لأن سواريز ليس بتلك البشاعة.. لماذا يلجأ الرياضي إلى الغش؟

 

بعض الانطباعات لا تُمحى، بعض الانطباعات لا يحاول صاحبها محوها أصلا. حين سمعنا جميعا أن لويس سواريز مهاجم برشلونة آنذاك قام بالغش في اختبار اللغة الإيطالية اللازم لإتمام انتقاله إلى يوفنتوس، هناك سبب منعنا من الشعور بالمفاجأة، فهذا يبدو تصرُّفا يُقدِم عليه لويس سواريز. (1)

 

لسنا بصدد الحديث عن جودته الفنية، فقد أعاد الرجل إثباتها في دقائقه الأولى بقميص أتلتيكو مدريد، ولكنه ببساطة هذا النوع من اللاعبين: لاعب لن يتورع عن فعل أي شيء لأجل الفوز، أشياء مثل التمثيل للحصول على ركلات الجزاء، أو اللعب بخشونة تصل إلى ضرب الخصوم عمدا. نتحدث عن شخص سبق له غرس أسنانه في كتف ثلاثة خصوم، هل سيبدو من الغريب أن يحاول اجتياز الاختبار عن طريق الغش؟

 

يبدو العالم الرياضي جميلا للغاية، انظروا إلى مباراة التنس التي انتهت بتلك المصافحة، راقبوا كيف تفوح الروح الرياضية من جنبات الملعب كافة، إنه قتال شريف تسعى أطرافه للفوز في حدود القانون الذي يحمي تلك المنافسات. هراء، نعم لا يزال هناك مَن يؤمنون بذلك، لا يزال هناك مَن يُنبِّه حكم مباراة كرة القدم إن اتخذ قرارا خاطئا في صالحه، هناك مَن يصافح منافسه عقب المباراة أيًّا كانت النتيجة بلا كراهية، ولكن كلما طفت بعض الكواليس على السطح، لا يمكننا التسليم 100% أن هذا هو السائد.

 

كل ما يظهر من وقت إلى آخر من كواليس عفنة لأحداث رأيناها في المرة الأولى باعتبارها منافسة رياضية شريفة لا يجعلنا نتأمل فداحة ما عرفناه للتو، بل فداحة ما لا نعرفه بعد، أو بالأحرى ما ربما لن نعرفه أبدا. مثلا قصة سواريز تلك كانت وليدة المصادفة بشكل أو بآخر، المهاجم الأوروجوياني حصل على أسئلة الاختبار قبل دخوله، ولكن ربما كان خطؤه الوحيد هو أنه قد حصل عليها من جامعة خاضعة لرقابة الشرطة بالفعل منذ فبراير/شباط 2020. (2)

 

هذا ما أكّده الكولونيل سيلفادجيو ساري -وهذا مجرد تشابه أسماء- قائد التحقيقات في هذا الملف، بفضل الأنشطة "البعيدة عن الشفافية" التي يجريها البعض من مسؤولي جامعة بيروجيا، والتي أدّت إلى وضع هواتفهم تحت المراقبة التي التقطت كلمات مثل: "لا يمكننا إفساد صفقة قيمتها 10 ملايين يورو في الموسم بسبب اختبار للمستوى B1″، والآن بات يوفنتوس قيد التحقيق بسبب مكالمات أخرى بين أحد محاميه وبين مسؤول في الجامعة بشأن هذا الاختبار، ويا لها من مهزلة، يسوقون يوفنتوس إلى التحقيق بسبب مكالمة مسجلة عن اختبار لغة؟ هل هذا هو نوع "المكالمات المسجلة" الآن؟ لقد تغير الزمن حقا. (3)

 

نعم، الأمر يبدو تافها للغاية بدخوله حيز المقارنة، فآخر مرة وُضِع فيها يوفنتوس في موقف مشابه كانت هناك مكالمات بين مديره لوتشيانو مودجي ورئيس لجنة الحكام، قادته لسحب لقبين من خزائنه وإرساله إلى الدرجة الثانية في واحدة من أشهر فضائح كرة القدم والرياضة عموما. يمكن القول إن الطفرة التي نعيشها على الأصعدة كافة قد قلّلت من إمكانية التلاعب دون افتضاح أمر المتلاعب، أو على أقل تقدير قيّدت المتلاعب في نطاق أضيق في مساحات أكثر بُعدا عن الأعين، ولكن قبل كل هذا التطور، قبل أن توجد آلاف وسائل الإعلام لتسلِّط الضوء على الفضيحة، وقبل أن توجد مئات السبل التكنولوجية لاكتشاف التلاعب أثناء بل وقبل حدوثه أحيانا، كيف كان الحال؟ (4)

لويس سواريز

على مر الزمان، وفي كل حقبة تاريخية، كان هناك فضيحة هنا أو هناك، غشاش أُمسِك به متلبسا بفعلته، وغشاش افتضحت فعلته لاحقا، وبطبيعة الحال، غشاش قد توفي دون أن نعرف اسمه حتى اليوم. تتدرج التفاصيل من المضحكة إلى المثيرة للاشمئزاز. بما أننا قد بدأنا من عند الكالتشيوبولي، إليك شقيقتها من عالم البيسبول عام 1919: فضيحة "بلاك سوكس"، أو "قل إن الأمر ليس كذلك يا جو". العبارة الأخيرة خرجت على لسان مشجع صغير لفريق شيكاغو وايت سوكس إلى نجم فريقه جو جاكسون، عقب ظهور أنباء بيع الفريق لنهائيات كأس العالم بعد خسارته رغم كونه المرشح الأول، وللعلم "كأس العالم" هنا هو مرادف لبطولة أميركية خالصة، ولكن هذا ليس موضوعنا الآن.

 

للوقوف سريعا على الوضع فإن الأموال الجنونية المتاحة في رياضة البيسبول الآن لم يكن لها هذا الوجود في الربع الأول من القرن العشرين. نجم آخر لهذا الفريق هو إيدي سيكوت، وعده مدربه بـ 10 آلاف دولار إن فاز في 30 مباراة، وبعد أن حقّق الفوز التاسع والعشرين أجلسه المدرب على مقاعد البدلاء، بالتالي حين وجد مَن يدفع له المبلغ نفسه لم يمانع البيع، كونه واحدا من 8 لاعبين أُدينوا بنهاية تلك الفضيحة عام 1920. من بين هؤلاء الثمانية أيضا هناك كلود "ليفتي" ويليامز، الذي تعرّض لتهديدات شخصية إن لم يتخلَّ عن المباراة. الأمر كله أُدير لحساب المراهنين، وهكذا تحكّمت شهوة الربح المادي في مسار البشر وقراراتهم، كعادتها في أي نشاط آخر على هذا الكوكب. (5)

 

بالعودة إلى الرياضيين أنفسهم، هناك فريد لورز بطل الماراثون في أولمبياد 1904 الذي التقط صورته التذكارية بالفعل مع ابنة الرئيس الأميركي ثيودور روزفلت وكاد يتسلم ميداليته الذهبية، قبل أن يكتشف الجميع أنه قطع 11 ميلا من الماراثون في سيارة! هناك الروسي بوريس أونيشنكو بطل الخماسي الحديث، الذي وضع أسلاكا ومُحوِّلا كهربائيا داخل مقبض سيفه يسمح له بإغلاق الدائرة الكهربائية في رداء خصمه. تحتسب النقاط في تلك المبارزة حين يوجه طرف السيف ضربة إلى هذا الرداء، ولكن طريقة أونيشنكو سمحت له بالحصول على النقاط دون أن يلمسه أصلا. (6)

 

الشكوك بشأن اختبار اللغة الذي خضع له سواريز بدأت فعليا بسبب اجتيازه للاختبار في وقت أقل من المعتاد، وهذا بالضبط ما أوقع بالعداءة روزي رويز بطلة ماراثون بوسطن عام 1980، إذ أنهت السباق بفارق 20 دقيقة عن أفضل رقم سابق لها. أثارت روزي الكثير من الشبهات، ولكن الضربة القاضية وجهتها مصورة صحفية قابلت روزي بالمصادفة في مترو الأنفاق! (7)

 

أيضا لدينا الكندي بن جونسون أحد أشهر العدائين في التاريخ، الذي فاز بالسباق النهائي في أولمبياد 1988، ليتضح لاحقا أنه تعاطى منشط "الستيرويد"، ثم يعترف مدربه تشارلي فرانسيس أنه قام بإعطاء المنشطات إلى 11 رياضيا كانوا يتدربون تحت قيادته، "لأن الكل في عالم الرياضة كان يفعل ذلك"! مبرر غريب؟ إطلاقا، فجميع المشاركين في سباق 1988 مثار هذا الجدل قد ثبت تعاطيهم للمنشطات في مرحلة ما من مسيرتهم. (5) (7)

جونسون، مثل الكثير من الرياضيين، وقع تحت طائلة الحساب بفضل اختبارات الكشف عن المنشطات، ولكن قبله بعشرة أعوام، يتفرد ميشيل بولنتييه بطل سباق الدراجات بكونه لم يسقط بسبب ما وجده التحليل في بوله، بل بسبب البول نفسه. الرجل أثار الشبهات عام 1978 أثناء تقديمه للعينة بتحريك مرفقيه بشكل غريب، فطلب منه المسؤول أن يرفع قميصه، ليجد مضخة وأنبوبة رفيعة وبولا لا ينتمي له! (6)

 

هناك سيلفستر كارموش بطل الفروسية الشهير، الذي استغل شدة الضباب عام 1990 وأنهى السباق من خارج المضمار، وهناك منتخب إسبانيا البارالمبي لكرة السلة في فئة ذوي الاحتياجات الذهنية الخاصة بدورة الألعاب الصيفية عام 2000، الذي تسبب في تعطيل فئة متحدي الإعاقات الذهنية بأكملها لمدة دورتين بعد اكتشاف اللجنة المنظمة أن 10 من أصل 12 لاعبا لم يكن لديهم أي إعاقة على الإطلاق. (6) (7)

 

لنترك ألعاب الأطفال تلك ونتّجه إلى الأوجه "الأخرى"، ولك مطلق الحرية في ضبط تشكيل الكلمة. في السادس من يناير/كانون الثاني 1994 تعرّضت الأميركية نانسي كيريجان نجمة التزلج على الجليد لهجوم من رجل مجهول بعصا حديدية أصابها بأضرار بالغة في الركبتين أجبرتها على الغياب عن بطولة الولايات المتحدة. تبيّن لاحقا أن مدبر هذا الهجوم هو جيف جيلولي زوج تونيا هاردينج، الفائزة ببطولة الولايات المتحدة عام 1994! جريمة هاردينج تحولت من مجرد حالة فردية إلى جماعية، حين ظهر في مارس/آذار 2012 أن فريق كرة القدم الأميركية نيو أورليانز سينتس يملك نظاما داخليا لمكافأة لاعبيه على "إصابة الخصوم عمدا"، تورّط به 27 من لاعبي الفريق.(5)

من السهل القول إن سواريز ليس الأول ولن يكون الأخير، هو ليس الأول حتى في مجال الغش الدراسي، هناك 23 رياضيا في جامعة فلوريدا فعلوا الأمر نفسه عام 2007، بطرق تنوعت من مساعدة المعلمين لهم خلال الاختبار ووصلت في واحدة من الحالات إلى خضوع شخص آخر للاختبار باسم زميله. يمكن ببساطة إلقاء الأمر على طبيعة الرياضيين التي تُفضِّل الرياضة منطقيا على الدراسة، فسواريز ليس بحاجة إلى تصريف الأفعال الصحيح حتى يسجل الأهداف مع يوفنتوس، كل ما يحتاج إلى تعلُّمه حقا عن اللغة الإيطالية هو الشتائم. (8)

 

ولكن بطريقة أو بأخرى، يبدو كأن الكل قد فعل شيئا ما لأجل الفوز، ربما نجد أنفسنا قد فعلنا شيئا ما لأجل الفوز حتى وإن كانت المنافسة لا تعني شيئا على الإطلاق، فقط مجرد لعبة ودية بين الأصدقاء في مقهى. من هنا يبدأ تحليل جامعة أورورا لـ "سيكولوجية الغش الرياضي". (9)

"سيكولوجية الغش في الرياضة موضوع معقد، والباحثون يواصلون التعلُّم بشأن ما يدفع الناس لخرق القواعد سواء باستخدام المنشطات أو بأيٍّ من وسائل الغش، ولكن على كل حال، السبب الرئيسي لقيام الناس بالغش في الرياضة ليس بهذا التعقيد على الإطلاق. الرياضيون يريدون الفوز، وفي أعلى المستويات، الفارق بين المركز الأول والثاني قد يكون بضعة ملايين من الدولارات وكمًّا معتبرا من الشهرة، لهذا يعتبر بعض الرياضيين الفوز هو الشيء الوحيد، وبالنسبة لهم، فإن العوائد المتمثلة في المال والشهرة تستحق المخاطرة بافتضاح أمرهم ووصمهم بالغشاشين".

تنقسم المسألة إلى محورين رئيسيين، أولهما هو الدافع الطبيعي للفوز، استنادا إلى القول إن "الفوز ليس كل شيء، بل هو الشيء الوحيد أصلا"، وفي بيئة تنافسية بطبيعتها مثل الرياضة، ليس من المستغرب أن يحاول البعض أخذ خطوات أبعد من أقرانهم. وبحسب "كتيّب سيكولوجية الرياضة" فإن تلك التنافسية أحيانا ما تضع الأفراد في مواقف صراع مع النفس، عادة ما ترجح فيها كفة الفوز على كفة الروح الرياضية واللعب النظيف.

كتيب سيكولوجية الرياضة

أما المحور الثاني مباشرة فهو مرتبط بالأنا وكيفية عمل الأخلاق في النفس البشرية، إذ يبدأ الأمر من كيفية تفكير الأفراد في أنفسهم وتحديد دوافعهم الحقيقية لممارسة الرياضة، وهنا ينقسم الرياضيون إلى هؤلاء الذين يقودهم تفكيرهم في مهامهم إلى التركيز على العمل الجاد والتطور المستمر، وهؤلاء الذين تحركهم الأنا إلى الاعتقاد بأن المهارة فطرية، ليصبح همهم الوحيد هو أن يصبحوا أفضل من الجميع، أو بكلمات أخرى في حالات أخرى، أن يُقال عنهم إنهم أفضل من الجميع.

 

بحسب "كتيّب سيكولوجية الرياضة"، أثبتت الدراسات وجود الرابط بين انتماء الرياضي لإحدى الفئتين وبين علاقته بالروح الرياضية والأخلاقيات، فأصحاب الأنا دائما ما يكون لديهم النسب الأقل من الالتزام بالروح الرياضية، وأحيانا لا يكفيهم ممارسة الغش بل دعمه وتأييده علنا. بكلمات أخرى، هناك علاقة عكسية بين الأنا والأخلاقيات، كلما ارتفع منسوب إحداهما انخفض منسوب الأخرى داخل الشخص نفسه.

 

بحث آخر في السلوك والإدراك الاجتماعي يدحض المفهوم السائد بأن الغشاش يشعر بالذنب عقب قيامه بتصرف غير أخلاقي، ففي 6 تجارب، الأفعال غير الأخلاقية لم تفشل فقط في إثارة الشعور السلبي، بل أثارت شعورا إيجابيا بداخلهم أشبه بالنشوة. تذهب هذه الدراسة من هنا إلى حقيقة أن أغلب القرارات الأخلاقية تُتَّخَذ طي الكتمان وتزداد صعوبة ملاحظتها، وبالتالي، فإن مَن يمكنه استخلاص الفائدة المادية والنفسية معا في آنٍ واحد من القيام بالغش يصبح أكثر تحفزا وقابلية للقيام بفعل غير أخلاقي لأجل الفوز.

 

الكل يعرف قصة لانس أرمسترونج بطل الدراجات الشهير الذي خسر كل شيء بسبب افتضاح الغش. جُرِّدَ من كل إنجازاته وألقابه، وكلّفته المصاريف القانونية ما يفوق 100 مليون دولار، لم يدفع منها للسلطات قيمة للعقوبة سوى 5 ملايين فقط. ولكن بالنظر للأمر من الجانب الآخر، فتلك الأموال أقل بوضوح مما جناه من الغش. بحسب بلومبرج عام 2013، عوائد أرمسترونج تخطت 218 مليون دولار، وفي زهو مسيرته قدَّرت فوربس عوائده السنوية بـ 28 مليون دولار.

 

هل كان الأمر يستحق كل هذا العناء؟ هل كان يستحق الغش وتعاطي المنشطات والسمعة السيئة التي ستُلاحقه حتى بعد وفاته؟ إن عاد به الزمن للوراء، هل كان ليُقدِم على فعل الأمر نفسه مرة أخرى؟ إجابة لانس أرمسترونج كانت كالتالي: "إذا كنت أخوض السباقات في 2015، لا، لأني لا أعتقد أني سأكون مضطرا لذلك. أما إذا عدت بي إلى عام 1995 حين كان الأمر منتشرا، ربما كنت سأقوم بذلك مرة أخرى". هذا يفي بغرض إخبارنا عن هذا العالم الذي نعيش فيه، والآن أخبرنا ما إذا كان الغش في اختبار اللغة الإيطالية لا يزال يبدو بتلك البشاعة. (9)

_____________________________________

المصادر

  1. اتهام سواريز بالغش في اختبار اللغة الإيطالية
  2. تحقيقات وتسجيلات الشرطة بشأن الاختبار
  3. يوفنتوس قيد التحقيق بسبب اتصالات المحامي
  4. فضيحة كالتشيوبولي
  5. تقرير How Stuff Works عن فضائح الغش الرياضي
  6. تقرير صحيفة الجارديان عن فضائح الغش الرياضي\
  7. تقرير Culture Trip عن فضائح الغش الرياضي
  8. تورط الرياضيون بجامعة فلوريدا في الغش بالاختبارات
  9.  جامعة أورورا عن سيكولوجية الغش الرياضي

حول هذه القصة

تواصل "ميدان" مع المصري حسن بلتاجي، الذي يعمل مدربا لإحدى أكاديميات الشباب بالبوندسليغا، ومحلل الأداء السابق بنادي "كارل زايس يينا" الألماني، لسؤاله عن تأثير علم البيانات على كرة القدم بالوقت الحالي.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة