإمكان الجزائري التفاخر بأنه حامل اللقب، كما يمكن للمصري أن يُعوِّل على محمد صلاح بدلا من مروان حمدي وأصدقائه، شأنه شأن المغربي الذي يعلم أن وضع المنتخب يختلف كثيرا بوجود نجوم أوروبا. (16)

سيكون هناك المزيد من الاحتدام والتنافس، دون إرساء لأي ظواهر تحث على الكراهية خارج إطار المنافسة، تنافس رياضي كأي تنافس، لا يخلو من الحساسيات والتوتر والرغبة الدائمة في الفوز. وضع سيخرج فيه الجميع فائزين؛ حيث سيكسب الجمهور متعة جديدة، والمستثمرون والفيفا أموالا جديدة، وستكون الفرصة كذلك سانحة لرجال السياسة للحديث عن لم الشمل والأخوة، وللملحن حلمي بكر ليُذكِّرنا بصوت جهوري أنه شارك في تلحين أوبريت الحلم العربي.

_____________________________________________________________________

المصادر:

  1. رئيس الفيفا يفتح الباب لاستمرار كأس العرب لسنوات قادمة
  2. قوائم منتخبات كأس العرب تخلو من المحترفين في أوروبا 
  3. الجزائر تشارك بمنتخب المحليين بقيادة مجيد بو قرة 
  4.  أجواء فاترة جماهيريا قبل انطلاق كأس العرب 2021 
  5. كواليس افتتاح كأس العرب 2021
  6. نظام كوبا أميركا 
  7. ما سر العلاقة بين أميركا اللاتينية والبطاقات الحمراء؟ – إضاءات 
  8. كواليس مباراة مصر والجزائر في كأس العرب 2021 
  9. خطة قطر للاستعداد لكأس العالم 2022 
  10. دوري الأمم الأوروبية – بطولة جديدة بدلا من المباريات الودية 
  11. تاريخ بطولة أمم أفريقيا للمحليين 
  12. نظام بطولة كأس الخليج 
  13. زيادة عدد منتخبات أمم أفريقيا إلى 24 منتخبا بدلا من 16 
  14. المصدر السابق
  15. انبهار العالم العربي بحفل افتتاح كأس العرب قطر 2021 
  16. يتقدمهم محمد صلاح ومحرز.. أبرز 10 غائبين عن كأس العرب 2021
المصدر : الجزيرة