محافظة الرقة.. التاريخ والجغرافيا ومحطات السياسة

حفظ

RAQQA, SYRIA - JANUARY 23: Residents of Raqqa take to the streets to celebrate the takeover by the army on January 23, 2026 in Raqqa, Syria. Syrian government forces continue to retake large parts of northern and eastern Syria from Kurdish forces in a rapid push that has brought nearly all of Syria under the control of Damascus and government forces. (Photo by Abdulmonam Eassa/Getty Images)
محافظة الرقة تشكل حوالي 11% من مساحة سوريا (غيتي إيميجز)

محافظة سورية تقع شمال وسط البلاد على ضفاف نهر الفرات وتعدّ جزءا من منطقة الجزيرة السورية، فتحها المسلمون عام 18 للهجرة (639 للميلاد) وسموها الرقة، ويعني الصخرة المسطحة.

كانت من أوائل المناطق التي ثارت على نظام بشار الأسد عندما اندلعت الثورة السورية عام 2011، قبل أن يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) عام 2014 ويعلنها عاصمة لخلافته، ثم وقعت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) عام 2017.

بعد سقوط نظام الأسد نهاية 2024، ماطلت قسد في الاندماج في الدولة الجديدة، واستمرت في فرض سيطرتها على المناطق التي كانت تحت سلطتها، ومن بينها الرقة، بينما كانت حكومة الرئيس أحمد الشرع تعمل على بسط سيادتها على كامل الأراضي السورية، فعقدت عدة اتفاقات مع قسد لكن أكثرها تعثر، في ظل تبادل الطرفين الاتهامات بالتصعيد العسكري.

ومع تعثر المفاوضات وتكرر الاشتباكات، أطلق الجيش السوري في أوائل 2026 عملية عسكرية واسعة بدأت في حلب وامتدت نحو مناطق الجزيرة السورية، وبسطت الحكومة سيطرتها على محافظة الرقة، وأعلنت الرئاسة السورية في 18 يناير/كانون الثاني 2026 عن التوصل إلى اتفاق مع قسد، يقضي بدمج مؤسساتها المدنية والعسكرية في الحكومة السورية، ثم أعقب ذلك إعلان الحكومة عن تعيين محافظ جديد للرقة هو عبد الرحمن سلامة، الأمين العام السابق لرئاسة الجمهورية.

الموقع

تقع محافظة الرقة شمال وسط سوريا، ويعبرها نهر الفرات، وتحدّها الحسكة من الشمال الشرقي، وحلب من الشمال الغربي، ودير الزور من الشرق، وحمص وحماة من الجنوب، وتبعد عن العاصمة دمشق نحو 500 كيلومتر.

تقع مدينة الرقة -مركز المحافظة- على الضفة الشمالية لنهر الفرات، وتقدر مساحتها بنحو 20 كيلومترا مربعا، وتبعد نحو 200 كيلومتر عن مدينة حلب.

تبلغ مساحة المحافظة نحو 19 ألف كيلومتر مربع، وهي رابع أكبر محافظة في سوريا من حيث المساحة، وتشكل 10.6% من إجمالي مساحة البلاد.

خريطة توضح محافظة الرقة في سوريا

الاقتصاد

تتكوّن الرقة من 5 مناطق تضم 35 قرية، ويعتمد اقتصادها منذ سبعينيات القرن العشرين على الزراعة المرتبطة بنهر الفرات، إضافة إلى حقول نفطية جنوب غرب المحافظة، مثل حقل الثورة والوهاب والفهد ودبيسان والقصير وأبو القطط وأبو قطاش.

إعلان

وبفضل موقعها الاستراتيجي عند تقاطع الطرق في حوض الفرات، شكّلت الرقة مركزا تجاريا بارزا لتجميع المحاصيل وتبادل السلع وتصدير المؤن، كما كانت نقطة جذب للسكان منذ فجر التاريخ، وملتقى نشوء الحضارات وتلاقي الثقافات.

يتميز اقتصاد الرقة بوجود مشاريع ري كبرى على نهر الفرات، أهمها سد الفرات (سد طبقة) الذي أسهم في تطوير منظومة الري وتوسيع المساحات الزراعية، إضافة إلى دوره في توليد الكهرباء وتوفير المياه للمناطق المحيطة.

وعلى الصعيد الصناعي، توجد في الرقة بعض الأنشطة الخفيفة المرتبطة بالزراعة، مثل معاصر الزيتون ومصانع التعبئة والتغليف، إضافة إلى حرف تقليدية مثل صناعة الفخار والنسيج في بعض المناطق. لكن القطاع الصناعي ظل محدودا مقارنة بأهمية الزراعة في الاقتصاد المحلي.

وتأثر اقتصاد المحافظة بشكل كبير بالصراع والدمار، مما أدى إلى تراجع الإنتاج الزراعي وتدمير البنية التحتية، إضافة إلى نزوح واسع للسكان، وهو ما جعل عملية التعافي الاقتصادي مرتبطة بعودة الاستقرار وإعادة تأهيل مشاريع الري والطاقة وإعادة تشغيل المصانع والخدمات.

السكان

بحكم موقع الرقة وخصوبة أراضيها واتصالها المباشر ببادية الجنوب الممتدة حتى تدمر ودير الزور، شكّلت المدينة تاريخيا منطقة تماس بين البدو الرحّل الباحثين عن المراعي، وبين جماعات حضرية بدأت بالاستقرار وممارسة الزراعة، في سياق أوسع من موجات الهجرة العربية التي عرفتها بلاد الشام قبل الإسلام وبعده.

وفي القرن التاسع عشر، ومع الحضور العثماني، استقر في الرقة تنوع سكاني من العرب والكرد والترك، تركزوا في أحياء متعددة، غالبيتهم من المسلمين، ثم انضم إليهم لاحقا مهجّرون من القوقاز والشيشان، إلى جانب مجموعات من الأرمن شكّلوا مجتمعاتهم الخاصة.

كما سكنها وافدون من حوران، وقلة من "الغجر" (القرباط) الذين اندمجوا في النسيج الاجتماعي المحلي.

وكان عدد سكان المدينة في بداياته محدودا، قبل أن يشهد نموا متسارعا؛ إذ بقي دون 40 ألف نسمة عام 1970، ثم ارتفع إلى نحو 300 ألف نسمة عام 2011، فيما بلغ عدد سكان محافظة الرقة كاملة، بين مدينة وأرياف، قرابة مليون نسمة في العام نفسه.

ووفق مجلس الرقة المدني الذي كان قد أجرى إحصاء لعدد السكان في مدينة الرقة وريفها عام 2019، فقد بلغ عدد سكان المحافظة حوالي 800 ألف نسمة، متأثرا بموجات الهجرة والنزوح.

epa12661671 An aerial view taken with a drone shows Euphrates Dam after government troops took control of the city of Raqqa, eastern Syria, 19 January 2026. Residents of Raqqa held celebrations as the Syrian government took control of the city on 18 January after the withdrawal of the Syrian Democratic Forces (SDF) and the signing of an agreement with the commander of the predominantly Kurdish-led SDF, which includes a ceasefire. EPA/AHMAD FALLAHA
سدّ الفرات في مدينة الرقة يعدّ من أهم السدود في سوريا (الأوروبية)

تاريخ الرقة السورية

تُعدّ مدينة الرقة من أقدم المدن المأهولة في منطقة الفرات الأوسط، وقد تشكلت هويتها التاريخية عبر تعاقب حضارات كبرى، بحكم موقعها الاستراتيجي على نهر الفرات الذي جعلها مركزا تجاريا وعسكريا وثقافيا عبر العصور.

تعود جذور المدينة إلى 3 آلاف قبل الميلاد، وكانت تعرف المنطقة المحيطة بها حينئذ باسم توتول، وهي من المدن المهمة في العصرين السومري والأكادي، وكانت مركزا دينيا وتجاريا بارزا.

وفي العصر الأرامي (من القرن الحادي عشر إلى القرن التاسع قبل الميلاد) أطلق على الرقة "بيت أدين"، وحملت في العهد الإغريقي اسم "نيكفوريوم".

إعلان

تغير اسمها في عهد الإمبراطور سلوفس الثاني (بين 244 و242 قبل الميلاد) إلى غالينغوس، وفي 474 بعد الميلاد حول الإمبراطور ليو الثاني المدينة إلى مركز سكاني مزدهر وأطلق عليها اسم "ليونتوبوليس".

وفي فترة الحكم البيزنطي، احتفظت الرقة بأهميتها الاستراتيجية، لكنها كانت ساحة صراعات متكررة، مما جعلها عرضة للتدمير وإعادة الإعمار أكثر من مرة.

الحكم الإسلامي

دخلت الرقة تحت الحكم الإسلامي عام 18 للهجرة (639 للميلاد)، وسميت بالرقة، واهتم بها الخلفاء في العهد الأموي وجعلوها محطة لتموين جنودهم في طريقهم لغزو حدود دولة الروم.

بلغت الرقة ذروة أهميتها في العصر العباسي، في عهد هارون الرشيد الذي اتخذها واحة خاصة له. وفي الفترة بين 180 و193 للهجرة (796 و808 للميلاد)، أصبحت العاصمة الثانية إلى جانب بغداد، ومركزا علميا وثقافيا مهما.

في عام 1258 للميلاد، وبعد اجتياح المغول للمنطقة، تعرّضت الرقة لدمار واسع أدى إلى انهيار بنيتها العمرانية وتراجع مكانتها السياسية والاقتصادية، ودخلت في مرحلة طويلة من الانكماش السكاني والتهميش.

ومع دخولها تحت الحكم العثماني، بدأت الرقة تشهد عودة تدريجية للحياة، خاصة مع إنشاء مخفر للدرك العثماني الذي شكّل نواة الاستقرار العمراني الحديث. ومن حول هذا المخفر نشأت تجمعات سكانية، ثم امتد العمران داخل نطاق السور العباسي القديم.

وفي النصف الثاني من القرن العشرين، ولا سيما في الستينيات والسبعينيات، استفادت الرقة من مشاريع الري الكبرى على نهر الفرات، مما أحدث نقلة نوعية في الزراعة والاستقرار السكاني، وأسهم في توسعها العمراني وتعزيز دورها الاقتصادي الإقليمي.

epa12661656 An aerial view taken with a drone shows people celebrating in the city of Raqqa, eastern Syria, 19 January 2026. Residents of Raqqa held celebrations as the Syrian government took control of the city on 18 January after the withdrawal of the Syrian Democratic Forces (SDF) and the signing of an agreement with the commander of the predominantly Kurdish-led SDF, which includes a ceasefire. EPA/AHMAD FALLAHA
من احتفالات أهالي الرقة ببسط قوات الحكومة السورية سلطتها عليها وإخراج قسد منها (الأوروبية)

الثورة السورية

كانت الرقة من أوائل المناطق التي انخرطت في الثورة السورية عام 2011، ثم تمكنت فصائل المعارضة في مارس/آذار 2013 من السيطرة على المدينة، لتكون أول مركز محافظة يخرج عن سيطرة نظام بشار الأسد.

غير أن بقاءها في يد المعارضة لم يدم طويلا، إذ فرض تنظيم الدولة الإسلامية سيطرته الكاملة على الرقة في يناير/كانون الثاني 2014، بعد معارك مع هذه الفصائل.

وبفضل موقعها الاستراتيجي الذي يربط بين سوريا والعراق، تحولت الرقة إلى المعقل الأبرز للتنظيم، وعاصمة خلافته ومركز صناعة قراره.

في تلك الفترة، عانت الرقة من أوضاع إنسانية وأمنية قاسية، اتسمت بالقمع الممنهج وتقييد الحياة العامة وتدمير واسع للبنية التحتية، فضلا عن موجات نزوح وهجرة كبيرة غيّرت التركيبة السكانية للمدينة.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2014، تعرّضت المدينة لمجزرة نتيجة غارات جوية نفّذها طيران الأسد على عدد من الأحياء السكنية المكتظّة بالمدنيين، استهدفت مناطق متفرقة من بينها تجمع كبير قرب المتحف الوطني في وسط المدينة، وآخر في منطقة الصناعة، مما أسفر عن سقوط أكثر من 150 مدنيا بين قتيل وجريح.

وفي منتصف عام 2017، أطلقت قوات قسد بالتعاون مع التحالف الدولي عملية عسكرية واسعة للسيطرة على الرقة، واستمرت المعارك عدة أشهر، تخللتها غارات جوية مكثفة أسفرت عن دمار كبير طال أحياء واسعة من المنطقة. وفي أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، أعلنت قسد سيطرتها الكاملة على الرقة.

عقب سقوط نظام الأسد

بقيت الرقة تحت سيطرة قسد إلى ما بعد سقوط النظام السوري في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، إذ رفضت الاندماج مع الدولة الوليدة التي كانت تحاول بسط سيادتها على كامل الأراضي السورية، وعقدت معها اتفاقات عديدة لكن أكثرها تعثر، في ظل تبادل الطرفين الاتهامات بالتصعيد العسكري.

ومع تعثر المفاوضات وتكرر الاشتباكات، أطلق الجيش السوري في أوائل 2026 عملية عسكرية واسعة بدأت في حلب وامتدت نحو مناطق الجزيرة السورية، وبسطت حكومة الرئيس أحمد الشرع سيطرتها على محافظة الرقة، وأعلنت في 18 يناير/كانون الثاني 2026 عن التوصل إلى اتفاق مع قسد، يقضي بدمج مؤسساتها المدنية والعسكرية في الحكومة السورية، وأكدت قسد التزامها به، ثم أعقب ذلك الإعلان عن تعيين محافظ جديد للرقة هو عبد الرحمن سلامة، الأمين العام السابق لرئاسة الجمهورية.

إعلان

أبرز المعالم

تضم الرقة العديد من المواقع التاريخية والأثرية، ومن أهمها:

  • أسوار المدينة

شيدها العباسيون عام 101 للهجرة (720 للميلاد)، وتمتد مسافة 5 كيلومترات، ومن أصل 74 برجا كانت قائمة عليها، لم يتبقَ سوى 6 أبراج، ويبلغ محيط كل منها بين 15 و16 مترا.

  • قلعة جعبر

تقع على نهر الفرات على بعد 50 كيلومترا من مدينة الرقة، وعلى هضبة تطل على بحيرة سد الفرات، وتضم سورين و35 برجا دفاعيا.

يُرجع أصلها إلى عهد ملك الحيرة النعمان بن المنذر قبل الإسلام، ودمرها جيش المغول بقيادة هولاكو عام 1260 للميلاد، ثم أعيد ترميمها في عهد المماليك في عصر السلطان الناصر بن قلاوون.

  • سد الفرات (سدّ طبقة)

يتمركز على نهر الفرات قرب مدينة الطبقة غرب الرقة، ويعد من أكبر السدود في سوريا، إذ يسهم في توليد الكهرباء وتوفير المياه للري، ويشكل عنصرا اقتصاديا واستراتيجيا رئيسيا في المنطقة.

  • جامع المنصور

يقع في مدينة الرقة، ويتألف من صحن وحرم على غِرار الجامع الأموي في دمشق، وله 11 قنطرة وتعلوه مئذنة شامخة.

ويرتفع جدار الجامع الخارجي 110 أمتار، وعرضه 98 مترا، ويدعمه 20 برجا.

  • قصر البنات

يقع جنوب شرق مدينة الرقة، ويعود تاريخه إلى القرن الثاني عشر الميلادي، ويضم  باحة مركزية تطل عليها 4 أواوين، وتقع في أقصى الشمال صالة خلفها حجرة تطل على باحة وأروقة.

المصدر: الجزيرة

إعلان