الصين على حدود روسيا.. كيف يخلق الوجود المتعاظم لبكين في بيلاروسيا صراعا جديدا؟

في ضواحي العاصمة البيلاروسية "مينسك" يظهر بناء عملاق أمام الأعين كعالم مستقل بذاته، عالم تنعكس فيه وجوه العاملين بـ 34 شركة دولية من جنسيات متنوعة كالروس والأميركيين والألمان والنمساويين وغيرهم، لكن جنسية واحدة تبرز أكثر من غيرها في تلك المنطقة وهي الجنسية الصينية، فنجد أن آلاف العمال الصينيين ينتشرون في المنطقة الصناعية التي تُعرف باسم "الصخرة الكبرى" (Great Stone)، أو "لؤلؤة" مبادرة الحزام والطريق كما وصفها الرئيس الصيني "شي جين بينغ" بنفسه، فيما تحكي أعمدة الإنارة المكسوة بالأعلام الصينية والمكاتب التي تُعلَّق فيها صور الرئيس الصيني المزيد عن هذا الوجود.

 

ربما ضمن ما لا يعلمه الكثيرون عن البلاد التي ترتبط بصورة مباشرة لدى أذهان الكثيرين بالجارة روسيا أن هذه المنطقة الصناعية بالذات قد بُنيت كونها أكبر مشروع إنمائي خارجي للصين يقع على مساحة تبلغ 112 كم مربع من الأراضي البيلاروسية، ويستوعب 200 ألف عامل يُشكِّل بناؤهم ووجودهم محورا للتجارة الدولية متعددة الأطراف، وتُمنح فيه الشركات الصينية العملاقة مثل هواوي و"ZTE" إعفاء من الضرائب مما يُسهِّل وصولها للأسواق المحلية بروسيا وآسيا الوسطى، بعيدا عن التدقيق الذي تخضع له تلك الشركات من قِبَل الولايات المتحدة ودول غربية أخرى.

 

لكن بعد 12 عاما على هذه الشراكة بين بكين ومينسك التي باتت قاب قوسين أو أدنى من أن تصبح منصة مركز لوجستي ومالي وابتكاري لمبادرة الحزام والطريق الصينية تنطلق منها نحو عتبة الاتحاد الأوروبي؛ طرأ ما يُهدِّد نجاح هذا المشروع وجملة المشاريع الصينية في بيلاروسيا، منها ما يتعلّق بالصعوبات التي يفرضها وباء "كوفيد-19" من بطء ديناميات الاتصالات التجارية وعرقلة تنفيذ العديد من المشاريع القائمة في المنطقة الصناعية، ومنها ما هو أخطر وتحديدا ما يتّصل بوضع الرئيس البيلاروسي "ألكسندر لوكاشينكو" الذي نجح في جذب الصين للاستفادة من الموقع الإستراتيجي لبلاده، إذ يواجه "آخر دكتاتور أوروبي" كما يُلقَّب تهديدا حقيقيا قد يُنهي حكمه الذي دام ثلاثة عقود، فمنذ التاسع من أغسطس/آب الماضي وحتى أكتوبر/تشرين الأول الحالي تتواصل الاحتجاجات الشعبية التي ترفض نتائج الانتخابات التي منحت هذا الرئيس الولاية السادسة في حكمه الممتد منذ عام 1994.

مظاهرة معارضة للاحتجاج على نتائج الانتخابات الرئاسية في مينسك، بيلاروسيا

في الوقت نفسه، فتحت تلك الاحتجاجات المجال بشكل أكبر "للتدخل الغربي في شؤون البلاد" كما تقول موسكو التي تعتبر بيلاروسيا جزءا منها، إذ تعتبر الموقف الغربي والأميركي المُندِّد بقمع الاحتجاجات تحرُّكا يهدف بصورة أساسية إلى زعزعة استقرار الوضع السياسي الداخلي، خاصة أن واشنطن قد هدَّدت بعقوبات ضد بيلاروسيا، ووجَّه مسؤولوها تصريحات قاسية دبلوماسيا ضد لوكاشينكو ونظامه، مثلما استنكر وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو انتخابات البلاد واصفا إياها بأنها "غير حرة ونزيهة"، وكما تحدَّث نائب الرئيس السابق والمرشَّح الديمقراطي الحالي للانتخابات الرئاسية "جو بايدن" عن تزوير انتخابي "يُحتِّم على لوكاشينكو الخروج من منصبه".

 

يُرينا ما سبق أن الصراع الجيوسياسي الذي يحدث في جميع أنحاء دول الاتحاد السوفيتي السابق، خاصة في بيلاروسيا، يُشعِر موسكو بخطر حقيقي من حدوث انقلاب عسكري قد يُزيح حليفها لوكاشينكو ويأتي برئيس غيره موالٍ للغرب، تماما كما حدث في الأزمة الأوكرانية عام 2014 حين اندلعت التظاهرات ردا على رفض الرئيس الأوكراني وقتها "فيكتور يانوكوفيتش" اتفاقية تؤمِّن المزيد من التقارب الاقتصادي مع الاتحاد الأوروبي مُفضِّلا التقارب مع روسيا، وهي تظاهرات انتهت بالإطاحة به مقيما الآن في منفاه بروسيا، لتتَّهم الأخيرةُ الغربَ بدفع الأموال وتقديم مساعدات عديدة للمعارضة الأوكرانية أدّت إلى الإطاحة بأحد حلفائها المقربين في الشرق الأوروبي.

 

وفي حال لم تنجح الجهود الروسية التي تُبذل لإيقاف الاحتجاجات الداخلية في بيلاروسيا فإن نظام الرئيس فلاديمير بوتين قد يخسر منطقة نفوذ أخرى على حدوده، لكن القلق الروسي لا يقتصر على توغل غربي فقط، بل يمتد لمحاولة تقليل نفوذ الصين في منطقة جغرافية مهمة ضمن خطط مبادرة الحزام والطريق الخاصة بها، وهو نفوذ تُهدِّده تلك المظاهرات أيضا، وقد يدفع ذلك التهديد الجاد بكين للتحرُّك لحماية مصالحها دون موسكو مما قد يرسم مساحة صراع جديدة بين القوتين الأكبر في آسيا، صراع قد يضر رؤية بوتين ربما أكثر مما يتصور هو نفسه.

 

الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو

تطوّرت العلاقات بين بيلاروسيا والصين بوضوح في السنوات الثمانية الأخيرة رغم تاريخ من العلاقات بينهما يرجع إلى نحو 25 عاما ماضية، وقد أتى ذلك التطور إثر رفع مستوى الشراكة الإستراتيجية الشاملة عام 2013، حيث قدَّمت بكين من حينها للآن دعما متواصلا لمشاريع البنية التحتية في بيلاروسيا، كإنشاء الطرق الجديدة، وصناعة وصلات للسكك الحديدية، وتقديم خدماتها لتحقيق التنمية العامة للبلاد عبر إنشاء المصانع الكبرى، وغيره، لتصبح الصين ثالث أكبر شريك تجاري لبيلاروسيا.

 

كما لم تتجاهل بكين التعاون التكنولوجي مع مينسك، إذ وقَّع الجانبان اتفاقية لإنشاء مركز للبحث والتطوير يهدف للتركيز على التقنيات الذكية وأنظمة الذكاء الاصطناعي، أما فيما يتعلَّق بالتعاون العسكري بين البلدين فسيبقى واحدا من أكثر المجالات التي حقَّق فيه البلدان تطوُّرا عزَّز العلاقات الدفاعية والأمنية بشكل كبير، فتُقدِّم الصين المساعدة الفنية العسكرية إلى مينسك ويتشاركان في تدريبات عسكرية مهمة، وتساعد الصين الجيش البيلاروسي في تطوير قدراته الصاروخية والأقمار الصناعية، والقيام بأنشطة مكافحة الإرهاب، كما تُزوِّد بكين القوات البيلاروسية بمعدات عسكرية يخضع الجنود البيلاروسيون للتدرب على صيانتها وتشغيلها في المصانع الصينية، ووصل التعاون بين اللجنة العسكرية والصناعية الحكومية في بيلاروسيا والمؤسسة الصينية لعلوم وتكنولوجيا الفضاء إلى إنتاج مشترك لأنظمة صواريخ متعددة الإطلاق.

 

على الجانب الآخر، كانت بيلاروسيا ذات السوق الصغيرة البعيدة عن الحدود الصينية التي تفتقر إلى احتياطات الموارد الطبيعية الكبيرة التي تجذب الصين في أي دولة أخرى عموما؛ كانت محطة مهمة للصين لخدمة مبادرة الحزام والطريق، كون بيلاروسيا العضو في الاتحاد الاقتصادي الأوروبي الآسيوي (EE) في موقع إستراتيجي مميز يُقرِّبها من الاتحاد الأوروبي، ويُحقِّق للصين فرصة لإنقاذ نفسها من تراجع الطلب الغربي على إنتاجها إثر الأزمة المالية العالمية، وذلك بالتركيز على دول أوروبا الشرقية، ومنها بيلاروسيا الدولة الأوروبية الوحيدة تقريبا التي تحافظ إلى حدٍّ ما على "الخيار الاشتراكي" الذي يُرضي النهج الصيني المتأثر بشدة بالأيديولوجية الماركسية اللينينية.

 

ومن النقاط المهمة ما جاء في تقرير "معهد السياسة الإستراتيجية الأسترالي" من شرح لاستفادة الصين من تعميق علاقتها مع بيلاروسيا، وهو أمر واضح نسبيا، فقد تكون بيلاروسيا عبارة عن ترس صغير للغاية كونها شريكا تجاريا لاقتصاد عملاق كالصين، لكن موقعها الجغرافي يجعلها حلقة وصل رئيسة بين الامتدادات الآسيوية والأوروبية لمشروع الحزام والطريق، وتُشكِّل بيلاروسيا نقطةَ انطلاق اقتصادية وسياسية قيمة لبكين أيضا في الأسواق الروسية وآسيا الوسطى الأكبر والأكثر ربحية.

 

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو

بالعودة الى استقلال البلاد عام 1992، فإن هذا الاستقلال لم يُنهِ اعتبار موسكو بيلاروسيا جزءا منها، إذ استمر الكرملين في تقديم الدعم العسكري والاقتصادي، حيث وفَّر تدخُّلاته المباشرة حال الطلب، كما قدَّم لها القروض، وأمَّن لها النفط الخام والغاز الطبيعي. وبالإضافة إلى ما سبق، لا تزال بيلاروسيا عضوا في مجموعات تقودها روسيا مثل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تُعَدُّ تكتلا عسكريا تُهيمن عليه موسكو، وقد مضت موسكو في إحكام قبضتها على الشريك الإستراتيجي من الناحيتين الجيوسياسية والجيواقتصادية، وتحاول تحصيل المزيد عبر السعي لدفع العاصمة مينسك إلى الوفاء بشروط معاهدة دولة الاتحاد لعام 1999، التي تنص على اتحاد سياسي وثيق بين البلدين، وهو اتحاد يسمح لروسيا بمزيد من النفوذ في الداخل البيلاروسي مثل بناء قاعدة عسكرية روسية هناك، وهو أمر لم تستطع موسكو تحقيقه حتى الآن.

 

جعل الوضع السابق لوكاشينكو، الذي يحافظ على الظهور صديقا لموسكو كغيره من قادة بلدان الاتحاد السوفيتي السابق، جعله على الأرجح حَذِرا من تدخُّلات روسية أعمق، لذلك فقد امتنع عن الاعتراف رسميا بشبه جزيرة القرم كونها جزءا من روسيا، ونجح حتى الآن في الإفلات من ضغوط الكرملين لاستضافة قاعدة عسكرية روسية كما ذكرنا، ويسعى بدأب لإيجاد بديل عن الاعتماد الإستراتيجي على روسيا التي تمتص السوق الاستهلاكية لها 44% من الصادرات البيلاروسية، ويسير نحو تعميق شراكات أخرى تُكسب نظامه مساحة أكبر للمناورة بعيدا عن موسكو، وفي سبيل ذلك قدَّم لوكاشينكو مبادرات إلى الغرب من أجل الضغط للحصول على تنازلات روسية، وتعزيز سُلطته في الداخل والخروج من قبضة الكرملين على نظامه.

 

لكن ما حدث هو أن الاحتجاجات البيلاروسية القائمة غيَّرت حسابات لوكاشينكو وهدَّدت خطته المتواصلة على مدار السنوات الماضية نحو تحسين العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وواشنطن، فأصبح الدعم الغربي الذي نزعه أمام عقبات عدة، فضلا عن القلق الذي يساور المستثمرين الغربيين بشأن المناخ الاقتصادي للبلاد، حيث تحضر عقبة حقوق الإنسان أمام تحسين بيلاروسيا لعلاقتها مع الولايات المتحدة وأوروبا اللتين ربطتا سابقا بين تخفيف نظام العقوبات المفروضة على روسيا البيضاء بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014، وإجراءات نأي لوكاشينكو بنفسه عن موسكو، وبين تخفيف القمع في الداخل.

في المحصلة، أدرك لوكاشينكو أهمية ألّا يبقى أسيرا للعلاقات مع واشنطن وأوروبا أيضا، ليُركِّز أكثر على مغازلة الصين بُغية تعظيم الفرص الاقتصادية، وتنويع خياراته الإستراتيجية، والأهم أن العلاقة مع بكين ستمنح الزعيم البيلاروسي حرية أكبر في التصرُّف في التعامل مع كلٍّ من روسيا والغرب، حيث تأمل مينسك أن تساعدها بكين على الخروج من الطريق المسدود الذي وجدت نفسها فيه متذبذبة بين الشرق (روسيا) والغرب (أوروبا)، على اعتبار أن بكين ليست جزءا من التوترات الجيوسياسية الثنائية في شرق أوروبا (بين روسيا والغرب)، التي تُشكِّل تحديا أساسيا لسيادة بيلاروسيا وقدرتها على المناورة الدبلوماسية، كما أن بكين التي تبعد آلاف الأميال عن البلاد ومن الصعب أن تسعى لمعاملتها ضمنيا كونها مقاطعة، ولا تسعى خلف حقوق الإنسان مؤسساتيا ودوليا بالقدر الغربي نفسه؛ لن تطالب لوكاشينكو غالبا بتخفيف القمع في بلاده، لذا كان الرئيس الصيني شي جين بينغ أول زعيم يُهنّئ لوكاشينكو بفوزه في الانتخابات الأخيرة، وسبق أن دعت الصين لاحترام سيادة بيلاروسيا واختيار شعبها في التعامل مع عدم الاستقرار السياسي، بل قال سفير الصين لدى الأمم المتحدة تشانغ جون في اجتماع للمنظمة إن ما يحدث في بيلاروسيا "من الشؤون الداخلية للبلاد، ولا يُشكِّل أي تهديد للسلم والأمن الإقليميين أو الدوليين"، على حد تعبيره.

 

في المقابل، تنظر بكين الطامحة إلى تعزيز نفوذها في أوروبا إلى بيلاروسيا ذات الموقع الإستراتيجي كونها منصةَ انطلاق مهمة على عتبة الاتحاد الأوروبي لمبادرة البنية التحتية للحزام والطريق، حيث تتطلّع لكسب موطئ قدم في أوروبا عبر استخدام دول أوروبا الشرقية المتعطشة للاستثمار، وقد وجد الصينيون في لوكاشينكو الذي لا يكف عن زيارة بلادهم أو استقبال كبار المسؤولين الصينيين رأس جسر اشتراكي غربي بالمقارنة مع أسلافه المباشرين.

 

تماما كما عارضت موسكو الثورات الملونة في أماكن متعددة من الاتحاد السوفيتي السابق، فإنها تكابد الأَمَرَّين الآن من أجل تجنُّب وقوع "ثورة ملونة" في بيلاروسيا، ثورة قد تؤدي حسب توقعات الكرملين إلى تنصيب حكومة جديدة موالية للغرب، يميل قادتها نحو توثيق العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.

وإلى حدٍّ كبير، تتوافق بكين مع السعي الروسي آنف الذكر، إذ تُدرك أن أي تدهور في بيلاروسيا التي تعمل على استخدامها نقطةَ انطلاق للسوق الأوروبية يُهدِّد خططها ومشاريعها القائمة، فصعود حكومة موالية للغرب في البلاد قد يضر بالمكونات الأوربية لمبادرة الحزام والطريق مما يعني انتكاسة للمصالح الوطنية الصينية، ورغم أن وجود حكومة بيلاروسية لا يرأسها لوكاشينكو لا يعني تهديدا للصفقات المربحة مع الصين فإن صوت القلق بشأن الديون الصينية المتزايدة يبقى حاضرا، فقد تُواجِه بكين أصواتا تُحذِّر من ثمن النفوذ الصيني في بيلاروسيا، فوفقا لأرقام وزارة المالية البيلاروسية فإنه منذ عام 2013 اجتذبت بيلاروسيا 3.6 مليارات دولار و10.8 مليارات دولار و2.6 مليار دولار في شكل قروض من الصين وروسيا والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، على التوالي.

 

وحتى مع سيناريو بقاء لوكاشينكو وانهيار العلاقات مع أوروبا ومن ثم تركيز الاعتماد على موسكو، فإن الصين المُرحِّبة بعلاقات أوثق مع لوكاشينكو الذي تعهَّد بحماية مصالحها ستتأثر استثماراتها بأية عقوبات غربية يفرضها الاتحاد الأوروبي والولايات على بيلاروسيا بسبب القمع الوحشي ضد المحتجين.

 

في الأزمة الحالية، يُثير المراقبون أيضا نقطة مهمة تتعلّق بالعلاقات الصينية الروسية في بيلاروسيا، فموسكو التي سعت إلى جذب الاستثمار الصيني لمشاريع البنية التحتية على أراضيها، واعتبرت الاستثمارات الصينية في بيلاروسيا مُجدية وتزيد من جاذبية الصين لممر الحزام والطريق الذي يمر عبر الأراضي الروسية، قد يصبح تنامي النفوذ الصيني في جوارها مُقلِقا على المدى البعيد ويُعرِّض الوجود الروسي للخطر، خاصة إذا ما حدثت تطورات تُهدِّد خطط الصين وتدفعها نحو حماية مصالحها الاقتصادية عبر استخدام الحلول العسكرية كإقامة قواعد عسكرية لتأمينها، فالصين التي قدَّمت قرضا بقيمة 500 مليون دولار بعدما علَّقت موسكو قرضا مماثلا، قامت أيضا بمساعدة بيلاروسيا في بناء نظامها الصاروخي "بولونيز" لتعزيز نظام دفاعاتها الخاصة ضد موسكو بعد ضم شبه جزيرة القرم وبعد رفض موسكو بيع نظامها الصاروخي "إسكندر" بسعر مُخفَّض لبيلاروسيا.

وكما جاء في تقرير معهد "جيمس تاون" الأميركي للبحوث فإن ما سبق لا يعني أن الصين ستحل محل روسيا كونها قوة خارجية عظمى في بيلاروسيا، لكن مع احتدام التوترات بين موسكو ومينسك بسبب دفع فلاديمير بوتين لدمج روسيا وبيلاروسيا، قد تكون بكين بمنزلة مورد مهم للدفاع عن لوكاشينكا، خاصة إذا لم تُغيِّر بروكسل وواشنطن نهجها، وإذا نما دور الصين بهذه الطريقة، فقد يشعر لوكاشينكا بضغط أقل للخضوع لموسكو بشأن الاندماج أو للغرب بشأن التحول الديمقراطي.

 

بالطبع لا يريد الصينيون استعداء روسيا الحليف الإستراتيجي الذي يبارك خُطى مبادرة الحزام والطريق، وإنما ما يهم بكين هو حماية مصالحها واستثماراتها في بيلاروسيا، وأمام سيناريو احتمالية عدم قدرة موسكو على السيطرة على الأحداث في بيلاروسيا، لا يُستبعد أن تنتهج بكين نهجا براغماتيا مغايرا لما تريده موسكو، فتُقيم علاقات تُراعي مصالحها في الدرجة الأولى وبالأخص مبادرة الحزام والطريق مع أي حكومة تظهر في مينسك، حتى ولو أتى ذلك على حساب حليفها المفضل الحالي "لوكاشينكو".


حول هذه القصة

إذا كنت تتساءل عن ما يحدث في شرق البحر المتوسط.. فنقدم لك هذا التقرير الذي يقدم صورة بانورامية عن الوضع القائم، ويوضح أبعاد التنافسات الجارية، ومصالح القوى الكبرى واحتمالات تطور التوتر إلى صدام.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة