"الموت بالتقليد".. كيف تساهم وسائل الإعلام العربية في زيادة حالات الانتحار؟

خلال الأسبوع الثالث من شهر سبتمبر/أيلول 2021، انقلبت وسائل التواصل الاجتماعي المصرية رأسا على عقب على أثر حادثة انتحار جديدة لفتاة في العقد الثالث من عمرها في أحد المجمعات التجارية الشهيرة بمدينة القاهرة، هذه المرة كانت مختلفة قليلا، لأن إحدى كاميرات المراقبة كانت في مواجهة الفتاة، ما أعطى تفصيلا دقيقا للحادث، وسرعان ما نشرت المنصات الإلكترونية لبعض الصحف المصرية المقطع نشرا موسَّعا، وانتشر بعدها في وسائل التواصل الاجتماعي كأي "ترند" معتاد.

ليس ذلك فقط، بل وأُرفقت التقارير الصحفية في بعض الأحيان بزيارات ميدانية لموضع الحادث، وقدَّمت تفاصيل كاملة عن الواقعة، كيف حصلت، ولِمَ حصلت، وما طبيعة عمل والد ووالدة المُقدِمة على الانتحار، وماذا دار بينها وبين خطيبها قبل الانتحار مباشرة؟ لقد بدا الأمر وكأنه سباق لمَن يتمكَّن من جذب انتباه الجمهور بأي تفصيلة إضافية، وصولا إلى أشياء ببساطة "ماذا كانت ترتدي الفتاة لحظة انتحارها؟".

الصحفي عاشق الترند

هذه ليست المرة الأولى، في الواقع فإن الصحافة المصرية والعربية، ووسائل التواصل الاجتماعي عموما، معتادة على التعامل مع هذا النوع من الحوادث بدرجة كبيرة من عدم الاحترافية، لأنه ليس من المفترض -بحسب المعايير العالمية(1) للصحافة التي تغطي حوادث الانتحار- أن يتخصَّص الصحفي ويُفصِّل في شؤون مثل موضع الانتحار أو آلية حدوثه أو طبيعة عمل وتفاصيل حياة المُقدِم على الانتحار وعائلته.

من جانب آخر، ليس من المفترض أن تعرض وسائل الإعلام أية رسائل تركها المُقدِم على الانتحار، إذا كان قد ترك شيئا، وهو ما يحدث عادة في نحو 15% من حالات الانتحار، لكن الأهم من ذلك كله هو أنه على الصحفي ألا يبالغ في التبسيط حينما يتحدَّث عن أسباب الإقدام على الانتحار، والواقع أن هذا هو ما يحدث بالضبط في تغطية تلك الحوادث، فتجد الصحفي يقول في عنوان الخبر أن شخصا ما "أقدم على الانتحار بسبب ظروف سيئة مرَّ بها مؤخرا".

آلام الشاب فرتر

لا تظن أن الأمر يتعلَّق فقط ببروتوكولات عقيمة لا طائل منها، بل هو أعمق من ذلك، ولفهم جذور الحكاية يمكن أن نبدأ من عام 1774، حيث أُصدرت رواية "آلام الشاب فرتر" (The Sorrows of Young Man Werther)، من تأليف الأديب الألماني يوهان فولفغانغ فون غوته، وفيها ينتحر البطل بسبب علاقة حب فاشلة، بعد صدورها ارتفعت نِسَب الانتحار في أماكن مثل إيطاليا ولايبزيغ وكوبنهاغن، وكان أول مَن لاحظ ذلك من ناحية بحثية هو ديفيد فيليبس(2) عالِم الاجتماع الأميركي من جامعة سان دييغو في السبعينيات من القرن الفائت، الذي أطلق على هذا التأثير الغريب لقب "تأثير فرتر" (Werther effect)، وبات يُعرف كذلك باسم "الانتحار بالتقليد" (Copycat suicide).

يعني هذا التأثير أن الإعلان عن حادثة انتحار يمكن أن يدفع الأشخاص المعرضين للخطر، بسبب عوامل نفسية ومَرَضية، إلى الإقدام على الانتحار الفعلي، يمكن أن يكون ذلك مُتعلِّقا بالإعلان عن حادثة انتحار حقيقية، أو حتى حادثة خيالية، مثلما حصل في حالة "آلام الشاب فرتر"، وهو أيضا ما حدث قبل عدة سنوات بسبب المسلسل الأميركي الشهير "Reasons Why 13".

رواية "آلام الشاب فرتر"

حيث وجدت دراسة نُشرت عام 2017 في دورية "جاما إنترناشونال ميديسن"(3) أن المسلسل، الذي يتحدَّث عن أسباب حالة انتحار، ارتبط بزيادة عمليات البحث على الإنترنت المُتعلِّقة بالانتحار. رُصدت زيادة بنسبة 26% في عمليات البحث عن جمل مثل "كيفية الانتحار"، وبنسبة 18% في عمليات البحث عن كلمة "الانتحار"، وزيادة بنسبة 9% في عمليات البحث عن جملة "كيف تقتل نفسك؟". في 2019، أوضح بحث آخر نُشر في دورية "جاما سايكايتري" أن المسلسل كان مرتبطا بزيادة فعلية في حالات الانتحار لدى الفئات العمرية بين سن 10-19 سنة، لكن دراسات أخرى نفت ذلك.

إلى الآن، أُجريت أكثر من 100 دراسة(4) في حالات الانتحار بالتقليد، توصَّلت المراجعات المنهجية لهذه الدراسات إلى الاستنتاج نفسه: يمكن أن تؤدي التقارير الإعلامية عن حالات الانتحار إلى سلوكيات انتحارية لاحقة. خلصت هذه الدراسات أيضا إلى أن السلوك الانتحاري المُقلَّد يكون أكثر احتمالا في ظل ظروف معينة. على سبيل المثال، ترتبط التغطية الإعلامية المتكررة ارتباطا وثيقا بالسلوك الانتحاري المُقلَّد، كذلك يكون تأثير التقرير عن الانتحار أكبر عندما يكون الشخص الموصوف في القصة من المشاهير ويحظى باحترام كبير من قِبَل القارئ أو المشاهد.

على جانب آخر، ظهر أن مجموعات محددة من الناس (مثل الشباب، والأشخاص الذين يعانون من مرض عقلي، والأشخاص الذين لديهم تاريخ من السلوك الانتحاري) مُعرَّضون خاصة للانخراط في سلوك انتحاري بالتقليد، تزداد المخاطر بوضوح عندما تتشابه خصائص الشخص الذي مات منتحرا وخصائص القارئ أو المشاهد بطريقة ما. بالإضافة إلى ذلك، يلعب محتوى القصص دورا مهما أيضا، فالقصص التي تؤكِّد أو تُكرِّر الأساطير حول الانتحار، أو التي تتضمَّن وصفا تفصيليا لحادثة الانتحار، من المُرجَّح أن تؤدي إلى حالات انتحار مُقلَّدة.

المسلسل الأميركي "13 Reasons Why ".

لهذا السبب، يمكن لتأثير فرتر أن يتنبأ بالطريقة التي تستخدمها حالات الانتحار بالتقليد، وعادة ما تكون الطريقة التي أُعلِن عنها في الأخبار أو طريقة مماثلة لها، يحدث ذلك بشكل أكبر كلما كان الشخص المُعلَن عن انتحاره أكثر تشابها مع الأشخاص الذين تعرَّضوا للمعلومات المُتعلِّقة به، بحسب وجهة نظرهم.

الفنان يؤثر حيا وميتا

كان أشهر تأثير مُحتمَل عُثِر عليه لظاهرة الانتحار بالتقليد مرتبطا بالنجمة السينمائية المعروفة مارلين مونرو(5)، فخلال شهر انتحارها في أغسطس/آب 1962 كان هناك 303 حالة انتحار إضافية، بزيادة قدرها 12% عموما، وهي نسبة كبيرة بمعايير الولايات المتحدة نفسها، حيث عادة ما يتسبَّب إقدام الفنانين على الانتحار في ارتفاع قدره نحو 2-3% في حالات الانتحار خلال الأيام التالية للحادث.

أما في كوريا الجنوبية(6)، فقد رُصد ارتفاع كبير في عدد حالات الانتحار بنسبة 162% بعد إقدام الممثلة السينمائية الشهيرة جين سيل تشوي، البالغة من العمر 40 عاما، على قتل نفسها في منزلها في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2008، في العام التالي قتل الرئيس الكوري السادس عشر "مو هيون روه" نفسه في 23 مايو/أيار 2009، وتلا ذلك ارتفاع في نِسَب الانتحار بالبلاد بنسبة 100%، ما يُميز هذه الحالات تحديدا أنها كانت محبوبة في كوريا الجنوبية، قريبة للجمهور، لها قصص نجاح عادة ما تتكرَّر في أحاديث الناس العادية.

نماذج حاسوبية

أظهرت نتائج المحاكاة أن الأشخاص الافتراضيين يتصرَّفون بالآلية نفسها التي يتوقَّعها تأثير الانتحار بالتقليد.

حاول أليكس ميسودي، من جامعة كوين ماري بلندن، أن يرصد تلك الظاهرة بشكل أكثر عمومية، فطوَّر نموذجا حاسوبيا(7) لمجتمع مُكوَّن من 1000 شخص افتراضي، قُسِّموا إلى 100 مجموعة مُكوَّنة من 10 أفراد، في نموذج مُصمَّم لتمثيل مستويات مختلفة من التنظيم الاجتماعي، مثل المدارس أو المستشفيات داخل بلدة أو مدن بعينها داخل الدولة، بجانب ذلك بُرمِجَ "الأشخاص" للرد واقعيا قدر الإمكان على تأثير أصدقائهم ومشاهيرهم ووسائل الإعلام.

في هذه التجربة، بُرمِجت مخاطر الانتحار المختلفة بالشكل الذي تقترحه الدراسات في هذا النطاق (في الولايات المتحدة)، مثلا كان الرجال أكثر عُرضة للإقدام على الانتحار بقيمة 3.9 مرات أكثر من النساء، والأشخاص البيض أكثر عُرضة 2.2 مرة من غير البيض، والفئة العمرية الأكبر من 65 عاما تكون أكثر عُرضة للانتحار بمرة ونصف مقارنة بالفئة العمرية (15-24) عاما، بعد ذلك قام ميسودي وفريقه بتدوير المحاكاة عبر 100 جيل.

أظهرت نتائج المحاكاة أن الأشخاص الافتراضيين يتصرَّفون بالآلية نفسها التي يتوقَّعها تأثير الانتحار بالتقليد. لاحظ ميسودي ما يُسمى بـ "عنقود الانتحار"، حيث يمكن أن تنشأ مجموعات من حالات الانتحار في سياق زماني أو مكاني بعينه، خذ مثلا حالة انتحار في إحدى المدارس، يمكن لهذه الحادثة أن تتسبَّب في نشوء عنقود من حالات الانتحار ضمن طلبة المدارس على مدى أيام أو أسابيع من الحالة الأولى، وهو ما يحدث بالفعل في أرض الواقع.

هناك أسباب عدة لهذه الحالة. تقترح الدراسة الأخيرة أن الناس ببساطة، وخاصة الذين يحملون عوامل الخطورة، تعلَّموا هذه السمة من أصدقائهم، أو أن الأشخاص المُقدِمين على الانتحار كانوا مرتبطين ببعضهم بعضا، على جانب آخر، يلعب الإحباط الهائل دورا في هذه السلسلة، يقول الشخص لنفسه: "إذا لم تتمكَّن هذه الفتاة أو هذا الفتى أو هذا النجم المشهور من مواجهة مشكلات الحياة، فمَن أنا لأنجح في مواجهتها؟".

إذا كانت وسائل الإعلام لا تهتم لمعايير تغطية الانتحار فقد أصبح علينا، نحن القراء العاديين والمتفرجين على برامج التلفاز المُملة، أن نساهم بدور أخلاقي، فلربما نُنقذ أحدهم.

بالطبع لا يزال البحث العلمي في هذا النطاق قائما لفحص أسباب الانتحار بالتقليد، وهل حقا يرتبط الأمر فقط بالتغطية الإعلامية أم هناك عوامل أخرى، لكن المعايير التي تُقدِّمها منظمة الصحة العالمية إلى لحظة كتابة هذه الكلمات تؤكِّد أن التأثير واقعي وخطير، وأن على الصحفيين الالتزام بقواعد تغطية الانتحار وإلا فإنهم قد يساهمون في عدد حالات انتحار أكبر، كذلك توصي الجمعية الأميركية لعلم النفس بأن تلجأ المؤسسة الصحفية لمتخصِّص مرجعي في هذا الشأن.

لكن المشكلة الأكبر ليست فقط في التغطيات الصحفية لحوادث الانتحار في منصاتنا الإلكترونية بالوطن العربي، بل في منشورات وسائل التواصل أيضا، التي عادة ما تُصدِّر صورة مُبالغة في الرومانسية حينما تتحدَّث عن الانتحار، أو على الجانب الآخر تُقدِّم صورة مبالغة في الهجوم على المُقدِمين على الانتحار، وبجانب ذلك فإن عرض الصور والتفاصيل الخاصة بالمُقدِمين على الانتحار أصبحت سِمَة رئيسية بهدف لفت الانتباه.

كل ذلك يمكن أن يؤثر بقوة في الفئات الهشة من الناس، لذلك خذ حذرك ولا تشارك أية مادة ترى أنها تُفصِّل بوضوح شديد في آليات الانتحار أو حياة الأشخاص المنتحرين، وجِّه الناس دائما للمتخصِّص واعرض عليهم سبل التعامل سواء بالعنوان أو رقم الهاتف، إذا كانت وسائل الإعلام لا تهتم لمعايير تغطية الانتحار فقد أصبح علينا، نحن القراء العاديين والمتفرجين على برامج التلفاز المُملة، أن نساهم بدور أخلاقي، فلربما نُنقذ أحدهم.

_________________________________________

المصادر

  1. Best Practices and Recommendations for Reporting on Suicide
  2. The Influence of Suggestion on Suicide: Substantive and Theoretical Implications of the Werther Effect
  3. Internet Searches for Suicide Following the Release of 13 Reasons Why
  4. Preventing suicide: a resource for media professionals
  5. Media coverage as a risk factor in suicide 
  6. 6The Werther Effect of Two Celebrity Suicides: an Entertainer and a Politician
  7. The Cultural Dynamics of Copycat Suicide
المصدر : الجزيرة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة