قنبلة في جيب بايدن.. هكذا جعل ترامب ملف أفغانستان معضلة العهد القادم

تُعتبر الحرب الأميركية في أفغانستان ملفا شائكا يُؤرِّق الإدارات الأميركية المتعاقبة خلال العقدين الماضيين، إلى أن أعلن ترامب عن ترشُّحه للرئاسة عام 2016، وكان أحد الوعود الرئيسية التي بنى عليها حملته هو إعادة القوات الأميركية كلها إلى الوطن، وإنهاء "الحروب الأبدية" التي دخلتها الولايات المتحدة. لكن عاما تلو الآخر في إدارته، كشف له مدى صعوبة اتخاذ قرار كبير مثل سحب القوات الأميركية كاملة من أفغانستان، حتى إنه اضطر في عام 2017 إلى زيادة قوام قوّاته هناك، ليأتي قبل أشهر من انتهاء ولايته ويُقرِّر سحب القوات الأميركية في أفغانستان والإبقاء على 2500 جندي فقط، وحدّد لهذه المهمة موعدا نهائيا هو موعد تنصيب الرئيس المنتخب جو بايدن. في هذا التحليل الذي أَعدّه جيم غولبي، الزميل البارز غير المقيم في مركز الدراسات الأميركية، ونشرته مجلة "الأتلانتك"، يناقش غولبي التعامل السيئ المهزوز لإدارة ترامب مع ملف أفغانستان، والتداعيات الفوضوية لهذا النهج على الشعب الأفغاني وإدارة الرئيس المنتخب جو بايدن.

 

منذ وطأ الرئيس دونالد ترامب بقدميه البيت الأبيض وهو لا يستطيع أن يُقرِّر ما إذا كانت الولايات المتحدة يجب أن تستمر في حربها في أفغانستان أم لا، فكان قراره المرتجل الأخير بخفض عدد القوات الأميركية هناك، بحلول 15 يناير/كانون الثاني المقبل، لا يختلف عن هذا النهج. وبسبب رغبة ترامب في إنهاء "الحرب الأبدية" كما يُطلِق عليها، التي هي أبعد ما يكون من أن تنتهي قريبا، فهو وضع الـ 2500 جندي الذين سيبقون في أفغانستان في خطر أكبر. كان الوضع سيئا بالفعل، لكن ترامب جعله أسوأ، في الوقت الذي سيرمي بالمشكلة بين يدي الرئيس المنتخب جو بايدن.

 

قامت حملة ترامب، الذي نصّب نفسه مُبرِم صفقات، في 2016 وفي 2020 على وعده بإنهاء الحرب التي بدأت في 2001، لكنه بدلا من ذلك اتّبع على مضض نصيحة مستشاريه العسكريين وقرّر رفع عدد القوات الأميركية في أفغانستان إلى 4 آلاف جندي في أغسطس/آب 2017. لكن هذا النقاش السياسي ألقى بظلاله، وبدأ ترامب يدرك أن الضباط الذين يصفهم بأنهم "قادته" لم يكونوا معه على الخط نفسه، وشعر ترامب -مثلما شعر أوباما من قبله- أن البنتاغون يُحاصره.

The White House's plan for the pullout will likely be subject to review should Trump lose his bid for a second term in the November 3 election [File: Jalil Rezayee/EPA]

عندما ضاق ترامب ذرعا بنهج القادة العسكريين، أوكل المهمة إلى المبعوث الخاص زلماي خليل زاد، السفير الأميركي السابق في أفغانستان. كلّف ترامب خليل زاد بعقد صفقة مع حركة طالبان تُجلى بموجبها القوات الأميركية وقوات الناتو من أفغانستان مع استمرار حماية الأهداف الأميركية لمحاربة الإرهاب، وهو ما نفّذه خليل زاد تماما في فبراير/شباط الماضي.

 

أكّد خليل زاد الالتزام بسحب القوات الأميركية وقوات الناتو كاملة بحلول مايو/أيار 2012، في مقابل ضمانات بأن تتوقف طالبان عن استهداف القوات الأميركية والمدن الأفغانية الكبرى، وتبدأ محادثات سلام مع الرئيس الأفغاني أشرف غني، وتكفّ عن السماح للجماعات الإرهابية باستخدام الأراضي الأفغانية لشنّ هجمات دولية. لكن رغم تأكيد المبعوث الخاص لحلفاء الناتو مرارا وتكرارا أن عملية سحب القوات المُرتقبة يتوقف تنفيذها على استيفاء شروط ميدانية، فإن طالبان لم ترقَ أبدا إلى توقعات البنتاغون والقادة العسكريين الحلفاء. ارتفعت حصيلة القتلى في الشهور الأخيرة، وتعثّرت المحادثات الأفغانية-الأفغانية، في حين انخفض عدد القوات الأميركية إلى نحو 5500 حاليا، وما زالت طالبان ترفض قطع صِلاتها بالقاعدة، وهو المطلب الأميركي الأوّلي الذي لم يكن جزءا من الصفقة النهائية.

 

حثّ وزير الدفاع، حينها، مارك إسبر وقادة الجيش الأميركي ترامب على وقف أي عملية سحب جديدة للقوات هناك حتى تفي طالبان بوعودها. لكن هذه المشورة بالإضافة إلى بعض المناوشات السياسية مع ترامب كتبت نهاية حقبة إسبر ببساطة، إذ أقاله ترامب من منصبه مع عدد من قادة البنتاغون بعد فترة قصيرة من الانتخابات.

بعد إقالة ثلاثة من أبرز المسؤولين المدنيين في البنتاغون واستبدالهم، فإن عواقب القرار بشأن أفغانستان تقع بالكامل على عاتق ترامب. ومع أن ترامب قد يحاول إلقاء اللوم على آخرين، فإنه لا يمكنه لوم أي شخص على التقاط السياسة المتماسكة أنفاسها الأخيرة مؤخرا. إن أي مصداقية متبقية لاتفاق خليل زاد قد تدمرت، كما أن رغبة ترامب التي بالكاد يخفيها في سحب القوات الأميركية قد انكشفت، كما هو حال إدارته الضعيفة وعدم قدرته على اختيار رؤية سياسية معينة والالتزام بها. فالاتفاق مع طالبان تسبّب في دمار أكثر مما كان سيحدث إذا ما أمر ترامب ببساطة بخفض عدد القوات.

 

حتى إذا تمركزت القوات الأميركية بعدد يصل إلى 14 ألف جندي، كما كان الحال في 2018، فإن الولايات المتحدة لا سبيل لها لهزيمة طالبان هناك. لسنوات كانت سياسة الأمر الواقع الأميركية في أفغانستان هي الإبقاء على عدد كافٍ من القوات لمنع طالبان من الاستيلاء على الحكومة المدعومة أميركيا في كابل والسماح للجماعات الإرهابية باستخدام البلاد قاعدةً لعملياتهم مجددا. إن قرار ترامب بسحب المزيد من القوات، رغم أن طالبان تستهين بالتزاماتها، قد يُحرز نقاطا سياسية لدى الأميركيين المنزعجين من هذه الحرب، لكنه يضع القوات الأميركية الباقية هناك في خطر أكبر.

 

كان لسوء إدارة ترامب لهذه الحرب عواقب أخرى أيضا، فخلال خدمتي مستشارا لسياسة الدفاع، ضمن بعثة الولايات المتحدة للناتو، رأيت كيف وضع افتقار ترامب للالتزام بالاتفاق سفيرته للناتو كاي بيلي هاتشيسون في موقف لا تُحسد عليه حين كانت تحاول طمأنة حلفاء الناتو والشركاء الأفغان بأن الولايات المتحدة ستُشرِكهم في أي قرار كبير تتخذه، وهو ما لم تفعله الولايات المتحدة، إذ صرّح الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ بتصريحات حادة حذّر فيها من خطر أن تعود "أفغانستان مرة أخرى لتكون قاعدة للإرهابيين الدوليين لتخطيط وشنّ هجمات على بلادنا"، وتكشف هذه التصريحات عن شعور بالإحباط يعتري القادة الحلفاء. إن استعداد ترامب لتجاهل الشروط التي فرضها مبعوثه الخاص على طالبان هي عدم احترام لحلفائنا وشركائنا الذين رغم أنهم لم يتعرضوا لهجمات في 11 سبتمبر/أيلول فإنهم وقفوا بجانبنا طوال 19 عاما، مُضَحِّين بأكثر من ألف من جنودهم ومليارات الدولارات من خزائنهم. نهج ترامب يُصَعِّب التعاون ويُشكِّك في مصداقية الولايات المتحدة.

كاي بيلي هاتشيسونكاي بيلي هاتشيسون

علاوة على ذلك فإن مناورات ترامب أضعفت الرئيس الأفغاني أشرف غني، بينما شرعنت طالبان من خلال اعتبارها شريك مفاوضات جديرا بالثقة. فاز غني، الذي يقضي فترته الرئاسية الثانية، في انتخابات أُجريت الخريف الماضي وظلّت غير محسومة لأشهر. وبالإضافة إلى طالبان، فإن غني يواجه خصوما من أصحاب النفوذ داخل أفغانستان وحتى داخل الحكومة التي يقودها. وبدلا من مساعدته في ذلك، فإن ترامب ووزير خارجيته مايك بومبيو ضغطوا على غني لمنح طالبان امتيازات غير ضرورية في حين أنه لم يحصل على مقابل ذي قيمة من ذلك.

 

بعد مرور نحو عقدين من الحرب، لا تقدُّم مستديم يبدو في الأفق حتى الآن. الكثير من الأميركيين، خصوصا هؤلاء الذين خدموا وقدّموا تضحيات في أفغانستان، قد يكونون متفهمين أو حتى متعاطفين مع ميل ترامب نحو الإسراع للخروج من هناك، لكن بالاعتماد على بحثي الذي أجريته مع الباحث بيتر فيفر من جامعة ديوك، فإن أكثر من 40% من الأميركيين يختارون عدم إبداء أي رأي عند سؤالهم فيما يتعلق بهذه الحرب.

 

الانسحاب الكامل قد يتسبّب على الأغلب في نتائج مدمرة، فالحرب في أفغانستان قد تتصاعد بشكل مأساوي، ويقع العبء الأكبر على عاتق المواطنين الأفغان الأبرياء. ورغم أن الحديث عن التهديدات الوشيكة للجماعات الإرهابية -بما فيها القاعدة والدولة الإسلامية- مبالغ فيه أحيانا، فإن الفوضى التي قد يُخلِّفها الانسحاب الأميركي الكامل قد تُفسح لهم المجال لاستعادة إمكانياتهم.

Supporters of al-Qaeda leader Osama bin Laden shout anti-American slogans, after the news of his death, during a rally in Quetta May 2, 2011. Bin Laden was killed in a U.S. helicopter raid on a mansion near the Pakistani capital Islamabad early on Monday, officials said, ending a nearly 10-year worldwide hunt for the mastermind of the Sept. 11 attacks. U.S. officials said bin Laden was found in the million-dollar compound in the military garrison town of Abbottabad, 60 km (35 miles) north of Islamabad. REUTERS/Naseer Ahmed (PAKISTAN - Tags: CIVIL UNREST CRIME LAW IMAGES OF THE DAY)

هذه التداعيات المحتملة -بالإضافة إلى التحديات اللوجيستية التي تواجه السحب السريع للقوات- هي على الأغلب ما أقنعت ترامب بالعدول عن سحب القوات كلها. والآن بإصدار ترامب الأوامر بسحب القوات الأميركية ما عدا 2500 جندي وتحديد موعد اعتباطي للانتهاء من المهمة بحلول موعد تنصيب بايدن، فإنه -ترامب- يُخلِّف وراءه وجودا غير مستديم في أفغانستان، وكارثة للشعب الأفغاني، وفوضى لإدارة بايدن ونائبته كامالا هاريس.

 

بالإضافة إلى ذلك فإنه يكاد يكون من المؤكد أن يخفض حلفاء الناتو التزامات قواتهم. وبالضرورة فإن القوات الأميركية وقوات الناتو ستتمركز في مواقع أقل حول كابل في المقام الأول، وبإمكانيات محدودة من أجل توجيه القوات الخاصة والطيارين الأفغان خارج العاصمة. فعلى الأغلب سيجعل القادة العسكريون الأمريكان أولوية مهمتهم، في محاربة الإرهاب والدعم الجوي، هي مساعدة قوات الأمن الأفغانية في الدفاع عن التجمعات السكنية الكبيرة.

 

على عادة ترامب فإنه يرفض أن يحذو حذو الرؤساء الذين سبقوه مباشرة، جورج بوش الابن وباراك أوباما. فعندما واجه بوش القرار حول ما إذا كان يجب رفع عدد القوات في أفغانستان في 2008، فإنه أرجأ القرار حتى يتسنى لأوباما تنفيذ الإستراتيجية التي يختارها. وبالمثل، فإن أوباما خلال أيامه الأخيرة في الرئاسة تجنَّب اتخاذ قرار كبير بتسليح القوات الكردية في شمال سوريا لمهاجمة تنظيم داعش في معقله بمدينة الرقة، تاركا الإدارة الجديدة ترسم مسارها الخاص. وعلى النقيض فإن ترامب يتعمّد بكل ما أوتي من قوة جعل الوضع في أفغانستان عصيا على إدارة بايدن وبالتالي على القوات الأميركية هناك.

ربما عن عمد، أو ربما عن عدم كفاءة، أو ربما مجرد حقد وغطرسة، فإن ترامب هيّأ الظروف لوضع الولايات المتحدة في موقف تكرّر كثيرا سابقا، حينما تدخَّل في حروب بالخارج بصورة تكفي لإزاحة معارضة قاتلة، لكن ليست قوية بما يكفي لحماية شعوب هذه البلاد. كانت أفغانستان بالفعل في موقف رهيب قبل إعلان ترامب الأخير سحب القوات، لكن الرئيس المنتهية ولايته جعل الموقف أسوأ، وربما لا يُطاق. وعلى الإدارة الجديدة التصرُّف بسرعة لترتيب الفوضى التي خلَّفها ترامب.

——————————————————————————-

هذا المقال مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : مواقع إلكترونية

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة