"أخطر مدن العالم للنساء".. لماذا ينتشر التحرش الجنسي في مصر؟

اضغط للاستماع

   

لا بد أن الرابع والعشرين من (أكتوبر/تشرين الأول) في العام 2006 كان تاريخا فاصلا في حياة المجتمع المصري، ففي ذلك المساء القاهري الهادئ الممتزج بفرحة عيد الفطر، حيث تخلو الشوارع جزئيا من السيارات، كانت منطقة أخرى من المدينة تضج بالجماهير، حيث كانت الفنانة دينا تفتتح فيلمها الجديد "عليّا الطرب بالتلاتة" في سينما مترو بالتشارك مع المغني الشعبي سعد الصغير والذي امتلك شهرة متصاعدة وقتها، وقبل الافتتاح أُقيم حفل صغير أمام السينما، في أثنائه حاول الشباب الذي ملأ المكان الوصول إلى "دينا" من أجل التحرش بها، ولكنها امتلكت طاقما أمنيا قويا منعهم من الوصول إليها.

    

    

"حمّالة صدر زرقاء"

هنا يتطور الأمر في سابقة هي الأولى من نوعها على حد علمنا(1)، ترك الشباب دينا، وحدثت حالة يمكن وصفها بـ"السعار" العام في المكان، توجّه الشباب إلى كل فتاة في محيط السينما والشوارع المتفرعة منه وقاموا بالتحرش بهن. لمدة خمس ساعات كاملة في هذا اليوم، كانت تلك الشوارع في حالة استثنائية من العنف ضد المرأة نقلت مصر كلها من مرحلة تناقش الأمر في إطار "المعاكسات" -اللفظ الذي طالما أشار إلى كلمة يُلقي بها رجل إلى امرأة لا يعرفها- إلى مرحلة بدأ التعامل خلالها مع تلك القضية كشأن حرج في مصر يشمل التدخل الجسدي ذا الطابع المؤذي، هنا ظهر اصطلاح "التحرش الجنسي" ولقي رواجا واسعا.

   

ومنذ ذلك الحين أصبحت الأعياد فرصة شهيرة لحوادث التحرش في مصر، إحدى أشهر الحوادث الشبيهة هي حادثة عيد الأضحى(2) في العام 2012، حيث تلقى الأمن المصري حينها أكثر من 700 بلاغ في هذه المناسبة فقط، لكن في كل الأحوال، فإن حادثة عيد الفطر 2006 ليست المرة الأولى التي يشهد خلالها المجتمع المصري حالة قاسية كتلك، كانت هناك حادثتان سابقتان شهيرتان ومؤثّرتان في خط سير تغيُّر مفهوم التحرش في مصر.

     

    

الأولى حدثت في نهار رمضاني من عام 1998، وهي الحادثة الشهيرة باسم "فتاة العتبة"(3)، عندما التف جمع من الشباب حول فتاة في منطقة "العتبة" بالقاهرة وفصلوها عن محيطها ثم طرحوها أرضا وتحرشوا بها جسديا لدرجة الاغتصاب بالأصابع، أحدثت القضية جدلا كبيرا في المجتمع المصري، وبادرت الفنانتان أمينة رزق ونادية لطفي بزيارة الفتاة في بيتها، في محاولة لدعمها وتخفيف شعورها بالعار، وهو شعور رائج بعد حوادث كتلك. لكن كانت المفاجأة هي براءة جميع المتهمين في تلك القضية!

  

الحادثة الأخرى سُمّيت بـ "الأربعاء الأسود"(4)، وكانت في مايو/أيار 2005، حينما قامت مجموعات مدنية تابعة لقوات الأمن بالتحرش المتعمد بأربع صحفيات من حركة "كفاية" في أثناء وقفة على سلّم نقابة الصحفيين احتجاجا على التعديلات الدستورية التي كان نظام مبارك يرغب في تمريرها تمهيدا للتوريث، في الواقع فإن الأمن المصري كان قد كرّس -ربما بشكل غير مباشر- لصورة يمكن خلالها عقاب المرأة بالتعرية، لأن موقفا شبيها حدث حينما ضُربت فتاة بعنف بميدان التحرير من قِبل رجال الجيش المصري في القاهرة أثناء أحداث مجلس الوزراء في ديسمبر/كانون الأول 2011، وتمت تعريتها حتى ظهرت حمّالة صدرها الزرقاء(5).

    

    

الجانب المظلم لميدان التحرير

بعد الثورة، تصاعدت حالات التحرش الجماعي في مصر بأنواعه (الجسدي واللفظي)، وأصبحت لافتة للانتباه عالميا، حتى إن بعض الباحثين ركّز على الحالة المصرية التي برزت فجأة خلال عقود قليلة كتمظهر أو أحد منتجات التغيُّر الاجتماعي والاقتصادي الجذري(6) الذي طال البلاد، في أثناء ذلك كله تظهر الثورة المصرية وما تلاها كقفزة واضحة في سجلات البيانات الخاصة بالتحرش، وقفزة واضحة في تغيُّر مفهوم المصريين عن التحرش كذلك، ليس فقط بسبب اضطراب الأمن في البلاد وقسوة التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ولكن أيضا بسبب الحالات المتتالية للتحرش في ميدان التحرير والتي استُخدمت لغرض سياسي وأمني فج.

   

تشاركت حالات التحرش الجماعي الجسدي بميدان التحرير في فترة ما بعد الثورة ملمحا رئيسيا وهو آلية التحرش، حيث يلتف المتحرشون في دائرة حول الضحية ويلامسون مناطق متفرقة من جسدها مع دائرة أخرى من المتحرشين تلتف حول الدائرة الأولى لحمايتها من تدخُّل الرافضين للتحرش، في أدبيات دراسة التحرش أشير إلى تلك الحالة بـ "دائرة الجحيم"(7)، ويُعرِّف المركز المصري لحقوق المرأة التحرش في مصر بأنه "سرطان اجتماعي معقّد".

    

   

منذ 2011، كانت القاهرة تحديدا بؤرة خطيرة عالميا بالنسبة للمرأة، وكانت مؤسسة تومسون رويتر، في اقتراعين(8،9) منفصلين خلال السنوات القليلة الماضية، قد وضعت مصر في خانة الأخطر بالنسبة للمرأة في الكثير من الجوانب مقارنة بالدول العربية الأخرى أو حتى حين تمت مقارنة القاهرة -كمدينة عملاقة تحوي أكثر من 10 ملايين شخص- مع أكثر من عشرين مدينة عملاقة حول العالم، حيث جاءت الأكثر سوءا بالنسبة لأحوال المرأة (الختان والزواج الإجباري وزواج القاصرات) وأخذت المركز الثالث بعد نيودلهي وساوباولو في العنف الجنسي.

  

وربما تكون أشهر الدراسات الاستقصائية التي فحصت حالات التحرش في مصر هي تلك التي صدرت من الأمم المتحدة(10) في عام 2013، وقوة هذه الدراسة لا تكمن فقط في عدد المشاركات وإنما في توزيعهن، فقد جئن من الدلتا والصعيد إلى جانب القاهرة والإسكندرية، ومن فئات عمرية متنوعة تبدأ من عشر سنوات وتصل إلى 35 عاما. كانت نتائج تلك الدراسة صادمة حقا، فقد أفادت أن 99.3% من النساء المصريات يتعرضن لصورة من صور التحرش، تبدو تلك النتائج مبالغة للوهلة الأولى، لكن المركز المصري لحقوق المرأة(11) -في دراسة صدرت قبل نحو العقد من الآن- قد أشار إلى أن نسب التحرش في مصر بلغت 83%، وهي أيضا نسبة كبيرة.

  

لوم الضحية

لكن الأسوأ(12) من ذلك هو أن نحو ثلثي صور ذلك التحرش كانت لمس أجزاء من أجسادهن، تلاها التحرش اللفظي والشتم، وبسؤال المشاركات في استقصاء الأمم المتحدة عن محاولاتهن تبليغ الشرطة جاءت الإجابة في أكثر من تسعة أعشار الحالات بـ "لا"، وبسؤالهن عن أسباب تلك الاستجابة كانت الإجابات الأكثر قبولا متعلّقة بخوفهن على سُمعتهن وأنهن لم يكنّ على معرفة بأن التحرش الجنسي جريمة يُعاقب عليها القانون، وشاركن أسبابا أخرى مثل عدم وجود شهود أو الخوف من أن الأسرة لن تُصدِّق كلامها، إلخ.

  

أما النتائج الأكثر إثارة للانتباه في تلك الدراسة الاستقصائية فكانت(13) أن 75.7 من العينة قد أشارت إلى أنه قد تم التحرش بهن في أثناء ارتدائهن ملابس محتشمة، وهي نتائج شبيهة(14) لدراسة أخرى من المركز المصري لحقوق المرأة تقول إن 72% من المتحرش بهن محجبات أو منتقبات (لأن النسبة الأكبر من سكان مصر محجبات بطبيعة الحال)، الأمر الذي يقف على النقيض من تصورات شائعة في المجتمع المصري عن طبيعة التحرش، فهو بالأساس آلية اعتداء وفرض سلطة وليس فعلا جنسيا فقط، لذلك غالبا ما يستهدف الأشخاصُ الذين يرتكبون العنف الجنسي الأفرادَ الذين يبدون أنهم عُرضة للخطر بسبب الفقر أو الجنس أو العمر أو العِرق أو الإعاقة أو حالة الهجرة (المهاجر ذو موقف أضعف في بلاد غير بلاده).

   

  

وكانت عدة مؤسسات(15) قد أجرت استقصاءات حول هذا الأمر، لتجد أن أكثر من نصف المصريين، رجالا ونساء، يعتقدون أن خروج المرأة بملبس كاشف هو فقط السبب في التحرش، لأنها بهذا الشكل تنادي المتحرشين عن قصد منها، ليس ذلك فقط، بل كان الاستقصاء نفسه قد أشار إلى أن نصف الرجال في العينة يتصورون أن التحرش يجد قبولا لدى الفتيات لأنه يجعلهن يشعرن بأنهن لافتات للانتباه. تجد ثقافة "لوم الضحية" صدى في المجتمع المصري تجاه حوادث التحرش.

  

رغم ذلك، في دراسة الأمم المتحدة، كانت النسبة الأكبر من حالات التحرش تميل ناحية هؤلاء اللائي لم يضعن مساحيق تجميل، بينما اللائي وضعن مساحيق تجميل تعرضن إلى درجات أقل من التحرش، لا يقول ذلك إن مساحيق التجميل تمنع التحرش بالطبع، وذلك لأن معايير التحرش كثيرة ومعقّدة، لكنه يشير إلى أن مسببات التحرش تميل بشكل أكبر إلى جوانب أخرى معقّدة، فقد يكون الملبس كاشفا لكنه يعطي انطباعا بأن تلك الفتاة تابعة لعائلة قوية قادرة على سحل المتحرش قانونيا وحرفيا، كذلك فإن التحرش أقل انتشارا في الأماكن الراقية والتي يبدو أنها محكومة جيدا، من جهة أخرى فإنه قد يكون مرتبطا بالحالة الاقتصادية.

  

على سبيل المثال، فإن النسبة الرئيسية من المتحرشين كانت من العاطلين عن العمل في دراسة الأمم المتحدة، وهناك في الحقيقة رابط يتضح يوما بعد يوم بين الحالة الاقتصادية -أو التغيرات الاقتصادية- وحالات التحرش، لكنّ ذلك لا يعني أنها تتوقف تماما في الدول ذات المستويات الاقتصادية المرتفعة، إلا أننا لو قررنا النظر إلى حالات التحرش بالأطفال تحديدا في مصر -في دراسة16 صدرت قبل عدة أعوام خرجت بنحو 1900 ضحية- فإن أكثر من 80% من الحالات مرتبطة بالطبقات الفقيرة.

  

سعار عالمي

   

لكن ذلك مع الأسف لا يعطي صورة كاملة عن التحرش على مستوى عالمي، هناك تفاوت في النسب، لكن الظاهرة قد رُصدت في كل سياق، في كل طبقات المجتمع، وخير دليل على ذلك هو نتائج حملة #أنا_أيضا المرعبة والتي أشارت إلى وصول التحرش للقصور الملكية وأكثر المؤسسات الثقافية والعلمية رُقيا في العالم، من نيويورك إلى كابول، ومن الأستاذة الجامعية إلى فتاة تبيع المناديل في الشارع، من كل الثقافات والأعراق والتوجهات السياسية والدينية عانت النساء من التحرش. وبسبب تعقّد الأمر وصعوبة دراسته بسبب إمكانية وجود الكثير من الخلل والتحيزات، فإن الأمر يزداد تعقيدا، لكنه يبدو في النهاية وكأنه جزء من طبيعة العالم المعاصر.

   

في كل الأحوال، فإن مشكلة التحرش في مصر ما زالت قائمة بقوة، لكن على الرغم من أن استجابة الدولة -على مدى عقدين من إثارة وتصاعد القضية- ليست واضحة(17) إلى الآن، مع تدخل لإحالة الأمر إلى مستويات أسوأ بالتدخل الأمني بعد الثورة، فإن هناك استجابة إلكترونية(18،19) متصاعدة يوما بعد يوم ضد التحرش. نعم، لا يزال خطاب لوم الضحية منتشرا إلى الآن لكنه يتناقص يوما بعد يوم، وفي أثناء الجدل على وسائل التواصل الاجتماعي تجد الآراء الرافضة للتنمر والتحرش بكل أشكاله صدى واسعا، ويمكن أن نلمس ذلك في الجدل الأخير(20) حول أغنية "عشان تبقي تقولي لأ" لتميم يونس والتي واجهت حملة مضادة تحمل الشعار العالمي "لأ تعني لأ".

      

       

لكن في خضم ذلك كله، تظهر حادثة مدينة المنصورة المؤسفة، قبل عدة أيام(21)، في احتفالات رأس السنة بالشوارع، حيث التف مجموعة كبيرة من الشباب حول فتاة، غير معروفة إلى الآن، وقاموا بالتحرش الجماعي بها، بينما استطاعت مجموعة أخرى تخليصها منهم ودفعها إلى سيارة للهرب بها من المكان، انتشر فيديو الحادثة بشكل واسع ولقي الكثير من الاهتمام على مستوى محلي وعالمي، وأعاد إلى ذاكرة المصريين حادث 2006.

    

هل يمكن أن يفتح هذا الحدث بابا لتغيُّر اجتماعي جديد في مصر، بالنسبة لقضايا التحرش، خاصة أنه قادم في سياق يتم تكوين الرأي العام خلاله عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟ لا نعرف بعد، الأمر معقّد، والبلاد تمر بحالة من إعادة الهيكلة الاجتماعية الممتزجة بدرجات من الإحباط وتصاعد التطرّف في كل التوجُّهات، لكن لا يمكن أن نُقلِّل من قوة الرأي العام الإلكتروني أيضا.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة