المطالبة بالسيادة الأوروبية من جديد

European Union leaders take part in an EU summit in Brussels, Belgium, October 20, 2017. REUTERS/Virginia Mayo/Pool

بعد الجولة الأوروبية التي قام بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخرا، وخُتمت بمؤتمر صحفي عقده مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ترك انطباعا سيئا؛ لم يعد هناك شك في أن ترامب ومناصريه يرغبون في تدمير النظام الدولي والنظام التجاري العالمي اللذين تتزعمهما الولايات المتحدة.

من المؤكد أن ترامب لا يتوافق مع الولايات المتحدة؛ إذ فاز في انتخابات عام 2016 رغم أن منافسه تقدم عليه بثلاثة ملايين صوت، ورغم أن معدل شعبيته لم يتجاوز أبدا 50%؛ إلا أنه لا يزال رئيسا لأميركا، وهذا يجعله أقوى رجل في العالم.

ولكن تصرفات ترامب -التي غالبا ما تتصف بالغرابة والتناقض- أثرت على العالم بشكل خطير، خاصة على شركاء أميركا المقربين. فخلال محطته الأخيرة في بريطانيا؛ ذهب ترامب إلى حد وصف الاتحاد الأوروبيبـ"العدو".

من خلال محاولته عرقلة كل ما شكّل الغرب تقريبا بعد الحرب العالمية الثانية؛ وضع ترامب العالم في نقطة تحول. وليست العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي -التي ما زالت قوية- هي المتضرر جراء هذا التحول، بل بالأحرى مركز الغرب بصفته مسيطرا على الساحة العالمية. فترامب يسرع التحول في التوازن العالمي للقوة الذي من شأنه أن يترك أميركا وأوروبا أضعف نسبيا

ومن خلال محاولته عرقلة كل ما شكّل الغرب تقريبا بعد الحرب العالمية الثانية؛ وضع ترامب العالم في نقطة تحول. وليست العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي -التي ما زالت قوية- هي المتضرر جراء هذا التحول، بل بالأحرى مركز الغرب بصفته مسيطرا على الساحة العالمية.

فترامب يسرع التحول في التوازن العالمي للقوة الذي من شأنه أن يترك أميركا وأوروبا أضعف نسبيا. وبما أن الدخل والرفاهية تتحول من الغرب إلى الشرق؛ فإن الصين ستكون قادرة على تحدي الولايات المتحدة الأميركية، التي تتزعم العالم بصفتها قوة جغرافية واقتصادية وتكنولوجية.

ولن يحدث هذا التحول بسهولة؛ إذ بالنسبة لأوروبا لن تكون المخاطر أكبر مما هي عليه الآن، لكن يمكن لتعديل التوازن القائم أن تحدد مصير الديمقراطية والرفاهية والاستقلال ونمط الحياة في أوروبا. وإذا لم تستعد أوروبا فلن يترك لها أي خيار آخر سوى أن تعتمد على أميركا أو الصين- التعاون الأطلسي أو التعاون مع روسيا.

ويجب ألا يعوّل الأوروبيون على الحلفاء الحاليين لمنحهم الحماية في هذه الفترة، كما يجب علينا عدم الرجوع إلى منطق وسياسات السلطة التقليدية للقرن التاسع عشر.

وقد يتجه العالم نحو سياسة تفتقر إلى قائد واضح، وتقودها قوى عظمى تتصارع من أجل السلطة بشكل مستمر. لكن الظروف اليوم تختلف عن تلك التي شهدتها فترة "اللعبة العظمى". فالتنافس المتزايد بين الصين وأميركا لن يكون إلا لصالح القارة العجوز.

وبالنسبة للأوروبيين؛ فقد تشكل القرن التاسع عشر في الفترة ما بعد الثورة الفرنسية والثورة الصناعية، بينما تشكل القرن العشرون في الفترة التي تلت حربين عالميتين، والحرب الباردة وتطور الأسلحة النووية.

فبعد الحرب العالمية الثانية؛ فرضت قوتان غير أوروبيتين نفسيهما على كلا الجانبين من النظام الأوروبي القديم، وهما الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، بينما بقيت أوروبا مجرد مربع آخر في رقعة الشطرنج.

وقبل نهاية الحرب العالمية الثانية؛ تحكمت أوروبا في العالم بفضل تقدمها التكنولوجي، ولكن بعد نهاية الحرب انتهت سيطرتها على العالم. وبعد تلك الفترة؛ قُسّمت ألمانيا بين القوتين الجديدتين، واندثرت السيادة الأوروبية بسبب تأسيس السياسة الخارجية للكرملين.

من المؤكد أن فرنسا وبريطانيا -بصفتهما القوتين الأوروبيتين اللتين حققتا النصر- حافظتا على ما تبقى من سيادتيهما، بصفتهما عضوين دائمين في مجلس الأمنالدولي (ولاحقا بصفتهما دولتين مسلحتين نوويا). لكن اعتبارا للتوازن العالمي؛ كان ذلك رمزيا أكثر من كونه يعكس تأثيرهما الحقيقي.

