إفراغ قطاع غزّة والخيارات الصعبة

أشخاص يصلون إلى وسط قطاع غزة سيرًا على الأقدام عبر طريق صلاح الدين في طريقهم إلى الجزء الجنوبي من القطاع (الفرنسية)

تشيرُ يومياتُ المحرقة الصهيونيّة الجارية ضدّ الشعب الفلسطينيّ في قطاع غزّة منذ شهر، في أعقاب "طوفان الأقصى"؛ إلى أنَّ هناك أمرًا كبيرًا يجري في الأروقة السياسيّة الغربية والعربية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، التي تعمل على تحقيقه جنبًا إلى جنب مع الحكومة الصهيونيّة، هذا الأمر هو إفراغ قطاع غزّة من سكّانه، وضمّه إلى دولة الكيان الصهيونيّ، كمرحلة أولى سيتبعها ضمّ الضفة الغربية، أو وضع صيغ جديدة تنسجم مع المصالح الأميركية والصهيونية والعربية في المرحلة القادمة. فهل ستنجحُ الولايات المتحدة، والكيان الصهيونيّ في ذلك؟ وما خيارات الشعب الفلسطيني في قطاع غزّة لمواجهة ذلك؟

خصَّصت الإدارة الأميركيّة تمويلًا يصل إلى 10 مليارات دولار لدعم النازحين وتلبية متطلبات الاحتياجات المتطوّرة خارج غزة، بما في ذلك إسرائيل والضفة الغربية ولبنان والأردن وسوريا ومصر

تصحيح وعد بلفور

قبل أيام مرّت الذكرى 106 للوعد البريطانيّ المشؤوم المعروف بـ "وعد بلفور"، الذي منحت الحكومة البريطانية بموجِبه الشعبَ اليهوديَّ حقَّ إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

ما يجهله معظم الناس أنّ معظم النصوص السابقة للنصّ النهائي لهذا الوعد، نصّت على تحويل فلسطين إلى دولة لليهود، كما وردَ في الصيغة قبل النهائيّة لوعد بلفور، والتي جاء فيها: "وجوب إعادة قيام فلسطين كوطن قوميّ للشعب اليهوديّ"، نزولًا عند طلب الاتحاد الصهيونيّ البريطاني. وقد تمّ تعديل هذه العبارة في الصيغة النهائية بعبارة: (وطن قومي لليهود في فلسطين)؛ مراعاة لظروف المنطقة العربية التي تعاونت مع الاستعمار البريطانيّ في الحرب العالميّة الأولى ضد الإمبراطورية العثمانية.

وقد ختمَ وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور (1848-1930م) خطابه إلى اللورد البريطاني اليهوديّ "ليونيل والتر روتشيلد" (1868-1937م) بتاريخ 2/11/1917م؛ قال: "سأكون ممتنًا إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيونيّ علمًا بهذا التصريح"، يقصد وعد بلفور. وكان على رأس الاتحاد الصهيوني البريطانيّ آنذاك، حاييم وايزمان (1874-1952م)؛ أوّل رئيس لدولة الكيان الصهيوني في الفترة (1949-1952م)، والذي قالَ بعد وعد بلفور مقولته الشهيرة: "إنَّ فلسطين ستكون لليهود، مثلما أنّ بريطانيا للبريطانيين". وهو ما فعله رئيس الوزراء الصهيونيّ بنيامين نتنياهو عندما عرض خريطة دولته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/ أيلول الماضي على كامل الأراضي الفلسطينية بما فيها الضفة الغربية وقطاع غزّة والقدس الشرقية.

كانت مكانة بريطانيا في ذلك الوقت لدى الدول العربية، أشبه بمكانة الولايات المتحدة حاليًا، الجميع يخطب ودّها، ويخشى غضبها، ولا يرفض لها طلبًا، وإن لزم الأمر، تكون الموافقة في السرّ والرفض في العلن مجاراة لمشاعر الشعوب الهائجة، كما يرجو دعمها في الطعام والدواء والمال والسلاح والتحديث والتنظيم والتطوير..، أو يتطلع إلى الاستقلال ضمن الكيان السياسي الذي تم تحديده وَفقًا لاتفاقية سايكس-بيكو بين بريطانيا وفرنسا.

لم تقمْ دولة الكيان الصهيوني مباشرة بعد صدور وعد بلفور، فقد استغرقَ الأمر 30 عامًا حفلت بدعم غربي عسكري وسياسي واسع النطاق، ومذابح عديدة لإجبار الشعب الفلسطينيّ على مغادرة أرضه، مع تخاذُل عربي رسمي مشين، انتهى بشنّ القوات الصهيونية حرب النكبة عام 1948م وإعلان دولة الكيان (إسرائيل)، التي وُوجِهت باحتجاجات عربية وإسلامية دبلوماسية وشعبية واسعة النطاق، وعسكرية محدودة.

وزير الخارجية الأميركي: "لسنا واهمين بشأن صعوبة تحقيق حلّ الدولتين. ولكن لا يسعنا التخلي عن السلام على غرار تعبير الرئيس بايدن، وعلينا أن نكافح أكثر في الأوقات القاتمة المماثلة لنحافظ على مسار بديل ونبين للناس أنّه من الممكن تحسين حياتهم بشكل ملموس"

استكمال وعد بلفور

تقوم الولاياتُ المتحدة حاليًا بالدور نفسه الذي كانت تقوم به بريطانيا قبل أكثر من قرن من الزمان في خِدمة الكيان الصهيونيّ، وتعمل على مساعدته لإتمام الجزء الثاني من وعد بلفور، الذي لم تصرّح به بريطانيا حينها، عن ضمّ الأراضي الفلسطينية إلى دولة الكيان الصهيونيّ، بدءًا بقطاع غزة وانتهاءً بالضفة الغربية، وذلك في ضوء العديد من المؤشرات والإجراءات المصاحبة لهذه الحرب، وفي مقدمتها:

  1. دخول الولايات المتحدة سياسيًا وعسكريًا ودبلوماسيًا وماليًا جنبًا إلى جنب مع الكيان الصهيوني في هذه الحرب، والإشراف على إدارتها في كافّة هذه المجالات، وهو ما لم يحدث من قبلُ، وتهديدها كافة الدول الإقليمية من مغبة الدخول في هذه الحرب.
  2. تبرير الولايات المتحدة جرائم الإبادة التي يقوم بها الكيان الصهيوني، ومشاركتها في التخطيط والإدارة والمعلومات، وإصرارها على عدم إيقاف الحرب حتى القضاء التام على حركة حماس، وغضّ الطرف عن كافة الانتهاكات التي تجري بالمخالفة للقانون الدوليّ والإنسانيّ.
  3. تكثيف القصف ضدّ المدنيين في مدينة غزة وسائر مدن القطاع وهدم المنازل على رؤوس ساكنيها، وضرب المدارس والمستشفيات والمساجد والمخابز، لإجبار الناس على النزوح خارج القطاع.
  4. الترتيب لفتح ممرّ إنسانيّ آمن تحت إشراف دولي لخروج المرضى والنازحين من قطاع غزة إلى الحدود مع مصر، داخل الأراضي الفلسطينية أو خارجها، وسيكون نزوحًا مؤقتًا لحين ترتيب إجراءات استيعابهم إقليميًا ودوليًا.
  5. حاجة دولة الكيان الصهيوني الماسّة للانتصار الكامل في هذه المعركة بالقضاء على حركة حماس؛ لأن الفشل في ذلك ببساطة يعني هزيمتها عسكريًا بصورة كاملة، وسيكون لذلك تداعيات عديدة إقليميًا ودوليًا لن تتمكن من معالجتها لعقود قادمة، كما ستوجّه هزيمتها ضربةً قويةً جدًا لفكرة الدولة اليهودية في أوساط الجاليات اليهودية في العالم.
  6. حاجة بنيامين نتنياهو أكثر من غيره إلى الانتصار في معركته ضد حماس، وضمّ قطاع غزّة لدولة الكيان الصهيونيّ، من أجل استعادة اعتباره السياسي، والتهرُّب من الاتهامات التي تنتظر فتح التحقيقات بعد توقف الحرب.
  7. تجاهل الحديث عن حلّ الدولتين، باعتباره حلًّا غير قابل للتطبيق، وقد ردّد ذلك الرئيس الأميركيّ جو بايدن مرارًا، وكرّره من بعده وزير خارجيته أنتوني بلينكن، وأكتفي بنقل ما جاء في كلمته أمام الاجتماع الوزاري في مجلس الأمن يوم 24/10/2023م، حيث قالَ: "لسنا واهمين بشأن صعوبة تحقيق حلّ الدولتَين. ولكن لا يسعنا التخلّي عن السلام على غرار تعبير الرئيس بايدن، وعلينا أن نكافح أكثرَ في الأوقات القاتمة المماثلة لنحافظ على مسار بديل ونبيّن للناس أنّه من الممكن تحسين حياتهم بشكل ملموس، بل هو أمر ضروريّ". ومع ذلك لا تنفك الإدارة الأميركية تشير إشارات سريعة من حين إلى آخر إلى حلِّ الدولتَين من باب ذرّ الرماد في العيون.
  8. لم تحدد حكومة الكيان الصهيوني حتى الآن أي تصور لما سيكون عليه الوضع في قطاع غزة بعد القضاء على حماس. وهذا فتح المجال أمام تكهنات الأوساط الإقليمية والدولية حول نوايا الحكومة الصهيونية بهذا الصدد.
  9. الطلب الذي تقدم به الرئيس بايدن إلى الكونجرس للحصول على تمويل تكميلي للسنة المالية 2024م، لسدّ احتياجات الأمن القومي الطارئة بسبب الأحداث الجارية في كلّ من أوكرانيا و(إسرائيل)؛ ويتضمن 14 مليار دولار لدولة إسرائيل، لتمويل الاحتياجات العسكرية والأمنية والدبلوماسية حتى عام 2026م. هذا الطلب احتوى على مبلغ 9.7 مليار دولار لتمويل الجوانب الإنسانية الناجمة عن الحرب في أوكرانيا و(إسرائيل)، وخاصة الشعب الفلسطيني الذي سيخرج من قطاع غزة، وقد جاء في ص 40 من الطلب: (تكاليف البنية التحتية الإنسانية الحرجة المحتملة اللازمة للاجئين لتوفير إمكانية الحصول على الدعم الأساسي الذي يحافظ على الحياة. ويمكن أن تؤدي هذه الأزمة إلى النزوح عبر الحدود، وارتفاع الاحتياجات الإنسانية الإقليمية، وقد يستخدم التمويل لتلبية متطلبات الاحتياجات المتطورة خارج غزة). كما جاء في ص49: (ويمكن استخدام التمويل لتلبية متطلبات الاحتياجات المتطورة خارج غزة، بما في ذلك إسرائيل والضفة الغربية ولبنان والأردن وسوريا ومصر).

إنَّ هذا المخطّط يحتاج تحقيقه إلى وقت طويل، سنشهد أثناءَه الكثيرَ من الإجراءات والاحتجاجات والمؤتمرات والبرامج الإقليمية والدولية، ولكنه سيسعى لفرض نفسه في نهاية المطاف ليصبح أمرًا واقعًا بفعل الهيمنة الأميركية، وهو حاليًا يسير بخطى متلاحقة، ستزداد وضوحًا بعد استكمال إجراءات فتح الممر الإنساني الآمن، وبدء تدفق مواطني غزة عبره للنجاة من جحيم الدمار والقتل المحيط بهم من كل جانب، دون تفكير بالمصير الذي سيواجهونَه بعد ذلك، والتغريبة الفلسطينية الجديدة التي ستتلقفهم على أبواب المنفى الجديد. فهل سينجح هذا المخطط الاستعماري، أم سيواجه معوقات صلبة تحول دون ذلك؟ وهل سيقع مواطنو قطاع غزة في هذا الفخّ الإجرامي؟ أم أن لديهم خيارات أخرى يلجؤون إليها؟

هذا ما سنتناوله في المقال القادم بإذن الله.

 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.