أنا سينسيا ميهايلوفيتش.. حاربت سرطان الدم وكورونا وانتصرت

 

مرحبا بكم، أنا رجل يعرفه بعضكم ويجهله كثيرون رغم أن مسيرتي مع كرة القدم لم تكن هزيلة، ولكن الزمن يعصف بالكثير من الذكريات، حتى مَن سمعوا اسمي يوما لا بد أنه تاه منهم في زحام الكرة ومستجدّاتها التي لا تتوقف. لم أكن يوما أيقونة ولم تملأ حياتي الأرقام والكرات الذهبية حتى تتخلد ذكراي، لكنني اليوم أُقدِّم لكم ما هو أثمن من ذلك.

 

أنا سينسيا ميهايلوفيتش، إذا تلعثمت في قراءة اسمي الآن فأنت لا تعرفني، ولا بد أنك جئت إلى هنا فقط لتتعرّف على هذا الشخص الذي انتصر على سرطان الدم وكورونا. لقد عشت الكثير من الصراعات في حياتي، بعضها بدا تافها أمامكم وقت واجهت صراعي الأخير، ظن بعضهم أن المرض سُيثبت لي تفاهة ما عشت من أجله، ولكنه جاء بعكس ذلك تماما، لقد أثبت لي أنني لم أكن أحتاج لتجاوز المرض إلا إلى شيء أحيا من أجله.

"لسوء الحظ، لم أُمنح أي شيء في الحياة، كان عليَّ القتال من أجل كل شيء. سأحارب هذا أيضا".

لم يكن طريقي مفروشا بالورود نحو أي شيء، لقد قرعت الحرب بابنا قبل أن تنبت لحيتي، وعرفت الإثارة بمعناها الحقيقي قبل أن أسجل هدفا في الدقيقة 90، فالأمر كان يدور حول طلقات الرصاص والهرب من القوات المُعادية ومحاولة البحث عن يوم آخر على قيد الحياة.

سينسيا ميهايلوفيتش

بدأت مسيرتي الكروية في يوغوسلافيا، برافو الكرواتي حيث وُلدت، ثم فويفودينا اليوغوسلافي، ثم الخطوة الأبرز؛ النجم الأحمر الصربي. في حقيقة الأمر يمكن اعتبارها نقطة انطلاقي الحقيقية، بداية التألق، واللحظة الأكثر لمعانا حين فزت بلقب دوري أبطال أوروبا عام 1991 في مفاجأة مدوية. هذه الرحلة لم تمنحني ميدالية وهتافات لجماهير عاشقة فحسب، بل مهّدت لمصادفة سينمائية أنقذت حياة أبي وأمي فيما بعد. (1)

 

دعوني أخبركم بالقصة، لقد اشتعلت حرب الاستقلال الكرواتية بين قوات صربيا وكرواتيا، تطهير عرقي وجرائم حرب تُرتَكب في كل أنحاء يوغوسلافيا، ولسوء حظي، كان والدي صربيا بينما كانت أمي كرواتية، بينما أنا كنت أهرب من الجحيم بكرة القدم، عدا أوقات قصيرة كنت أقضيها في المنزل، تلك التي لم أجد فيها مفرا من جحيم الحرب.

 

في أجواء كتلك كان زواج والدي من كرواتية يعني خيانة عظمى والعكس صحيح، كنت مراهقا لم يلوّثه العالم وكان الأمر قاسيا بالنسبة لي؛ أتعجب من قدرة البشر على التحلي بهذا القدر من التعصُّب والكراهية لكل مَن لا ينتمي لهم، ولكن الأيام كانت خير مَن يخبرني أن الدنيا ليست تلك الوردية التي رسمتها في خيالي صغيرا.

لم تتركني الحرب في هذا الصراع طويلا، لقد غزت القوات الكرواتية مدينتنا، وكان أحد أصدقائي السابقين أحد مَن دمروا منزل عائلتي، قبل أن يُقبَض على أبي وأمي بنية إعدامهما، وأثناء التفتيش وجدوا رقم هاتفي بين متعلّقاتهما، ليتصلوا بي ويتأكدوا من صلة قرابتي بهما.

 

المصادفة السينمائية حدثت قبل أن يتقرر إعدامهما مباشرة، وقتها ظهر زيليكو رازناتوفيتش المعروف بـ "أركان" الذي كان قائدا لميليشيا المتطوعين الصرب أثناء حروب يوغوسلافيا، تلك القوات المعروفة أيضا باسم نمور أركان التي اتُّهِمت بارتكاب أفظع جرائم الحرب بإقليم كوسوفو ضد الأغلبية الألبانية.

 

رازناتوفيتش لم يكن قائدا عسكريا فحسب، بل كان قائدا لألتراس ديليجي "مشجعي نادي النجم الأحمر الصربي"، ولكوني أحد أهم أسباب تتويج الفريق بدوري أبطال أوروبا وكأس إنتركونتينينتال في 1991 كان لديّ مكانة خاصة في قلبه، وبمجرد أن تأكد بأنهما والدي ووالدتي قرّر على الفوز إطلاق سراحهما. كنت محبا لكرة القدم منذ صغري، ولكنني في تلك اللحظة أدركت أن لها بُعدا آخر يصل إلى حد إنقاذ حياة البشر. بشر؟ إنهما أبي وأمي! (2)

"لا أعتقد أنني بطل، أنا شخص عادي لديَّ نقاط قوة ونقاط ضعف، كنت مريضا، لكن كان عليَّ أن أمنح القوة لعائلتي لأنهم إذا رأوني حزينا فسأكون أسوأ حالا".

رحلتي مع النجم الأحمر جعلتني أسافر إلى إيطاليا، سامبدوريا وإنتر ولاتسيو وروما، أتفنن في تنفيذ الكرات الثابتة، كنت أول مَن يُسجِّل ثلاثية من ركلات حرة، وكنت أقاتل في الملعب لدرجة أنني أفقد أعصابي لأرتكب الحماقات ثم أعود للاعتذار عنها، تعلمت من الحياة كل شيء من خلال التجارب، تذكر أنني لم أُمنح شيئا وكُتب عليَّ القتال من أجل كل شيء. (3)

 

عام 2000، وبينما كنت ألعب بقميص لاتسيو، واجهنا آرسنال في كأس الاتحاد الأوروبي، وتبادلنا السباب العنصري أنا وباتريك فييرا، لقد فقدت أعصابي واعتذرت لاحقا. الشيء الأبرز في هذا السياق كان الشجار الشهير مع أدريان موتو خلال مباراة تشيلسي ولاتسيو في دوري أبطال أوروبا عام 2003، حينها بصقت عليه وحاولت ركله، وأُوقِفت 8 مباريات من الاتحاد الأوروبي. لاحقا أصبحت مدربا لفيورنتينا الذي كان يضم موتو في ذلك الوقت، وفورا، سعيت لفتح صفحة جديدة معه، لقد نحّيت كل شيء جانبا وأدركت مع الوقت كم كنت طائشا وأن الحياة لا تُدار بتلك الطريقة أبدا. (4)

سينسيا ميهايلوفيتش بقريق لاتسيو عام 2000

مسيرتي التدريبية؟ بدأت مساعدا لمانشيني في إنتر ميلان، أما كوني مديرا فنيا فكانت البداية في بولونيا، تجربة قصيرة ولكنها كانت إشارة إلى شيء ما ربما، بعدها إلى كاتانيا ثم فيورنتينا ومنتخب صربيا وسامبدوريا وميلان وتورينو وسبورتينج لشبونة، تجارب قصيرة ما بين العام والعامين، ثم العودة إلى حيث بدأت من جديد في 2019؛ إلى بولونيا. (5)

 

تولّيت تدريب بولونيا منتصف موسم 2019، كانوا في المركز الثامن عشر وينتظرون الهبوط ويحلمون فقط بتفاديه، وعدت الرؤساء بالقتال من أجل ذلك، وخضت الحرب الأولى هناك ضد شبح الهبوط، وفي النهاية لم نهزمه فقط، بل أنهينا الموسم في المركز العاشر في شيء أعتبره إعجازا هناك، وما إن تطلّعنا للأفضل في موسم جديد حتى بدأت الحرب الأصعب في حياتي. (6)

"أنا مريض بسرطان الدم، لست خائفا، تلك الدموع ليست دموع خوف. أعرف أنني سأنتصر على المرض".

في الثاني عشر من يوليو/تموز لعام 2020 تُعلن لاجازيتا ديلو سبورت إصابتي بمرض خطير دون الإفصاح عن تفاصيل، قبل 24 ساعة فقط من كسري للصمت وإعلاني عن مؤتمر صحفي أخبر فيه العالم أنني مريض بسرطان الدم، وأنني سأحاربه، والأهم أنني سأهزمه بكل تأكيد. (7)

احتجت إلى يومين من الحياة وحدي، لا أرد على الرسائل وأغلق على نفسي بابي وأبكي، بكيت كثيرا لأنني فقدت والدي الذي مات متأثرا بالسرطان، لا أدري هل بكيت لأنني تذكرته أم لأنني أشعر باتخاذي الخطوة الأولى نحو المصير ذاته، لقد كان فيضا من المشاعر التي لم أشعر بها من قبل، ولكنّ شيئا من الاستسلام لم يكن بداخلي.

"لقد قلت لنفسي: الآن علينا الهجوم والتخطيط للفوز، إذا استرخينا وحاولنا الدفاع فسوف نتعرّض للهزيمة على الفور، يجب أن أستخدم تكتيكاتي في معركتي ضد السرطان وأنا متأكد، دون أي شك، أنني سأفوز".

لقد كانت كرة القدم سلاحي، على الأرجح تذكرت يوم أنقذت حياة أمي وأبي وقلت لِمَ لا تنقذ حياتي أنا الآخر؟ تاريخي المليء بكرة القدم وأشياء أخرى ربط كل شيء بها، رسم المعركة القادمة على خارطة معاركه وهو يدرك تماما صعوبتها، ولكنه يدرك في الوقت نفسه أيضا أنها ستمر، وسنحتفل بأجمل انتصارات حياتنا على الإطلاق.

 

وسط كل ذلك، كان رفضي للاستقالة قاطعا رغم تحذير الأطباء، سأحارب السرطان من خلال عملي ولن أترك كرة القدم، وعدت لاعبي فريقي أنني سأقودهم من الملعب في أولى مباريات الموسم الجديد بعد 43 يوما من تشخيص حالتي، وخلال تلك الأيام تواصلت معهم بصورة دائمة عبر الفيديو لأُشرف على تدريباتهم وأنا على سريري، لن يمنعني أي شيء من مواصلة الرحلة التي بدأتها منذ أقل من عام. (8)

"لقد وعدتكم أن أكون معكم، واليوم أنا هنا، أنا أحمق لأنني خرجت من المستشفى. لكنني أردت أن أكون هنا".

طوال 43 يوما يحذرني الأطباء وأنا أُحصي الأيام واحدا تلو الآخر حتى يأتي الموعد الافتتاحي للموسم الجديد، المباراة الأولى مع هيلاس فيرونا على ملعبهم، سأسافر مسافة 154 كيلومترا بسيارتي إلى فيرونا للحاق بالمباراة، لا بأس، سأفعلها وليحدث ما يحدث. (9)

 

في الحقيقة لم أخالف تعليمات الأطباء، لقد قمت بها جميعا ولكن بشرط أن أمارس عملي وأقود فريقي بداية من الموسم الجديد كما خططت، حتى إن طبيبي وصفني بالمريض المثالي الذي لا يتجاهل أي نصيحة أو اقتراح، لم أكن متهورا، فقط رأيت في كرة القدم ومواصلة عملي سببا يستحق الحياة من أجله، ولكي تحارب عدوا كهذا يجب أن تمتلك ما يستحق خوض تلك الحرب. (10)

 

امتدت الرحلة لـ 8 أشهر، أسمع إنذارات الأجهزة التي تُفيد بانتهاء جلسة العلاج الكيماوي وأفكر في صافرة المباراة المقبلة، أصبحت أكثر عدوانية وأكثر كراهية للخسارة، هي رغبة للتحرك إلى الأمام، أو ربما بحث عن قُبلة الحياة التي ستُنهي هذا الكابوس قريبا، وفي فبراير/شباط 2021، ابتسمت الحياة، لقد فعلتها، واليوم أغادر المستشفى نهائيا بعد إعلان شفائي من سرطان الدم، وإنهاء أصعب حرب خضتها في حياتي. (11)

"الأمل جزء من الوقاية، سأقاتل وأواصل القتال".

غادر السرطان جسدي وغادرت المستشفى في فبراير/شباط، كرة القدم ليست كما هي، حيث تُلعب بعض مبارياتها خلف أبواب مغلقة وبلا جماهير، السبب أن هناك جائحة عالمية تجتاح العالم تُعرف باسم فيروس كورونا. أسابيع وتتوقف كرة القدم في أوروبا، الأطباء يشيرون إلى خطورة الفيروس على ضِعاف المناعة وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، أشياء تجعلني أتوقف لحظة لأتساءل أهي جائحة عالمية بالفعل؟ أم فيروس قرّر اقتحام كوكب الأرض بحثا عني؟ (12)

 

لا بأس، سأتخذ إجراءاتي ولكنني سأكون أول مدرب إيطالي يعود إلى التدريبات بمجرد فتح الباب أمامها من جديد، سأعود للركض منفردا مع رائحة العشب والأجواء التي تمنحني القوة، وسأركض تدريجيا حتى أستعيد القدرة على الركض لـ 10 كيلومترات يوميا، ولكي تكتمل القصة، ينتهي موسم 2020 وقبل بداية الموسم الجديد ونحن في المركز الثاني عشر، لقد كان خبرا سارا لي وللجميع، ولكنني مع الأسف سأخوض حربا جديدة ضد فيروس كورونا، حيث جاءت نتيجة العينة الخاصة بي إيجابية. (13)(14)

ربما كانت الأمور صعبة على الجميع، ولكن حين خضت التجربة لم أكترث، ماذا يعني هذا الفيروس أمام سرطان الدم وعملية زرع النخاع العظمي؟ رحلة جديدة يمكنني أن آخذ جانبها الإيجابي، سأعبر منها بسهولة لأُثبت لنفسي أنني شُفيت تماما من السرطان، وأن مناعتي استعادت عافيتها كليا. يبدو الأمر بسيطا، أليس كذلك؟

 

في تلك الفترة عُزِلت عن الجميع، ما آلمني فقط هو الابتعاد عن الفريق من جديد، الأمر الذي لم يغب عن بالي في أحلك لحظاتي مع المرض، الدافع الذي كان يحركني للأمام ويجعلني أتجاوز الألم. أخذ الفيروس دورته ورحل، اطمأننت على نفسي وانتصرت في معركة جديدة، وحان الوقت للعودة إلى حياتي التي كانت ولكن كوني رجلا أفضل وأكثر قدرة على تخطي معارك لم أتخيل أنني يمكنني خوضها من الأساس. اليوم أستطيع الركض لـ 10 كيلومترات يوميا، اليوم أنا أكثر قوة من ذي قبل.

"بعد 6 أشهر من المعركة اليومية ضد سرطان الدم، داخل وخارج المستشفى و3 مراحل من العلاج الكيميائي وزرع نخاع العظمي، كان فيروس كورونا بمنزلة كوب من الماء البارد".

أنا سينيسا ميهايلوفيتش، خضت العديد من المعارك في حياتي، انتصرت تارات وهُزمت في أخرى، ولكن يكفيني أنني في أصعب معارك حياتي لم أستسلم، وانتصرت. أنا سينسيا ميهايلوفيتش، حاربت من أجل زوجتي وأطفالي الخمسة، زوجتي التي تركت كل شيء من أجلي، تسلَّحت بشغفي ورغبتي في مواصلة رحلتي مع كرة القدم التي أنقذت حياة أمي وأبي، وبالعائلة وحب اللاعبين والجماهير ودعمهم، وبقوة شعرت بها داخلي تخبرني بقدرتي على تجاوز ذاك اللعين.

 

أنا سينسيا ميهايلوفيتش، قرّرت ألا أخاطبكم اليوم كوني مدربا لبولونيا، لأنه شأن لا يهم الكثيرين. اليوم أواجهكم كوني إنسانا لأقص عليكم قصتي، أخبركم رسالة مفادها أنني انتصرت في أصعب معارك حياتي، وقبل أن أضع نقطة النهاية دعوني أذكركم أن الحياة ما هي إلا عدة حروب، وأن الأمل جزء من الوقاية، رجاء لا تفقدوه أبدا.

 

  • هذه الرسالة خيالية، ولكن كل ما ورد فيها من معلومات صحيح تماما، وما جاء بين علامتي تنصيص قاله الرجل بالفعل. 

______________________________________________________________________________________________________

المصادر

  1. سينيسا ميهايلوفيتش: معركة حياته – فافل
  2. المصدر السابق
  3. المصدر السابق
  4. سنيسا ميهايلوفيتش: سلالة نادرة من المحاربين – بي تي إل
  5. المصدر السابق
  6. بولونيا عاشرًا في الدوري الإيطالي لموسم 2019
  7. ميهايلوفيتش يعلن إصابته بالسرطان في مؤتمر صحفي
  8. ميهايلوفيتش يرفض الاستقالة من منصبه كمدرب لبولونيا رغم إصابته بالسرطان
  9. ميهايلوفيتش يروي تفاصيل 8 أشهر من محاربة المرض
  10. المصدر السابق
  11. المصدر السابق
  12. شفاء ميهايلوفيتش من السرطان
  13. ميهايلوفيتش أول مدرب إيطالي يعود للتدريبات بعد عودة النشاط 
  14. إصابة ميهايلوفيتش بفيروس كورونا
  15. العائلة في حياة ميهايلوفيتش 

حول هذه القصة

38 عاما بالضبط، هذا هو متوسط أعمار فيناي فينكاتيشام وإيدو غاسبار وميكيل أرتيتا وبير ميرتساكر، الرباعي الذي يقود ثورة أرسنال الأخيرة على المستوى الإداري بعد التخلُّص من راؤول سانليهي.. إليكم القصة.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة