الصيام كأداة لاكتشاف جوهر إنسانيتنا ومقاومة الطغيان

رمضان حدثٌ كبير يُذكرنا بتماثلنا وتشابهنا بغضّ النظر عن قدر الاختلافات بيننا (الجزيرة)

رمضان حدثٌ كبير يُذكرنا بتماثلنا وتشابهنا بغض النظر عن قدر الاختلافات بيننا. وبغض النظر عن مدى ابتعادنا عن بعضنا أو اختلاف تفكيرنا وعقولنا، فإن للصيام سحرا يغلق جميع المسافات ويقربنا من بعضنا. إن الطريقة التي نصوم بها تُذكرنا أننا سواء، هذه الفريضة التي شُرعت لنا ولمن قبلنا حتى آدم عليه السلام.

حين أتأمل فريضة الصوم أجدها وكأنها تُحيلنا إلى الهدف الأساسي لوجودنا في الدنيا، ألا وهو اكتشاف جوهر إنسانيتنا. الصوم هو واحد من أنجع الطرق للتفكير في الإنسان وفهم ماهية وجوده، إذ إن الصوم في جوهره يُشعر الإنسان أنه إنسان، إنسان يمتنع بكامل إرادته عن تلبية نداء غريزتين من أقوى وأعتى الغرائز. الإنسان بطبيعته يميل ويحب ما يُمنع منه، فإذا نجح الصائم في السيطرة على هاتين الغريزتين 30 يوما، فهو قادر على قيادة نفسه أمام عاداتها وشهواتها وقيادتها نحو ما فيه خيره وسعادته وإعماره للأرض، وهي مهمته الأولى والرئيسية، وهذا هو جوهر الإنسانية في أبهى صورة له.

يعامل العالم الحديث الإنسان بمبدأ الفردانية فقط، هذا الإنسان الذي يعرف حقوقه جيدا ويجري لهثا وراءها ويحارب لأجلها. رغبات الفرد التي يجب عليه إشباعها وتحقيقها هي الأهم، وهي مسألة جذرية يجب أن تتحقق فوق أي اعتبار. إنها ترسخ انعزال الشخص عن وسطه الاجتماعي، وربما ذوبانه وتلاشي علاقاته الإنسانية.

في كتابه "النباهة والاستحمار"، يضرب المفكر علي شريعتي مثالا لكثير من القضايا التي يدافع عنها الإنسان المعاصر، دون أن يكتمل فهمه لها، فيقول: "إنهم ينادون بالحرية الفردية، ويدعونك لها من أجل تمويه الأذهان، والغفلة عن النباهة الاجتماعية، حيث يرى الإنسان نفسه حرا من الناحية الفردية فى غذائه وشهواته، كقفص فيه طير، وقد وُضع فى صالة مغلقة تماما، ثم فُتح باب القفص، إنه شعور كاذب بالحرية، لأن الأسير الذى يعلم أنه مأسور يحاول أن يطلق نفسه، ويتحرر من الأسر، بينما الذي لا يشعر أنه أسير ويشعر بالحرية، فشعوره وهم وكذب".

هذا وصف دقيق لحالة الإنسان المعاصر، الذي تُنمى فيه النزعة الفردانية باعتبارها طوق الخلاص لمعاناته، وسبيلا لينطلق لتحقيق المتعة واللذة باعتبارهما عنوانا للحياة المعاصرة. ربما تقود هذه النزعة إلى تدمير خصائص الجنس البشري، في ظل الثورة التكنولوجية والرقمية التي باتت فيها العلاقة مع الآلة الخيار الأفضل.

هذا تحديدا ما يجعل من الصوم فعلا عالي الشأن، يستطيع فيه الإنسان تعلم المقاومة والصبر، ولأننا جميعا فيه شيء واحد ونقوم بفعل واحد، فهو ينبهنا إلى أن حقوقنا ترتبط أيضا بحقوق الآخرين الإنسانية، وأن الشهوات والرغبات ليست هي فقط ما يجب علينا أن نشبعه، فالإنسان ليس كائنا يعيش فقط ليبحث عن حقوقه، لأن حقوق من يتعرضون للاحتقار والقمع والاضطهاد هي من صميم واجبه في الدنيا، فهو كائن مسؤول بشكل ما تجاه إنسانيته.

إن صميم مشكلة حقوق الإنسان تنبع من رغبة الناس في السيطرة على الآخرين، أي تركيزهم على رغباتهم الخاصة دون النظر إلى احتياجات الآخرين. هذه الطبيعة العنيفة في التسلط داخل الإنسان، ورغبته المفرطة في الجور على الآخرين، هي ما يجعله أعقد كائن على وجه الأرض، وهي ما يجعله مخلوقا فريدا من نوعه أوكلت له مهمة شديدة الصعوبة.

يوضّح الله عز وجل في الآية الكريمة "إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى"، كيف يحدث الطغيان عند الإنسان، وكيف ينسى غيره من الناس وحقوقهم. إنّ الإنسان إذا رأى نفسَه استغنى فإنَّه يطغى، من الطُّغيان وهو مجاوزة الحد. إذا رأى أنه استغنى عن رحمة الله طغى ولم يُبالِ. إذا رأى أنَّه استغنى عن الله عز وجل في كَشْف الكربات وحصول المطلوبات صار لا يلتفت إلى الله ولا يبالي. إذا رأى أنَّه استغنى بالصحة نَسِيَ المرض، وإذا رأى أنَّه استغنى بالشبع نَسِيَ الجوع، وإذا رأى أنه استغنى بالكساء نسي العري.. وهكذا.

فالإنسان من طبيعته الطغيان والتمرد متى رأى نفسه في غنى، ولكن هذا يخرج منه المؤمن؛ لأن المؤمن لا يرى أنه استغنى عن الله تعالى طرفة عين، فهو دائما مفتقرٌ إلى الله سبحانه وتعالى، يسألُ ربه كل حاجة، ويلجأُ إليه عند كل مكروه، ويرى أنه إن وَكَله الله إلى نفسه وكله إلى ضعف وعجز وعورة، وأنه لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا. هذا هو المؤمن، لكن الإنسان من حيث هو إنسان فهو من طبيعته الطغيان، وهذا كقوله تعالى: "وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا".

إن الاستغناء والطغيان من المواقف التي يأتي بعضها من بعض. فطالما أن الإنسان يظن أنه يملك العالم، وطالما أنه يعتقد أنه يعرف كل شيء أو أشياء كثيرة، وطالما أنه يعتقد أن ما يعرفه أو لديه يكفي له ولتحقيق رغباته، وطالما أنه يعتقد أنه يستطيع التخلص من جميع الكائنات التي تحت سلطته أو أنه يستطيع تحمل ما يشاء؛ فإنه يتعمق أكثر وأكثر في الطغيان ويتجاوز حدوده.

الصيام فعل يُذكرنا جميعا بعجزنا، وبأننا في أشد الاحتياج لله تعالى ولبعضنا، وأن إنصاف بعضنا بعضا هو أساس تماسكنا واستمرارنا في هذه الدنيا، وإلا فسيصبح الطغيان مسيطرا على أفعالنا، ووقتها سنكون كمن يعيش بقانون الغاب.

إن الصيام يعلمنا حقيقة مهمة، وهي أنه بالرغم من ظننا أننا نمتلك كل شيء فإننا قد نكون فعلياً لا نمتلك شيئا. ها هي أجسادنا أمامنا لديها رغبات وشهوات، لكننا لا نستطيع الاستجابة لها بما نريد، بل بما يريده الله. في هذا الوقت من كل عام، سنتصرف مع أجسادنا وفق آلية الاستخدام التي وضعها الله لنا. والصوم يعلمنا مسؤوليتنا تجاه الآخرين من خلال هذا التفكير، فكما أنني أمتلك هذا الجسد فعلا، إلا أنني لا يحق لي أن أتصرف فيه كما أشاء وقتما أشاء، وكذلك مسؤوليتنا تجاه الآخرين، فإن العالم لا يتكون مني فقط، ولست وحدي فيه، ولكنني أحمل مسؤولية تجاه الآخرين يجب عليّ الوفاء بها.

في العام الماضي، جاء الصيام بطريقة مختلفة كثيرا عما اعتدناه قبل ذلك. جاء في ظل ظروف إغلاق شديدة وقاسية، وقيود حظرت التجول ومنعت تجمعنا مع بعضنا، وحبستنا في المنزل. وهذا الإغلاق كان يتشابه مع طبيعة الصيام نوعا ما، إذ إننا موجودون فعلا لكن لا نستطيع التصرف وفق ما نريد. كان هناك شيء أكبر منا يجب علينا جميعا اتباعه؛ لسلامتنا ولمسؤوليتنا تجاه بعضنا وحفاظا على السلامة.

انفرج علينا هذا العام الانغلاق الاجتماعي، فأصبح بمقدورنا التلاقي وإقامة الإفطار الجماعي والتراويح والمقابلات. ربما يجب علينا أن نتذكر ونحن نمارس هذه العادات أن لنا حقوقا وعلينا واجبات تجاه بعضنا، علينا القيام بها كي تستطيع أرواحنا لمس الخير الموجود في الصيام، والوصول بجوهر إنسانيتنا إلى أعلى مراتبها.