هناك ثلاثة تحولات -على الخصوص- جعلت أوروبا تقلق على مستقبلها. أولا، ما زال ترامب يشك في التزام الولايات المتحدة بالدفاع المتبادل بموجب اتفاقية حلف شمال الأطلسي. وثانيا، تنتقد إدارة ترامب منظمة التجارة العالمية والنظام التجاري العالمي الذي تعتمد على معظمه رفاهية أوروبا. وثالثا، ظهر النظام الرقمي والذكاء الاصطناعي الذي يهدد اليوم بزيادة الفوارق التكنولوجية العالمية

وبعد انتهاء الحرب الباردة؛ اتخذت أوروبا توجها وفيًّا للاتفاقيات العابرة للأطلسي. فيما يتعلق بالأمن؛ تعتمد أوروبا على الولايات المتحدة الأميركية، لكن على المستوى الاقتصادي والتكنولوجي استرجع الأوروبيون سيادتهم.

هناك ثلاثة تحولات -على الخصوص- جعلت أوروبا تقلق على مستقبلها. أولا، ما زال ترامب يشك في التزام الولايات المتحدة بالدفاع المتبادل بموجب اتفاقية حلف شمال الأطلسي. وثانيا، تنتقد إدارة ترامب منظمة التجارة العالمية والنظام التجاري العالمي الذي تعتمد على معظمه رفاهية أوروبا. وثالثا، ظهر النظام الرقمي والذكاء الاصطناعي الذي يهدد اليوم بزيادة الفوارق التكنولوجية العالمية.

وتتحدى هذه التطورات مركز أوروبا في العالم. والسؤال الآن هو عما إن كانت أوروبا ستطالب بسيادتها بشكل كامل وإثبات نفسها كقوة على الساحة العالمية، أم إنها ستترك نفسها تسقط؟ لقد دقت ساعة الحقيقة.. ولن تكون هناك فرص أخرى.

فقط الاتحاد الأوروبي هو من يمكنه استرجاع السيادة الأوروبية في القرن الواحد والعشرين. وإذا وُضعت هذه المهمة بأيدي الدول التقليدية مثل المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا فإن المهمة ستفشل.

فالمطالبة بالسيادة لا تتطلب جهدا كبيرا فقط، بل أيضا جبهة موحدة وفهما جديدا للعلاقة بين الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء. وسيستمر المشروع الأوروبي في تيسير التجارة وضمان السلم، لكن على دوله أيضا القضاء على السيادة المشتركة.

إذا نجح الاتحاد الأوروبي في هذه المهمة؛ فسيكون ترامب قد أسدى معروفا دون أن يقصد ذلك، فالتاريخ أحيانا يمضي بشكل غريب، والحل هو استغلال الفرص وعدم التردد حين يحين الوقت لاتخاذ القرار.



حول هذه القصة

BRUSSELS, BELGIUM - OCTOBER 19: German Chancellor Angela Merkel, Britain's Prime Minister Theresa May and French President Emmanuel Macron arrive for a round table meeting on October 19, 2017 in Brussels, Belgium. Under discussion are the Iran Nuclear Deal, Brexit and North Korea. Mrs May has offered assurances to EU nationals that her government will make it as easy as possible to remain living in the United Kingdom after Brexit. (Photo by Dan Kitwood/Getty Images)

يتعرض الاتحاد الأوروبي لعدد كبير من التحديات تضره بل وتهدد بنيته فعلا، بدءا من تهديدات الرئيس دونالد ترامب الموجهة لبقاء التحالف بين ضفتيْ الأطلسي الذي يعتبر ركيزة أساسية للنظام الدولي.

opinion by كريس باتن
Published On 23/7/2018
Canada's Prime Minister Justin Trudeau and G7 leaders Britain's Prime Minister Theresa May, France's President Emmanuel Macron, Germany's Chancellor Angela Merkel, Japan's Prime Minister Shinzo Abe and U.S. President Donald Trump discuss the joint communique following a breakfast meeting on the second day of the G7 meeting in Charlevoix city of La Malbaie, Quebec, Canada, June 9, 2018. Adam Scotti/Prime Minister's Office/Handout via REUTERS. ATTENTION EDITORS - T

لأول مرة تفشل قمة الدول الصناعية السبع في إصدار بيان مشترك في ختام أعمال دورتها التي انعقدت مؤخرا في كندا، بعد أن أوعز الرئيس الأميركي لمساعديه بعدم التوقيع على البيان.

opinion by أماني السنوار
Published On 12/6/2018
Britain's Foreign Secretary Boris Johnson, German Foreign Minister Heiko Maas and French Foreign Minister Jean-Yves Le Drian take part in meeting with Iran's Foreign Minister Mohammad Javad Zarif in Brussels, Belgium, May 15, 2018. REUTERS/Yves Herman/Pool

يهدد نبذ دونالد ترامب للاتفاق النووي مع إيران، وإعادة فرض العقوبات الأميركية عليها؛ بتقويض السلام العالمي. ولذلك يعتمد أمن أوروبا على الدفاع عن الاتفاق بقوة رغم انسحاب الولايات المتحدة منه.

opinion by ​جيفري د. ساكس
Published On 20/5/2018
المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة