التاسعة بتوقيت الأهلي وبقذيفة أفشة.. تحليل بالصور لديربي القاهرة

"هذا النهائي الذي ليس بعده أي نهائي"

دعك من المقدمات، ﻷنك تعرف ما أهمية مباراة الديربي، وتعرف جيدا كيف تتضاعف هذه الأهمية حين تقع في دور إقصائي. أما حين تكون في نهائي بطولة قارية، فهي غالبا ستكون المباراة الأهم في تاريخ الناديين.

 

ولذلك كان من الطبيعي أن يرافقها كل ذلك التوتر والقلق، وربما الأرق الذي عانى منه البعض، أو الكوابيس التي اشتكى منها آخرون، خوفا من أن يقوم أحدهم في فريقه بخطأ ساذج يتسبّب في ضياع البطولة، ومعها تتحوَّل المباراة إلى أسوأ ذكرى رياضية عاشها.

 

كذلك كانت الأجواء منذ لحاق الزمالك بالأهلي في نهائي دوري أبطال أفريقيا هذا العام، فبدا أنها ستكون المباراة التي تنتهي كرة القدم بعدها، مُعلنة عن منتصر وحيد حتى تحترق النجوم، ومهزوم وحيد حتى تفنى العوالم، أو بتعبير أدق: نهائي لن يكون بعده أي نهائي، كما وصفت الصحافة ديربي بوكا جونيورز وريفر بليت بنهائي كوبا ليبرتادوريس سنة 2018.(1)

 

وكأن هذه الأجواء المشحونة لم تكن كافية، فأُضيف إليها التلاعب بأعصاب الجماهير بسبب شائعات إصابة اللاعبين بفيروس كورونا، وهو ما أدخل الكل في حسابات معقدة قبل خروج نتيجة المسحة الأخيرة يوم الأربعاء الماضي.

 

فقد الأهلي خدمات ثلاثة لاعبين، أحدهم يشارك بصورة أساسية بوسط الملعب هو أليو ديانغ، وأحدهم يُستعان به بديلا لأن بإمكانه تغيير مجريات اللعب هو وليد سليمان، وأحدهم لا يلعب أساسيا ولا يُستعان به هو صالح جمعة.

 

ولذلك كان الحل واضحا أمام بيتسو موسيماني مدرب الأهلي، وهو الدفع بحمدي فتحي ليرافق عمرو السولية في الوسط الملعب، مع الإبقاء على تشكيل المارد الأحمر ثابتا على الرسم الخططي 4/2/3/1، الذي يتحوَّل أحيانا إلى 4/4/1/1 في الحالة الدفاعية.

تشكيل النادي الأهلي. المصدر: موقع 365 scores.

أما الزمالك فخسر جهود ثلاثة لاعبين أيضا، لكن الفارق هو أنهم جميعا لاعبون أساسيون، وخروجهم مرة واحدة سيُحدِث خللا في تشكيل الفريق الأبيض، خصوصا مع المستوى المتميز للمدافع محمود حمدي الونش في الآونة الأخيرة، وكذلك عدم وجود أي بديل متاح لعبد الله جمعة في مركز الظهير الأيسر، وتراجع الجاهزية البدنية للثنائي محمد أوناجم وشيكابالا، وهما أبرز مَن يُعوِّض يوسف أوباما في غيابه.

 

وهنا اضطر جايمي باتشيكو مدرب الزمالك للدفع بلاعب في غير مركزه، فطلب من إسلام جابر القيام بمهام الظهير، ثم راهن على شيكابالا في الخط الهجومي رغم ضعف أدواره الدفاعية، والإبقاء هو الآخر على الرسم الخططي 4/2/3/1.

تشكيل نادي الزمالك. المصدر: موقع 365 scores

 

منذ انطلاق صافرة الحكم مصطفى غبرال، بدا أن موسيماني سيضع رهانات باتشيكو تحت الاختبار، وسيحاول الضغط على إسلام جابر مُستغِلا قلة خبرته في هذا المركز، وضعف المساندة الدفاعية التي يُوفِّرها له الجناح أشرف بن شرقي، على عكس جبهة الزمالك اليُمنى التي يساند فيها أحمد زيزو زميله أحمد عيد.

 

لم يحتج بيتسو إلى ابتكار فكرة تكتيكية صعبة، فقط طلب من حسين الشحات القيام بما يُحسنه، وهو الركض خلف الظهير الأيسر لاستقبال تمريرات لاعبي الأهلي، سواء العمودية عن طريق محمد هاني، أو القُطرية بأقدام محمد مجدي أفشة وجونيور أجاي.

 

بعد 4 دقائق فقط، كان إسلام جابر يُخطئ في تشتيت تمريرة أجاي، ليجد الشحات نفسه يستقبل الكرة منفردا بالمرمى، وهو ما كان سيُسفر عن تقدُّم الأهلي لولا لمسة حسين الأولى التي جانبها التوفيق، وتمركز الحارس أبو جبل بصورة سليمة. على كل حال، التقدُّم لم يتأخر، وقد جاء بسبب خطأ دفاعي غريب مرة أخرى.

 

فبعد تصدي أبو جبل، حصل الشياطين الحمر على ضربة ركنية، وظهر واضحا سوء تموضع لاعبي الزمالك في رقابة خصومهم، حيث تكتل خمسة من الأهلي قبل تنفيذ الركنية، وذلك لتجنُّب الرقابة الفردية وتشتيت الانتباه بمجرد تنفيذ الركلة، وهنا اكتفى خمسة من الزمالك بالتمركز حولهم دون أي شيء آخر، تاركين المجال لأفضل لاعبي الأهلي في الألعاب الهوائية بالتسديد دون أي مشكلة، كما تُبيِّن الصورة.

سوء تمركز لاعبي الزمالك خلال هدف الأهلي الأول.

هدف أول في هذا التوقيت، وبتلك الطريقة، كان يعني أن موسيماني لن يتراجع عن الضغط على إسلام جابر، حتى إن الأهلي كثَّف محاولاته من الجهة اليمنى خلال الدقائق العشرة القادمة، وكاد هذا الرهان يُثبت صحته مرة أخرى حين نجح محمد هاني في توزيع عرضية، تعامل معها محور دفاع الزمالك بتهاون ليتمكّن مروان محسن من تمريرها بسهولة لأجاي الذي كان خاليا من الرقابة، وأوشك على قتل المباراة نهائيا.

فرصة أجاي من صناعة مروان محسن

 

خلال ربع الساعة الأولى، لم تكن كتيبة باتشيكو قد دخلت المباراة بعد، لكنها فعلت قبل أن تدق ساعة المباراة بالدقيقة 15. جاء ذلك حين لجأ الزمالك إلى الخروج من مناطقه، وتنفيذ الضغط العالي على الأهلي لمنعه من التدرُّج بالهجمة، قبل تحويلها كما نتوقع نحو جبهة إسلام جابر.

 

لم يكن هذا هو المكسب الوحيد، بل هناك مكسب آخر ناله الفريق الأبيض، وهو استخلاص الكرة في وسط ملعب الأهلي، وبالتالي تسهيل مهمته في الوصول إلى مرمى الشناوي، لكن كيف يتفادى رفاق طارق حامد ثنائي محور الوسط: السولية وفتحي؟ كان ذلك بإجبارهم على تفريغ العُمق.

 

بدأ شيكابالا بالحركة بعرض الملعب، مُبادِلا مركزه تارة مع أشرف بن شرقي ليدخل الأخير للعمق، ومُقدِّما المساندة الهجومية تارة أخرى في الجهة اليمنى مع زيزو، وهذا أدّى بالضرورة إلى تحرُّك السولية أو حمدي فتحي لأحد طرفي الملعب، وذلك لمنع الزمالك من تحقيق التفوُّق العددي، وهنا يصبح العمق فارغا من لاعب واحد أهلاوي على الأقل.

 

بهذه الطريقة، تمكَّن الزمالك من إطلاق 3 تسديدات على المرمى خلال دقيقتين فقط. جاءت كل التسديدات من عمق الملعب، بعد أن يستلم أحد مهاجمي الزمالك الكرة في مساحة جيدة، ويتمكَّن من التصويب بشكل مباشر أو تمرير الكرة لمَن هو في موقع أفضل، وهذا ما حصل بالضبط في الدقيقة 15، وكاد يؤدي إلى تعادل الفارس الأبيض.

 

بدأت الهجمة من الجهة اليمنى، وهنا قرَّر عمرو السولية إحكام الحصار الثلاثي على زيزو، لكن ذلك أدّى إلى وجود مساحة أمام شيكابالا بعد أن مَرَّر له زيزو الكرة بنجاح، ليكون أمامه وقت كافٍ حتى يرسل تمريرة جيدة إلى مصطفى محمد.

عمق الملعب فارغ أمام شيكابالا بعد تحرك السولية نحو زيزو

وفي هذا الوقت كان أشرف بن شرقي يهرب من رقابة محمد هاني إلى عمق الملعب وعلى حدود منطقة الجزاء، ليفوز بالكرة الثانية دون ضغط شرس من محور وسط الأهلي، ويُطلق تصويبة على قائم الشناوي.

أشرف بن شرقي يفوز بالكرة الثانية

أما هدف التعادل نفسه فلم يكن سوى نتيجة لتحرير شيكابالا، الذي لم يعد يلتزم بعمق الملعب وحسب، بل يتحرَّك بانسيابية حتى استلم كرة في الجبهة اليمنى، وتمكَّن من التغلُّب على حصار أجاي ومعلول، قبل أن يراوغ السولية وتسكن تصويبته أعلى يمين مرمى الأهلي.

 

بعد نهاية المباراة، قال بيتسو موسيماني إنه أخبر لاعبيه بين الشوطين أن أداءهم لم يكن على ما يُرام (2)، ولا بد أنه قصد قراراتهم وقت حيازة الكرة خلال نصف الساعة الأخيرة من الشوط الأول، حيث بدا أنهم يتصرفون بعشوائية، ويُخطئون في التمرير بوسط ملعب الزمالك، وخصوصا محمد مجدي أفشة الذي فقد الكرة أكثر من مرة، ولم يتمكَّن من اختراق خطوط الخصم أمام حائط صد قوي شكَّله طارق وساسي.

 

بدأ الشوط الثاني، وفي أول مرة ينجح فيها أفشة بالهرب من رقابة محور الوسط، تمكَّن من تنفيذ تمريرة رائعة لأجاي من طرف الملعب إلى عُمقه، واستدرج معه الظهير الأيمن أحمد عيد، ليفتح مساحة في خط ظهر الزمالك انطلق فيها علي معلول مُستقبِلا تمريرة جونيور، قبل أن يُقدِّم كرة على طبق من ذهب لحسين الشحات لكنه رفض الهدية.

أفشة يهرب من رقابة ثنائي وسط الملعب ويستدرج أحمد عيد.
علي معلول يخترق المساحة التي خلقها له أفشة.

 

في تلك الأثناء، كان الإرهاق قد تمكَّن من شيكابالا، خصوصا أنه قد تحوَّل من العمق إلى الطرف، وهو ما سيُساعد ظهيرَيْ الأهلي على تشكيل جبهة قوية، وسيُسبِّب للزمالك مشكلة بالتأكيد، ولذلك قرَّر باتشيكو استبداله.

 

قد يكون قرار خروج قائد الزمالك منطقيا، أما غير المنطقي فهو الدفع بالمهاجم كابونغو كاسونغو مع استمرار الرسم 4/2/3/1. ربما أراد المدرب البرتغالي استغلال سرعته في الانطلاق خلف محمد هاني، لكن محمد أوناجم، أو حتى كريم بامبو، يمتازان بالسرعة أيضا، ويعرفان مهام الجناح خيرا منه.

 

إن كانت لياقة شيكابالا لم تُسعفه، فالجدير بالذكر هنا هو المستوى البدني المتميز الذي ظهر عليه فرجاني ساسي، إذ اعتدنا منه على تجنُّب التدخُّلات والالتحامات، معتمدا في ذلك على قوة وقتالية طارق حامد، لكن متوسط الميدان التونسي لم يترك زميله هذه المرة وحده، وظل حتى منتصف الشوط الثاني يركض ويقوم بتدخلات بدنية لاستخلاص الكرة.

 

لم يكن ساسي وحده مَن لفت انتباهنا، بل أيضا حمدي فتحي الذي كان على قدر الحدث، ولم يتسبَّب في ثغرة بعد غياب أليو ديانغ. الغريب فعلا هو أنه لم ينل التقدير الكافي جماهيريا وإعلاميا بعد المباراة، بل إن البعض يُحمِّله مسؤولية سيطرة الزمالك على وسط الملعب أغلب الوقت، وإن كنت أيضا تظن ذلك فدعنا نؤكد لك أن وجهة نظرك ستختلف لو أعدت مشاهدة المباراة ثانية، أو عرفت أن الأهلي قام بـ 12 عرقلة و15 استخلاصا ناجحا (3) كان لفتحي نصيب كبير من هذه الأرقام.

 

ربما تُفكِّر في إعادة مشاهدة المباراة، لكنك إن فعلت فلن يكون بهدف تقييم زيزو، فلا بد أنك لاحظت من المرة الأولى النشاط والقوة البدنية التي يتسم بهما بتحوُّله من اليمين إلى اليسار دون مشكلة، وقيامه بأدوار الجناح التقليدي أو العكسي بدرجة جيدة أيضا، وطبعا بإطلاق تسديدة صاروخية من بعيد كادت تُسقِط مرمى الشناوي، واستمراره في بذل الجهد في الوقت الذي سيسقط فيه رفاقه بدنيا.

فيديو تسديدة أحمد سيد زيزو

 

الدقيقة الآن 80، ويبدو أن الأهلي يريد الاستحواذ على الكرة، بينما يصاب بعض عناصر الزمالك بالتعب، وتبدأ الفراغات في الظهور بوسط ملعب الزمالك، وهو ما يعني إفلات أحد مهاجمي الأهلي من الرقابة.

 

الآن دعنا نعد ليوسف أوباما، اللاعب الذي يعترض بعض جمهور الزمالك على الدفع به أساسيا، ولا يفهم لماذا يصر عليه باتشيكو. أحد أسباب تمسُّك المدرب البرتغالي بأوباما هو مجهوده الوافر، الذي يؤهِّله للتحوُّل في الحالة الدفاعية من صانع ألعاب يتمركز بالقرب من المهاجم إلى لاعب وسط ثالث يُضيِّق الفراغات على الخصم، بل ويضغط على مَن يستلم الكرة في العمق ليمنعه من صناعة الفرص أو التسديد.

 

الآن مَن يشارك في مركزه هو أشرف بن شرقي، الذي يتفوَّق على أوباما في كل شيء تقريبا ما عدا المساندة الدفاعية، وبالتالي لم ينجح في سد هذه الفراغات، والأهم لم يمنع أفشة من القيام بما يُجيده، وهو الفوز بالكرة الثانية.

 

الدقيقة الآن 85، وعمرو السولية يرسل كرة قُطرية داخل منطقة جزاء الزمالك، يُشتِّتها محمود علاء بشكل خاطئ، وبدلا من أن يُحوِّلها بقوة إلى إحدى زوايا الملعب فإنه يضعها في عمق الملعب. وهنا كان أفشة بعيدا عن محيط طارق وفرجاني، ولم يكن بالقرب منه سوى أشرف بن شرقي الذي لم يُنفِّذ عليه الضغط كما ينبغي، وفاز أفشة بالكرة الثانية، وصنع التاريخ.

محمد أفشة بعيدا عن رقابة طارق وفرجاني.

 

محمد أفشة يفوز بالكرة الثانية من أشرف بن شرقي.

أطلق محمد مجدي العنان لقدمه، ليُعلِن عن أهم وأغلى هدف في مسيرته، بل وفي مسيرة هذا الجيل من اللاعبين، وليس من المبالغة أيضا وصفه بأحد أغلى الأهداف في تاريخ النادي الأهلي كله، لأنه لم يؤكد فقط زعامته القارية، بل أكّدها أمام أشرس منافسيه محليا وأفريقيا، في ليلة مرّت بسلام بفضل الإدارة التحكيمية المتميزة للجزائري مصطفى غربال، وأنت تعرف ماذا يعني الديربي الذي يُلعب في نهائي قاري، إذ يوشك أن يكون نهائيا ليس بعده أي نهائي.

—————————————————————————————–

المصادر

  1. كيف وصفت الصحافة مباراة ريفر بليت وبوكا جونيورز؟ 
  2. تصريحات موسيماني بعد المباراة. 
  3. إحصائيات المباراة. 

حول هذه القصة

صلاح لا يزال لاعبا أنانيا، يود الاحتفاظ بالكرة في حوزته وقتا أكبر من الآخرين. لكن، هل يكره أحد أن يكون في فريقه لاعب أناني يُسجِّل الأهداف مثل الماكينة التي لا ترحم، وفي الوقت نفسه يصنع الفرص لزملائه؟

18/11/2020
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة