النفط والغاز في سوريا.. التاريخ والإنتاج والحقول

تنتشر على مدى الأراضي السورية عديد من حقول النفط المهمة التي تحتوي على احتياطات نفطية مؤكدة تقدّر بنحو 2.5 مليار برميل، مما يضعها في المركز الـ32 عالميا بين كبرى الدول من حيث الاحتياطات النفطية.
وتعددت الجهات المسيطرة على هذه الحقول منذ اندلاع الثورة السورية، فقد وقعت تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية مدة من الزمن، ثم سيطرت عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، كما كان لروسيا -بعد تدخلها عسكريا إلى جانب نظام الرئيس بشار الأسد– سيطرة على بعض الحقول.
ومع سقوط نظام الأسد أواخر 2024، استطاعت حكومة الرئيس أحمد الشرع بسط سيطرتها على حقول العُمَر والتَنَك والجفرة والعزبة، فضلا عن حقل كونكو للغاز، وذلك عقب عملية أمنية شنتها على مواقع قسد بعد تعثر الاتفاقات بينهما.
وقد تأثر القطاع النفطي كثيرا منذ عام 2011، وقدّرت خسائره حتى عام 2017 بأكثر من 62 مليار دولار، حسب بيانات وزارة النفط في دمشق.
اكتشاف النفط
وتعود بدايات اكتشاف النفط في سوريا إلى عام 1933، مع اكتشاف أولى المؤشرات النفطية في محافظة دير الزور، قبل أن يبدأ الإنتاج الفعلي للنفط الخام من مناطق شمال شرقي البلاد عام 1956.
وشهد القطاع منعطفا حاسما عام 1963 عقب وصول حزب البعث إلى السلطة، إذ اتجهت الدولة إلى إنهاء دور الشركات الأجنبية في عمليات التنقيب والاستخراج، وتكريس السيطرة الحكومية الكاملة على الموارد النفطية.
وفي العقود اللاحقة، سجل قطاع النفط السوري سلسلة من المحطات البارزة، بدءا من تصدير أول شحنة نفط خام عام 1968، مرورا بتأسيس الشركة السورية للنفط عام 1974، وصولا إلى ذروة الإنتاج في منتصف التسعينيات، حين بلغ نحو 600 ألف برميل يوميا عام 1996، في أعلى مستوى له تاريخيا.

قبل عام 2011
شكّل قطاع النفط والغاز، إلى جانب الزراعة، أحد الأعمدة الرئيسية للاقتصاد السوري قبل عام 2011، وجذب استثمارات شركات طاقة عالمية كبرى، ومن بينها "شل" و"توتال إنيرجيز"، وأسهمت هذه الاستثمارات في تعزيز قدرات الإنتاج والتكرير، وتأمين جزء مهم من الإيرادات العامة للدولة.
وقبيل اندلاع الثورة عام 2011، تراوح إنتاج سوريا من النفط الخام بين 380 و400 ألف برميل يوميا، وهو مستوى كان كافيا لتغطية الاستهلاك المحلي مع تصدير جزء من الإنتاج إلى الأسواق الخارجية.
وبلغ إنتاج الغاز الطبيعي في تلك الفترة نحو 316 مليون قدم مكعب يوميا، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية التي نقلتها وكالة "ستاندرد آند بورز" عام 2015.
غير أن الحرب، وما رافقها من انسحاب الشركات الأجنبية وفرض عقوبات غربية مشددة، ألحقت أضرارا جسيمة بالقطاع، وأضعفت بشكل كبير قدرة البلاد على إنتاج وتكرير مواردها الهيدروكربونية.
وتشير تقديرات معهد واشنطن إلى أن ذروة إنتاج النفط سُجلت عام 1996 عند أكثر من 582 ألف برميل يوميا، في حين قُدرت الخسائر التراكمية التي تكبدها قطاعا النفط والغاز بنحو 115.2 مليار دولار.
سنوات الثورة
تكبّد قطاع النفط والغاز السوري أضرارا واسعة في سنوات الثورة، إذ تعرضت الحقول والبنية التحتية للتخريب والإهمال، مما أدى إلى تراجع حاد في مستويات الإنتاج.
وحسب تقديرات غلوبال إنيرجي مونيتور، فإن إنتاج النفط عام 2025 لا يتجاوز نحو 100 ألف برميل يوميا، أي أقل بكثير من مستويات ما قبل عام 2011.
وأدى هذا الانخفاض إلى اعتماد متزايد على الإمدادات النفطية الإيرانية، في إطار الدعم الذي قدمته طهران لنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، قبل أن يشهد هذا الترتيب تحولا جذريا عقب سقوط النظام.
وبحلول عام 2022، قُدرت الخسائر التراكمية التي لحقت بقطاع النفط والغاز بنحو 100 مليار دولار، في ظل شلل شبه كامل للاستثمارات الأجنبية واستمرار العقوبات الدولية.
وفي أثناء سنوات الحرب، انتقلت السيطرة على الحقول النفطية عدة مرات بين أطراف متنازعة، بينها تنظيم الدولة، وقسد بدعم أمريكي، وروسيا، ونظام بشار الأسد.
وزادت العقوبات الأمريكية والأوروبية من تعقيد عمليات الاستيراد والتصدير المشروعة، واستمرت هذه القيود لأشهر بعد الإطاحة بنظام الأسد أواخر 2024، مما عرقل تأمين احتياجات الطاقة.
رفع العقوبات واستعادة الحقول
وعقب سقوط النظام السوري، دعت شركة "غلف ساندز" البريطانية إلى رفع العقوبات المفروضة على سوريا، معتبرة أن استئناف الإنتاج وإعادة تأهيل الحقول يتطلبان بيئة قانونية واستثمارية أقل تقييدا.
وشهد المشهد تحولا لافتا بعد إصدار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أمرا تنفيذيا في يونيو/حزيران 2025 يقضي برفع العقوبات المفروضة على سوريا.
وعلى إثر ذلك، شرعت شركات تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها في إعداد خطة رئيسية للمساهمة في استكشاف واستخراج النفط والغاز السوريَّين.
وفي السياق ذاته، وقّعت الحكومة السورية الجديدة مذكرة تفاهم بقيمة 800 مليون دولار مع شركة "دي بي وورلد" لتطوير وإدارة وتشغيل محطة متعددة الأغراض في ميناء طرطوس، عقب إلغاء عقد سابق مع شركة روسية كانت تدير الميناء في عهد الأسد.
ومع سقوط النظام السوري أواخر 2024، استطاع الجيش الجديد بسط سيطرته على حقول نفط العُمَر والتَنَك والجفرة والعزبة، فضلا عن حقل كونكو للغاز، وذلك عقب عملية أمنية شنها على مواقع قسد بعد تعثر الاتفاقات بينهما.
وقالت شركة النفط السورية إنها تسلمت حقلي الرصافة وصفيان بعد أن استعادتهما من قسد، وذلك لإعادة وضعهما للخدمة.
وتستمد هذه التطورات أهميتها من كونها تعيد إلى الدولة السورية مصادر كانت تشكل قبل عام 2011 القاعدة الإنتاجية الرئيسية لقطاع الطاقة، إذ بلغ إنتاج النفط حينئذ نحو 400 ألف برميل يوميا، في حين امتلكت البلاد قدرة توليد كهربائية تقارب 9 آلاف ميغاواط بإنتاج سنوي ناهز 49.3 مليار كيلوواط في الساعة.
احتياطات النفط والغاز
أوضح مدير إدارة الاتصال في الشركة السورية للبترول صفوان شيخ أحمد، في تصريح للجزيرة نت، أن الحقول النفطية التي عادت إلى سيطرة الدولة كانت تنتج قبل اندلاع الحرب أكثر من 100 ألف برميل يوميا، في حين لا يتجاوز إنتاج 2025 ما بين 20 و26 ألف برميل يوميا.
وأشار إلى أن الاحتياطات النفطية المؤكدة في سوريا حتى عام 2025 تُقدَّر بنحو 2.5 مليار برميل، وهو ما يضع البلاد في المرتبة الـ32 عالميا من حيث حجم الاحتياطي.
وتمثل هذه الكمية نحو 0.14% من إجمالي الاحتياطات النفطية العالمية المقدّرة بنحو 1.8 تريليون برميل، وفق بيانات "ورلد ميتر".
واستنادا إلى معدلات الاستهلاك المسجلة عام 2024، تعادل هذه الاحتياطات المؤكدة نحو 55.3 ضعف الاستهلاك السنوي للنفط في سوريا، مما يعني أن هذه الاحتياطات يمكن أن تغطي احتياجات البلاد لما يقارب 55 عاما عند مستويات الاستهلاك الحالية، في حال عدم اللجوء إلى الاستيراد، ومع استبعاد أي احتياطات غير مثبتة.
أما على صعيد الغاز الطبيعي، فبلغ الإنتاج قبل عام 2011 نحو 30 مليون متر مكعب يوميا، قبل أن يتراجع حاليا إلى قرابة 10 ملايين متر مكعب.
أبرز حقول النفط والغاز
وفي ما يأتي أبرز حقول النفط في سوريا موزعة حسب المحافظات التي تنتشر فيها:
دير الزور
- حقل العمر:
أكبر حقل نفطي في البلاد من حيث المساحة والإنتاج، ويشكّل العمود الفقري لصادرات النفط السورية.
بلغ إنتاجه قبل عام 2011 نحو 80 ألف برميل يوميا، وصار ينتج 20 ألف برميل يوميا، وفق غلوبال إنيرجي مونيتور.
- حقل التنك:
ثاني أكبر الحقول النفطية في سوريا بعد "حقل العمر"، ويقع في بادية الشعيطات بريف دير الزور الشرقي، ويعد حقلا رئيسا في حوض الفرات النفطي، ويُصنَّف ضمن الحقول المتوسطة الحجم ذات النفط الخفيف نسبيا.
كان ينتج 40 ألف برميل يوميا عام 2011، وانخفض إنتاجه إلى ألف برميل عام 2025.
وكانت حقول دير الزور تقع تحت سيطرة تنظيم الدولة، ثم بدأ يتساقط بعضها في يد قوات النظام المخلوع وأخرى في يد قوات قسد التي قاتلت تنظيم الدولة بدعم من ضربات جوية وقوات خاصة من التحالف الدولي.
- حقل الورد:
يقع في مدينة الميادين التابعة لمحافظة دير الزور، وهو من أهم الحقول القريبة من المنطقة الحدودية المشتركة مع العراق.
قبل عام 2011، كان حجم إنتاج الحقل النفطي يبلغ نحو 50 ألف برميل يوميا، وصار ينتج أواخر 2025 نحو 5 آلاف برميل يوميا، وفق غلوبال إنيرجي مونيتور.
- حقل التيم:
من الحقول الداعمة للإنتاج المحلي، وهو ليس من الحقول الكبرى، ويقع جنوب شرق مدينة دير الزور، وكان ينتج 50 ألف برميل يوميا عام 2011، وصار ينتج 2500 برميل يوميا.
- حقل الجفرة:
حقل صغير إلى متوسط الحجم في محيط مدينة دير الزور، أُدرج ضمن أصول الشركة السورية للنفط قبل 2011.
- حقل كونكو:
أحد أكبر حقول الغاز في سوريا، ويقع شمال شرق مدينة دير الزور في منطقة الطابية، ويعرف محليا باسم معمل غاز الطابية.
أنشأته شركة كونكو فيليبس الأمريكية عام 2001، بطاقة إنتاجية تفوق 4.7 مليارات متر مكعب سنويا من الغاز.
وكان ينتج 13 مليون متر مكعب يوميا عام 2011، لكنه توقف عن العمل إثر استهدافه مرات عديدة.
الحسكة
- حقل السويدية:
يقع في مدينة السويدية الواقعة بمنطقة المالكية في محافظة الحسكة، وهو واحد من أهم وأقدم وأكبر الحقول النفطية التي اكتشفت في سوريا.
اكتشف عام 1958، وكان ينتج ما يقارب ثلث إنتاج سوريا الإجمالي من النفط الخام، بفضل احتياطاته الكبيرة البالغة نحو 248.5 مليون برميل (35 مليون طن).
بلغ إنتاجه عام 2011 نحو 116 ألف برميل يوميا، وصار إنتاجه 7 آلاف برميل عام 2026، وفق غلوبال إنيرجي مونيتور.
- حقل رميلان:
يقع بالقرب من مدينة رميلان في محافظة الحسكة، وهو من أقدم وأهم احتياطات النفط في سوريا. اكتشف الحقل في الستينيات، وكان من أبرز أعمدة النفط في سوريا عند التأسيس.
وبحلول منتصف القرن الـ20، كان الحقل ينتج نحو 200 ألف برميل من النفط يوميا في أعقاب حرب السادس من أكتوبر/تشرين الأول 1973، مما أسهم بشكل كبير في اقتصاد البلاد.
كان ينتج 116 ألف برميل يوميا عام 2011، وينتج حاليا 7 آلاف برميل يوميا.
- حقل الجبسة:
شكّل مع كونكو نحو 53% من إنتاج الغاز السوري قبل عام 2011.
الرقة
توجد في محافظة الرقة بعض النقاط النفطية الصغيرة، وجميعها كانت خاضعة لسيطرة قوات قسد، قبل أن يستعيد الجيش سيطرتها عليها مطلع 2026.
تدمر
- حقل الجحار:
أحد أهم حقول الغاز في سوريا، ويقع في منطقة البادية السورية الواقعة غرب مدينة تدمر بمحافظة حمص، واكتشف للمرة الأولى عام 2001.
وتوجد في تدمر حقول أخرى منها المهر والجزل، وجميعها سقطت بيد تنظيم الدولة، لكنه خسرها بعد هجوم لنظام الأسد بدعم من القوات الروسية مع الفيلق الخامس عام 2017، وظلت في يده حتى خسارة المنطقة مع سقوط النظام.
حمص
- حقل الشاعر:
من أكبر حقول الغاز في البلاد، ويحدّه من الشمال حقل جحار للغاز.
بدأت جهود استكشافه في ستينيات القرن العشرين، ووصل حجم إنتاجه عام 2010 إلى نحو 35 مليون متر مكعب سنويا.
وبلغ إنتاجه عام 2011 نحو 9 آلاف برميل، ثم صار ينتج نحو 3 ملايين متر مكعب يوميا من الغاز.
خضع لسيطرة تنظيم الدولة، قبل أن يستعيد نظام الأسد السيطرة عليه عام 2017، وحتى سقوطه كان إنتاج الحقل يزيد على ألفي برميل يوميا.