"أغرب الفيروسات".. ما الذي يفعله "كوفيد-19" بالدماغ؟

 

على مدى عدة أشهر، عانى الحاج شوقي، وهو موظف مصري على المعاش، من أعراض "كوفيد-19" الحادة، يقول إنه وصل إلى مرحلة أصبح خلالها يذهب للنوم ولا يعتقد أنه قد يستيقظ صباحا مرة أخرى، لكن مع جرعات علاجية مناسبة، وضبط الضغط ونِسَب الجلوكوز في الدم، مَرَّت الأزمة بسلام، لكن بقي شيء واحد فقط بدا وكأنه سيستمر للأبد، فبعد أن انتهت كل الأعراض التنفسية المعروفة للمرض، واجه الحاج صعوبة في تجميع الأفكار معا، ومشكلات في التركيز، وعدم القدرة على تذكُّر ما حدث قبل وقت قصير.

 

"هذه هي سِمَات ضباب الدماغ، وهو أحد أعراض "كوفيد-19" العصبية"، هذا ما قاله الدكتور ماجد فتوحي، الباحث المُنتسِب بكلية الطب جامعة جون هوبكنز ومدير مركز "نيورو جرو" للياقة الدماغية، في حوار مع محرر "ميدان"، مضيفا: "بل قد يمتد الأمر إلى ما هو أعقد من ذلك، قد تظهر أنواع من الشلل والاختلاج أو السكتات الدماغية لدى بعض المرضى".

 

عنوان ميدان

epa08827401 A Swiss army soldier (L), helps hospital's physiotherapists to mobilize a COVID-19 patient in the acute care units of the Geneva University Hospitals (HUG), during the coronavirus disease (COVID-19) pandemic, in Geneva, Switzerland, 18 November 2020. Switzerland, as many countries in Europe, requisitioned members of the Civil Protection, the Swiss army and also firefighter to help medical workers in hospitals as cases of Covid-19 patients spike in a second wave of pandemic. EPA-EFE/LAURENT GILLIERON

عام كامل قارب على الانتهاء منذ ظهور أول حالة من "كوفيد-19" في الصين، وبينما يتعامل متخصصو علوم الأوبئة مع حجم انتشاره، كان الأطباء يحاولون السيطرة على أعراضه التنفسية بكل وسيلة ممكنة، لكن في إبريل/نيسان الماضي ظهر أن هذا المرض لم يكن تنفسيا فقط، بدأ الأمر من ملاحظات سريرية مُتفرِّقة عن ظهور حالات "هذيان" في المرضى، ثم أشارت(1) بعض الدراسات إلى أن بعض مرضى "كوفيد-19" اختبروا تضخُّما والتهابا في أنسجة المخ.

 

في حديثه مع "ميدان"، يقول حنيف زلفي، الأستاذ المساعد بكلية الطب جامعة بايلور الأميركية: "لا يمكن لنا بالطبع تقدير حجم انتشار هذا النوع من الأعراض لدى المرضى، لكن نتصور أن الحالات المتقدمة منها، مثل السكتات الدماغية أو الاختلاجات، قد تصل إلى 1.4% من المصابين"، يُضيف متخصص علم الأعصاب كذلك أن الأعراض الدماغية مثل الألم العضلي والصداع والاعتلال الدماغي والدُّوار كانت أكثر شيوعا بنِسَب(2) تتخطى الـ 50% وتصل إلى 85%!

 

إحدى المشكلات التي تُواجهنا حينما نحاول أن نعرف نسبة المصابين بـ "كوفيد-19" مع أعراض عصبية هي أنه ليس كل مريض يذهب إلى المستشفى، من جانب آخر فإننا نعرف الآن أن الأعراض العصبية قد تظهر حتّى مع حالات بلا أي أعراض أخرى مميزة للمرض كارتفاع درجات الحرارة أو السعال، كذلك فإن الأطباء عادة لا يبحثون بالأساس عن أعراض عصبية في أثناء تعاملهم مع الحالات، في تصريح حصلت عليه "ميدان" تقول الرئيسة التنفيذية لجمعية التهاب الدماغ والأستاذة بجامعة ليفربول، آفا إيستون: "من المهم حقا أن يدرك الأطباء في جميع أنحاء العالم أن "كوفيد-19″ يمكن أن يُسبِّب التهابات الدماغ، إلى جانب مشكلات دماغية أخرى، التي غالبا ما يكون لها آثار مدمرة".

Child Neurologist Vanessa Van Der Linden observes the X-ray of a baby's skull with microcephaly at the hospital Barao de Lucena in Recife, Brazil, January 26, 2016. Health authorities in the Brazilian state at the center of a rapidly spreading Zika outbreak have been overwhelmed by the alarming surge in cases of babies born with microcephaly, a neurological disorder associated to the mosquito-borne virus. Picture taken on January 26, 2016. REUTERS/Ueslei Marcelino

مؤخرا، حدّثت المنظمات العالمية مثل منظمة الصحة والمركز الأميركي للسيطرة على الأمراض قوائم الأعراض الخاصة بها بوضع فقدان حاستَيْ الشم والتذوق بوصفها أعراضا شائعة، وهي أعراض عصبية، تُعَدُّ هذه الأعراض ملمحا مميزا لـ "كوفيد-19″، حتى وإن تشابهت في طبيعتها مع حالات أخرى مثل نزلات البرد المعتادة أو الإنفلونزا، لأنها في حالة "كوفيد-19" عادة ما تكون مفاجئة وحادة، كذلك فإنها قد تستمر مع المرضى إلى فترة طويلة بعد الشفاء.

 

"لهذا السبب يلقى الأنف تحديدا اهتمام الباحثين"، هذا ما قاله زلفي لمحرر "ميدان"، مضيفا: "لأن الأعصاب المسؤولة عن الشم، التي توجد في الأنف، قد تكون هي مدخل الفيروس إلى الجهاز العصبي". حتّى لحظة كتابة هذه الكلمات، فإننا لا نعرف بعد، بشكل مؤكد، السبب في هذه الأعراض، لا نعرف كذلك لِمَ هذه الأعراض تحديدا دون غيرها من الأعراض العصبية.

 

عنوان ميدان

هناك عدة أسباب مُحتمَلة لتلك الأعراض، كلٌّ منها يعني برنامجا علاجيا مختلفا، خاصة في الحالات الحرجة، أول الأسباب هو وصول كورونا المستجد نفسه إلى أنسجة الدماغ وإتلافها، نظريا هذا ممكن، فالخلايا الدماغية بها مستقبلات من النوع "AC2″، وهي تلك الأماكن التي يمكن للفيروس أن يتراكب معها بسهولة، مثل تراكب القفل والمفتاح (بدرجة ما)، ويتسبَّب ذلك في دخوله إلى الخلايا وإتلافها.

 

إلى جانب ذلك فإن العاصفة السيتوكينية هي أيضا أحد المُتَّهمين في هذه القضية، فنحن نعرف أنه في مرحلة ما من تطوُّر أعراض المرض، يستجيب الجسم مناعيا بالدفع بكميات مبالغة ببروتينات محفزة للالتهاب، من المفترض أن تلعب هذه البروتينات دورا علاجيا، لكنها في أثناء ذلك تتسبَّب في التهابات شديدة في الرئة والقلب والكلى، ومن المعروف الآن أنها السبب الرئيسي لوفاة المرضى في الحالات الحرجة من المرض.

epa08846914 A Covid-19 patient is treated at the Galliera Hospital's Covid Area, in Genoa, Italy, 27 November 2020. Italy is struggling to curb the spread in the second wave of the Covid-19 pandemic. EPA-EFE/LUCA ZENNARO

أخيرا، توجد مشكلة ثالثة خطرة قد تكون أيضا ذات علاقة، وهي الجلطات الصغيرة التي يتسبَّب بها كورونا المستجد، أظهرت عمليات التشريح الأولى لجثث قتلى "كوفيد-19" وجود عدد هائل من الجلطات في الأوعية الدقيقة في الرئة وأيضا في الأوعية الدقيقة للأعضاء الأخرى كالكلى والقلب والجلد وما إلى ذلك، كما عُثِر على جلطات في أوعية دموية رئيسية، وكنا قد فردنا بالفعل تقريرا خاصا لهذه الأعراض بعنوان: "حقائق مذهلة.. ماذا وجد العلماء عند تشريح جثث قتلى كوفيد-19؟"(3)، وأجرى محرر القسم العلمي بـ "ميدان" حديثا مُفصَّلا حولها مع الدكتورة إيلنارا مارسيا نيجري، العالمة في نطاق طب الرئة من جامعة ساوباولو البرازيلية.

 

كانت واحدة من أشهر الدراسات التي درست وجود الفيروس في الدماغ قادمة من اليابان(4)، حيث فحص الباحثون عينات من أدمغة الفئران وأعضاء مُخلَّقة معمليا، وقد وجدوا أن كورونا المستجد قادر على الوصول إليها، كذلك رُصد وجود الفيروس بالفعل في بعض مناطق الدماغ(5)، لكن بنِسَب قليلة، وليس في كل الأحوال، إلا أن "وصول الفيروس للدماغ لا يعني أنه السبب، بل يمكن أن يكون في حالة سبات"، كما يقول فتوحي لمحرر "ميدان".

 

نتائج تشريح(6) أدمغة بعض جثث مَن ماتوا بسبب "كوفيد-19" تؤكد فكرة فتوحي، حيث ظهر الفيروس في مناطق مُتفرِّقة من الدماغ، لكن التلف الرئيسي به كان مُتعلِّقا بانخفاض شديد في نسبة الأكسجين، يحدث ذلك لعدة أسباب، فمن ناحية تتسبَّب التهابات الرئة الشديدة في انخفاض كمية الأكسجين الواصل للدم، وبالتالي للدماغ، أو قد يتعرّض القلب لمشكلة فيصبح غير قادر على ضخ الدماء للدماغ، أو يمكن للجلطات أن تفعل الشيء نفسه، حيث تمنع الدم المُحمَّل بالأكسجين من الوصول إلى الخلايا في بعض مناطق الدماغ.

Bottom view of a dedicated doctor holding an x-ray of the patient's brain and looking at it.

"يجب أولا أن نفهم طبيعة وشدة عجز المرضى العصبي"، هذا ما يقوله فتوحي لـ "ميدان"، مضيفا: "الخضوع لتصوير بالرنين المغناطيسي الأساسي قبل مغادرة المستشفى أصبح أمرا حتميا حتى يكون لدينا نقطة انطلاق لتقييم الحالة ومعالجتها"، في هذا السياق يضع الرجل، في دراسة(7) أخيرة صدرت بدورية "Journal of Alzheimer’s Disease"، ثلاث مراحل للتلف العصبي يجب أن يضع الأطباء أعينهم عليها لأجل التعامل مع المرض، وهي في الوقت نفسه تفصيل لمراحل تطور الحالات.

 

الأولى هي أبسط المراحل، تظهر الأعراض العصبية في صورة فقدان لحاستَيْ الشم والتذوق، بعد ذلك في الحالات المتطورة تظهر العاصفة السيتوكينية والجلطات، وفي هذه الحالة يمكن أن يصل الأمر إلى الدماغ وتحدث سكتات دماغية، ويتطوّر الأمر إلى مرحلة يتمكّن فيها الالتهاب من إتلاف ما يسمى بالحاجز الدموي الدماغي، يفتح ذلك الباب للفيروس كي يدخل للدماغ كي يُسبِّب مزيدا من الأثر السيئ، مثل التشوش أو اعتلال الدماغ أو الاختلاج أو الغيبوبة.

 

عنوان ميدان

من جانب آخر يُوضِّح فتوحي لـ "ميدان" أن "المرضى سيحتاجون إلى المراقبة في غضون بضعة أشهر بعد دخولهم المستشفى"، لأن الأعراض العصبية قد لا تكون واضحة في البداية، ثم تتطوّر حتّى بعد اختفاء الأعراض التنفسية، ويُضيف كذلك: "تجربتنا مع الأشكال السابقة من فيروسات كورونا تُشير إلى أن المرضى على المدى الطويل قد يصابون بالاكتئاب أو الأرق أو مرض باركنسون أو فقدان الذاكرة أو تسارع الشيخوخة في الدماغ".

كوفيد 19 و الدماغ

رغم البحث العلمي المُكثَّف في العلاقة بين "كوفيد-19" والدماغ، فإن الكثير من الأسئلة ليست مُجابة بعد، سواء عن أسباب حدوث ذلك، أو عن أسباب التطور المفاجئ لبعض الحالات، بحيث تكون "طبيعية" في يوم، وتنقلب إلى النقيض تماما في اليوم الذي يليه. في حديثه لـ "ميدان" يقول زلفي في تلك النقطة: "نحن بحاجة إلى تجربة مخطط كهربية الدماغ على نطاق أوسع من المرضى، بالإضافة إلى أنواع أخرى من تصوير الدماغ، مثل التصوير بالرنين المغناطيسي أو التصوير المقطعي المحوسب، سيُطوِّر ذلك من فهمنا للمرض وأثره على الدماغ بصورة أدق".

 

لكن الجانب الإيجابي الوحيد في هذا الأمر، بحد تعبير فتوحي في نهاية حديثه مع "ميدان"، هو أن هذه الأعرض تُشفى في الكثير من الحالات، ويعطي فتوحي جمهور "ميدان" ثلاث نصائح أساسية يمكن أن تساعدهم على تجنُّبها من الأساس، أو على الأقل تجنُّب تطوُّرها، وهي النوم الكافي، والتمرين المستمر، والحصول على زيت السمك "أوميجا-3".

 

عشرات الدراسات تصدر أسبوعيا حول "كوفيد-19″، الأطباء في المستشفيات والعلماء في أروقة الجامعات يحاولون جمع كل المعلومات المُمكنة للتعامل مع المرض، أثمر ذلك الجهد المُكثَّف عن ظهور اللقاحات في وقت يُعَدُّ قياسيا على مستوى تاريخي، وقد تطوَّرت آليات تعاملنا العلاجي مع المرض إلى حدٍّ خفّض بوضوح من عدد الوفيات. رغم ذلك، يبدو أنه كلما تعمَّقنا في فهم "كوفيد-19″، ازداد عدد أسئلتنا حول تشعُّباته في أجسادنا، سيكون كل ذلك مفيدا لأجيال وأجيال مستقبلية ستشهد طفرة طبية في التعامل مع الفيروسات في العموم، لكن ثمن تلك الطفرة كان -حتى اللحظة- نحو مليون ونصف إنسان!

—————————————————————————————–

المصادر

  1. A first case of meningitis/encephalitis associated with SARS-Coronavirus-2
  2.  Frequent neurologic manifestations and encephalopathy‐associated morbidity in Covid‐19 patients
  3. حقائق مذهلة.. ماذا وجد العلماء عند تشريح جثث قتلى "كوفيد-19″؟
  4. Neuroinvasion of SARS-CoV-2 in human and mouse brain
  5. Catch me if you can: SARS-CoV-2 detection in brains of deceased patients with COVID-19
  6. Neuropathological Features of Covid-19
  7. Neurobiology of COVID-19