صناعة العلامة التجارية.. كيف تختار اسما مميزا لشركتك الناشئة؟

في نهاية التسعينيات، كان مُدرِّس اللغة الإنجليزية الصيني الشاب جاك ما -الذي سيصبح لاحقا واحدا من أباطرة المال والأعمال حول العالم- يجلس في أحد المقاهي في ولاية سان فرانسيسكو مُتأمِّلا في اسم "علي بابا" الذي كان يُداعب خياله كثيرا وهو على وشك إطلاق شركته الناشئة. وعندما قطعت النادلة حبل أفكاره سائلة إياه عن المشروب الذي يرغب في تناوله، بادرها جاك ما بالسؤال: "هل تعرفين ماذا يعني اسم "علي بابا"؟"، فأجابته النادلة بأنها تعرفه، حينئذٍ سألها ماذا تعرف عنه بالضبط، سكتت مُفكِّرة ثم قالت ضاحكة: "افتح يا سمسم!".

 

في اليوم نفسه، خرج جاك ما إلى الشارع، وسأل السؤال نفسه لـ 30 شخصا من جنسيات وأعراق مختلفة، هنود وألمان وصينيين وأميركيين وعرب وأفارقة: "هل تعرف "علي بابا"؟"، وكانوا جميعا يجيبونه فورا: "علي بابا.. افتح يا سمسم".

 

وقتها فقط، أدرك جاك ما أنه وقع على الاسم الصحيح والمناسب للمشروع الناشئ الذي أوشك على تأسيسه، وهو منصة تجارة إلكترونية سيمنحها اسم "علي بابا". اسم لطيف ومرِح، وخفيف على اللسان، وسهل التذكُّر، ومعروف عالميا من الأعراق كافة، كما أن المنصة الإلكترونية سوف تكون حقا بمنزلة "افتح يا سمسم" للشركات الصغيرة والمتوسطة لبيع منتجاتها من خلالها. الاسم مناسب تماما ومتوافق مع طبيعة عمل المشروع دون شك!

 

لاحقا، أصبحت منصة "علي بابا" واحدة من أكبر منصات التجارة الرقمية حول العالم، حيث حقَّقت دخلا إجماليا عام 2020 بقيمة 140 مليار دولار، ووصل عدد موظفيها حول العالم إلى 117 ألف موظف، بينما يحتل مُؤسِّسها الصيني جاك ما مكانة دائمة في قوائم أغنى أغنياء العالم بثروة تُقدَّر حتى لحظة كتابة هذه السطور بنحو 48 مليار دولار. (1)

علي بابا جروب

اختيار الاسم الصحيح للعلامة التجارية يُعتبر بلا شك "افتح يا سمسم" بالنسبة لأي مشروع تجاري مهما كان حجمه وحجم السوق الذي يعمل فيه. فكما أن عنوان الكتاب يلعب الدور الأكبر في تحفيز القارئ على شرائه، يلعب الاسم البرّاق للعلامة التجارية الدور نفسه في تحفيز المُستهلِك المُحتمَل في الإقبال على شراء المنتج أو الخدمة.

 

هناك العديد من البيانات والأرقام التي تُشير إلى الأهمية القصوى للعلامة التجارية في تشكيل رأي الجمهور عن الشركة وخدماتها. تقول الإحصاءات إن الأمر يتطلَّب 10 ثوانٍ فقط بالنسبة للعملاء لتكوين انطباع أوّلي عن الخدمة أو المنتج أو الشركة عموما بمجرد النظر في علامتها التجارية، وإن اختيار اللون الصحيح للعلامة التجارية يرفع من مستوى تركيز العميل بنسبة 40%، باعتبار أن اللون هو أول العناصر التي تلفت الأنظار وتجذب التفاعل.

 

اللون تحديدا يُعتبر عاملا من أكثر العوامل فعالية في التعرُّف على العلامات التجارية بسرعة، حيث تزداد إمكانية التعرُّف على العلامة التجارية (Brand Recognition) بنسبة 80% بناء على تمييز لون الشعار. كذلك فإن استخدامات الألوان في تصميم العلامات التجارية لها دلالات خاصة جاذبة للجمهور، لذلك فإن 33% من أشهر 100 علامة تجارية تستخدم اللون الأزرق تحديدا في علاماتها، باعتبار أن اللون الأزرق يُعطي العملاء شعورا بالتواصل والراحة مع العلامة التجارية.

 

أما بخصوص الإقبال على الشراء، فإن 77% من المستهلكين يُؤكِّدون أن مشترياتهم مبنية بالأساس على معرفتهم السابقة بالعلامة التجارية وقوّتها. على الجانب الآخر، قال 82% من المستثمرين إنهم يعتقدون أن قوة العلامة التجارية واسمها المميز يُعتبر أحد أهم العناصر التي تدفعهم لاتخاذ قراراتهم في الاستثمار في الشركات المختلفة. (2،3)

 

في عام 1929، أجرى عالِم النفس الأميركي الألماني فولفجانغ كولر تجربة نفسية مُدهشة تستهدف رصد العلاقة بين الأصوات الكلامية والأشكال. أجرى العالِم هذه التجربة على شريحة من المتحدثين باللغة الإسبانية في جزر الكناري -مجموعة من الجزر في المحيط الأطلسي تابعة للسيادة الإسبانية- حيث قدَّم للمشتركين الصورة التالية:

وكان السؤال الذي سأله لكل مشارك رأي الصورة هو: أيّ هذين الشكلين يمكن أن تُسمّيه "بالوبا" (baluba)، وأيّهما تُسمّيه "تاكيتي" (Takete)؟ وعلى الرغم من أن الباحث لم يُسجِّل نسبة مئوية واضحة لمُخرجات دراسته، فإنه أشار إلى أن الغالبية العظمى من المشاركين قالوا إن الشكل الأول (على اليسار)، الشكل الخشن ذا النهايات الحادة، يُسمَّى "تاكيتي"، بينما الشكل الثاني على اليمين، الشكل المحدب ذو النهايات المستديرة، هو "بالوبا". لاحقا، في نهاية الأربعينيات، أُجرِي الاختبار مرة أخرى، وأظهر النتائج نفسها تقريبا، فقط مع تغيير اسم "بالوبا" إلى "مالوما" (Maluma).

 

بقدوم عام 2001، أعاد كلٌّ من العالِمين فيليانور إس راماشاندران وإدوارد هوبارد إجراء نسخة مُحدَّثة من هذا الاختبار، حيث قدَّما الشكلين نفسيهما بالضبط إلى شريحتين من الأشخاص: مجموعة تُمثِّل طلاب إحدى الكليات الأميركية، ومجموعة أخرى من الناطقين بلغة التاميل في الهند. وكان السؤال هو: أيّ هذين الشكلين يُسمَّى "بوبا" (bouba)، وأيّهما يُسمَّى "كيكي" (Kiki)؟

كانت الإجابة أن 95% من كلتا المجموعتين اتفقوا أيضا أن الشكل الأول على اليسار، ذا النهايات الحادة، هو "كيكي"، بينما الشكل صاحب النهايات المستديرة هو "بوبا". النتائج نفسها التي رُصِدت في التجارب السابقة.

 

اعتُبرت هذه الدراسة مرجعا مهما في علم النفس يُثبِت أن هناك علاقة بين الأصوات وطرق النطق التي نُصدرها وبين قدرة العقول على تحويل هذه الأصوات إلى أنماط بصرية مُحدَّدة، ليس فقط على المستوى الفردي وإنما جماعيا أيضا. بمعنى آخر، الكلمات الصوتية تترك انطباعات مُحدَّدة في العقول، إما تستأنسها وتشعر بالتآلف بين اللفظ والمعنى (أو الشكل المعروض)، وإما تنفر منها وتشعر أنه لا علاقة بينهما وبالتالي تستخف بها وترفضها.

 

دراسة كهذه -بالطبع- من البدهي أن تصبح قاعدة أساسية ينطلق منها المُسوِّقون وأصحاب الشركات فيما يخص اختيارهم لأسماء الشركات والمنتجات والعلامات التجارية، مع توظيف تأثيرها في إقناع شرائح المستهلكين بقبول أسماء المنتجات والخدمات التي يُطلقونها، أو على الأقل تمريرها في عقولهم دون أن يشعر الجمهور بسخافة الاسم وعدم تطابقه مع المنتج أو الخدمة المُقدَّمة. (4، 5)

 

في عام 1961، أطلقت شركة "كوكا كولا" منتجا غازيا جديدا باسم "سبرايت" (Sprite)، سرعان ما حقَّق نجاحا كبيرا ليتحوَّل إلى واحد من أهم المشروبات الغازية التي تُقدِّمها الشركة العملاقة. وقد سُمِّي المنتج بهذا الاسم نظرا لأن الشركة كانت تبحث عن اسم مناسب لمنتجها الذي يحتوي على مذاق الليمون والصودا اللذين يبعثان الانتعاش، فلم يكن هناك أفضل من الاستعانة بهذه الكلمة اللاتينية التي تعني: الروح أو الانتعاشة أو الجن.

 

خذ أيضا شركة "فيرايزون" (Verizon) الأميركية العملاقة للاتصالات التي تأسَّست عام 2000، فقد جاءت بهذا الاسم الذي يدمج بين كلمة "فيرايتاس" (Veritas) اللاتينية التي تعني الحقيقة، وكلمة "هورايزون" الإنجليزية التي تعني "الأفق". كلمة "فيرايزون" تعني "أُفق الحقيقة"، وهو اسم يرمي إلى تعميق مصداقية الشركة لدى مستخدميها الحاليين والمستقبليين. (4)

أما شركة "أمازون" (Amazon) العملاقة للتجارة الرقمية، فالواقع أن اسمها الأول الذي سجَّلها به مُؤسِّسها جيف بيزوس كان "كادابرا" (Cadabra). لاحقا، بعد أن أدرك بيزوس أن الاسم لا يبدو مُشجِّعا للجمهور، التقط أحد القواميس في مكتبته وقرَّر ان يختار اسما يبدأ بحرف الـ "A"، وهو ما وقع عليه الاختيار عندما جاءت عينه على لفظة "أمازون" (Amazon) (اسم أكبر نهر في العالم)، رغم أن مشروعه الناشئ لا علاقة له بالأنهار أساسا، لكنه بدا حيويا جدا بحيث ينطبق على نشاط منصته. (6)

 

ماذا عن "ستاربكس"؟ في عام 1971، اجتمع مُدرِّس لغة إنجليزية ومُدرِّس تاريخ وكاتب في أحد المقاهي في مدينة سياتل الأميركية ليختاروا اسما لمشروعهم القادم الذي سيكون عبارة عن محمصة قهوة ومقهى صغير. كان الاتفاق أن يكون اسم المقهى "كارغو هاوس" (Cargo House)، لكنهم اتفقوا على تغييره لاسم يبدأ بحرفَيْ "St" في إشارة إلى كلمة "strong"، أو القوة.

أثناء العصف الذهني للوصول للاسم المناسب، وقعت عين أحدهم على خريطة كبيرة على إحدى طاولات المقهى، فلما تفحَّصها وقعت عينه على بلدة في الخريطة تُسمَّى "ستاربو" (Starbo)، هذا الاسم أثار في أذهانهم اسما قريبا منه هو "ستاربَك" (Starbuck)، إحدى الشخصيات المهمة في رواية "موبي ديك" (Moby Dick) التي تُعتبر من أشهر الروايات الأميركية الكلاسيكية. اجتمع الثلاثة على اختيار الاسم لمقهاهم، بعد إضافة حرف "S" في نهايته، ليتحوَّل إلى "ستاربكس". (7)

 

أما شركة "أبل" (Apple)، عملاق التقنية العالمية (8)، فالواقع أن مُؤسِّسها ستيف جوبز توصَّل إلى هذا الاسم عندما كان يمارس حمية غذائية في تلك الفترة تعتمد على تناول الفواكه وخصوصا التفاح بكثرة في غذائه. وجد جوبز أن الاسم مرِح ولطيف وذكي وجذاب، فضلا عن كون ثمرة التفاح لها دلالة كبيرة عند الناس من الجنسيات والأعراق كافة، فكان اسم الشركة هو "أبل كومبيوترز" (Apple Computers).

 

عموما، يمكن القول إن أي اسم سوف تختاره لعلامتك التجارية غالبا سوف يقع ضمن ستة تصنيفات لأسماء العلامات التجارية، وكل تصنيف من هذه التصنيفات يُسمَّى من خلاله وفقا للقيمة أو المعنى الذي أراد أصحاب العلامة التجارية إيصاله إلى العميل من وراء هذا الاسم. (9)

 

  • أولا: التسمية على اسم المُؤسِّس 

كان هذا الأسلوب مُتَّبعا في الماضي كثيرا، رغم أنه أصبح أقل انتشارا في هذا العصر. مثال ذلك شركة "هوليت باكارد" (Hewlett-packard) التكنولوجية العالمية التي أسَّسها ويليام هوليت وديفيد باكارد عام 1939، وأيضا شركة "فورد" (Ford) العالمية للسيارات، وشركة "كالفن كلاين" (Calvin Klein) للملابس الفاخرة، وشركة "ديل" (Dell)، وسلسلة مطاعم "ماكدونالدز" (McDonald’s)، وغيرها.

 

  • ثانيا: التسمية بحسب الموقع الجغرافي

وهي تسمية شائعة بالنسبة للشركات الكبيرة التي تُحدِّد باسمها نطاقا جغرافيا معينا أو ما يُمثِّله هذا النطاق. مثال ذلك البنوك التي تُغطِّي أسماء دول معينة، مثل "بنك مصر" و"بنك الإمارات" و"بنك أميركا". لدينا أيضا الخطوط الجوية بأسمائها المختلفة التي تُحدِّد دولا أو مناطق، مثل "الخطوط القطرية" أو "ساوث ويست للطيران"، وغيرها.

 

  • ثالثا: الأسماء الوصفية

الأسماء الوصفية (Descriptive Brand Names) هي الأسماء التي تصف مباشرة نوع الخدمة أو المنتج الذي تُقدِّمه الشركة. عندما نذكر اسم "جنرال موتورز" (General Motors) فمن الطبيعي أن نفهم فورا أنها شركة مُتخصِّصة في إنتاج المحركات والأجهزة ذات الصلة. عندما نذكر اسم "Toys R Us" فمن البديهي أن نُدرك مباشرة أنها شركة مُتخصِّصة في إنتاج ألعاب الأطفال، وهكذا.

 

  • رابعا: أسماء مقتطعة من سياق 

وهو ما أصبح مُعتادا في عالم الشركات الناشئة في الربع الأخير من القرن العشرين. كلمة مثل التفاحة "أبل" (Apple) لا علاقة لها بعالم التقنية، ولكن لها سياق إبداعي مُتفرِّد تألفه الأُذن وتتعوَّد عليه. الشيء نفسه بالنسبة لأسماء مثل "علي بابا" و"أمازون" (Amazon) و"نايكي" (Nike) و"فيرجن" (Virgin)، وغيرها من العلامات التجارية التي تستخدم أسماء إبداعية قد لا يكون لها صلة مباشرة بنشاط الشركة ومنتجاتها لكن لها سياق إبداعي لافت للانتباه.

 

  • خامسا: الاختصارات

تُستخدم الاختصارات في أسماء الشركات الناشئة منذ زمن بعيد، لكنها دائما ما تكون مُختارة بعناية قدر الإمكان لتكون سهلة النطق والتذكُّر بالنسبة للمستخدمين. شركات كبيرة حول العالم تستخدم الاختصارات، مثل شركة "IBM"، وشركة "BMW" للسيارات، وشركة "KFC" لمطاعم الوجبات السريعة، وغيرها من الشركات العالمية التي تعتمد على الاختصار في اختيار أسمائها.

 

  • سادسا: الأسماء المُبتكَرة 

وهذا ما أصبح شائعا في حركة تأسيس الشركات الناشئة، وهو ابتكار كلمات جديدة تماما، لا هي اختصارات ولا هي مُقتطعة من سياقات. لدينا مجموعة من أشهر الأمثلة لشركات عالمية مثل "غوغل" (Google)، وشركة "كوداك" (Kodak)، وشركة "زيروكس" (Xerox)، وشركة "أديداس" (Adidas)، وغيرها، كلها كلمات جديدة مُصطنعة لا توجد في القواميس، وليس اختصارات لأسماء الشركات، بل كلمات ابتكرها أصحابها بناء على تسلسل أفكار معين راودهم حين تأسيس الشركة.

في النهاية، لا يوجد أفضل من التذكير بمقولة ساشا ستاك الخبيرة في إستراتيجيات العلامة التجارية: "الاسم يُعتبر بمنزلة طلاء الأظافر بالنسبة للشركة الذي سوف يظل ملتصقا بها لفترة أطول من أي شيء آخر تقوم الشركة بتطويره". لذلك، فإن التمهُّل في اختيار الاسم الصحيح والفعّال بالنسبة لشركتك الناشئة أمر ضروري حتى لو كان مُجهِدا ومُرهِقا ويستنزف الوقت والأفكار، لكنه بالتأكيد أفضل بكثير من الاضطرار إلى تغييره لاحقا بعد رفض السوق له.

——————————————————

المصادر

  1. Alibaba 
  2. 20 Statistics About Branding Every Entrepreneur and Marketer Should Know
  3. 50+ Eye-Opening Branding Statistics – 2021 Edition
  4. Expert Explains What Makes the Best Brand Names So Good
  5. Bouba/kiki effect
  6. 5 Ridiculously Weird Brand Name Origin Stories
  7. This Is What Starbucks Was Almost Called
  8.  Why is Apple called Apple?
  9. 7 Popular Types of Brand Names
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

رفضت “ياهو” استحواذ “مايكروسوفت” عليها بقيمة كبيرة في 2008، ثم قبلت عرضا هزيلا بعد عدة سنوات، فأصبحت واحدة من أشهر مضارب الأمثال بعالم ريادة الأعمال.. فمتى ينبغي لك أن تبيع شركتك؟ ومتى تمتنع عن ذلك؟

5/4/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة