موناليزا الموصل.. أيقونة أطفال الحروب

الطفلة سبأ قالت إنها كانت خائفة من القصف وحزينة جدا عندما التقطت لها الصورة (الجزيرة)
الطفلة سبأ قالت إنها كانت خائفة من القصف وحزينة جدا عندما التقطت لها الصورة (الجزيرة)

معالم العبيدي-بغداد

"موناليزا الموصل" تقاوم الدمع بابتسامتها، هكذا وصف الكثيرون الصورة التي التقطتها عدسة المصور علي الفهداوي وتظهر فيها طفلة نازحة من هذه المدينة الواقعة شمالي العراق تمازج دموعها ابتسامة خفيفة.

وأصبحت الطفلة سبأ فيصل أيقونة أطفال الحروب بعد انتشار صورتها في الكثير من مواقع التواصل الاجتماعي أثناء المعارك بين القوات العراقية وتنظيم الدولة الإسلامية عام 2017.

"المصور أجرأ وأشجع من المقاتل، لأن المقاتل لديه خيارات يمكن أن يحمي نفسه من خلالها أثناء المعركة، ويمكنه أن يعاود القتال، أما المصور فالوقت هو سيد الموقف معه، وأجزاء الثانية ثمينة جدا لديه" هكذا يتحدث المصور الحربي علي الفهداوي عن مهامه ومهنته للجزيرة نت.

ويتابع الفهداوي أنه كان يرافق في العادة فريق الاستخبارات بالجيش العراقي، وفريق الاستطلاع أيضا، لأنهما يكونان في طليعة القوات الأمنية غالبا، وحين بدأ القصف بدأت العوائل بالهرب من الأحياء السكنية، فتأهب بكاميرته آخذا وضع الاستعداد ليسجل أقسى مشاهد كانت مرسومة على وجوه تلك العوائل النازحة.

ويضيف "جذبتني طفلة منكوشة الشعر، حافية القدمين، والطين يعلو ملابسها، قادتني قدماي بسرعة لأقف أمامها وألتقط لها الصورة، فابتسمت لي وهي تبكي".

الصورة الشهيرة للطفلة سبأ التي اكتسحت مواقع التواصل (الجزيرة)

عندما رأيتها بكيت
يقول الفهداوي إن الكثيرين تساءلوا عن المصور الذي التقط الصورة، وهو ما دفعه للبحث عن الطفلة سبأ مرة أخرى، لكي يحيي هذه القصة من جديد، وليسلط الضوء على حياتها من جديد وكيف أصبحت بعد الحرب، وأين استقر بها المقام.

ويشير إلى أن عملية البحث لم تكن سهلة، فالأدوات التي اعتمد عليها بسيطة، وهي تاريخ الصورة الموجود في الكاميرا وذاكرته للمكان الذي من غير الممكن أن ينساه، بحسب تعبيره.

ويضيف الفهداوي "رحلت إلى الموصل حيث نزحت العوائل المرافقة لعائلة سبأ في ذلك الوقت، وتجولت بين المخيمات لعلي أجد صورة تطابق موناليزا الموصل في سجل النازحين، ولكن دون جدوى، وتواصلت مع زملائي من الصحفيين والناشطين في محافظة نينوى لعلهم يجدون الطفلة هناك حتى وصل بي الأمر أني أعلنت عن جائزة لمن يدلني على الفتاة".

وبعد ثلاثة أشهر عثرت على صورة كانت قد نشرت في إحدى الصفحات العراقية على فيسبوك تجمع بين صورتها وصورة العبارة التي غرقت في الموصل وراح ضحيتها المئات من أهالي المدينة.

ويضيف للجزيرة نت "تواصلت مع صاحب الصفحة، وشاءت الأقدار أن يكون صاحب الصفحة هو عم الطفلة سبأ، ففرحت كثيرا وأخذت العنوان وانطلقت مسافرا إلى منطقة بادوش القريبة من الموصل حيث تقيم عائلة الطفلة، وعندما رأيتها سبقت دموعي الكلام فبكيت".

المصور علي الفهداوي والطفلة سبأ عقب العثور عليها بعد رحلة بحث طويلة (الجزيرة)

خائفة وسعيدة
وتروي الطفلة سبأ للجزيرة نت لحظة هروبها من الموصل قائلة "إنها كانت خائفة من القصف وتبكي، لكنها فرحت عندما رأت القوات الأمنية العراقية وعلمت حينها بأنها تخلصت من عناصر التنظيم واستطاعت الهروب منهم".

وتضيف أن أحد المصورين تقدم نحوها أيام النزوح والتقط لها صورة، لكنها لم تعرف أن تلك الصورة باتت منتشرة ومشهورة في مواقع التواصل الاجتماعي.

وقالت "رأيتها أول مرة عندما كنا في مخيم الخازر، وكانت الصورة موضوعة على سيارة مساعدات للنازحين، تفاجأت وتذكرت ذلك المصور الذي التقط لي الصورة".

وبحسب سبأ، فإن أوضاع أهالي الموصل بعد ثلاث سنوات لم تختلف كثيرا، فلا تزال الأمور معقدة وصعبة للغاية، مؤكدة أن والدها فقد السمع في إحدى أذنيه بسبب القصف، وعلى الرغم من عودتهم إلى مدينتهم فإنها ما زالت خائفة من سقوط سقف منزلهم المتهالك بسبب قصف بيتهم إبان الحرب، على حد قولها.

الطفلة سبأ مع عائلتها (الجزيرة)

شهادة تبرئة
وقد حازت صورة الطفلة سبأ اهتماما واسعا من الناشطين والإعلاميين، وساهمت في تسليط الضوء على معاناة النازحين، خاصة الأطفال الذين هم أبرز ضحايا الحروب.

ويشير الناشط والإعلامي صقر آل زكريا للجزيرة نت إلى أنهم كموصليين كانوا في أمس الحاجة إلى تلك الصورة في ذلك الوقت للوقوف بوجه موجات التخوين بحق أهالي المدينة الذين اتهموا من قبل البعض باحتضانهم عناصر تنظيم الدولة، فجاءت هذه الصورة شاهدا بصريا على بطلان هذه الاتهامات.

ومقارنة بحالات أخرى -يقول آل زكريا- فإن صورة سبأ أعادت إلى الأذهان صورة الطفل الكردي إيلان الذي وجد ميتا غرقا على أحد سواحل تركيا إبان موجة الهجرة إلى أوروبا.

ويضيف أن الطفلة سبأ لم تحصل على اهتمام لا من الحكومة ولا من منظمات المجتمع المدني، فعائلتها لا تزال تحت خط الفقر كمثل الكثير من العوائل الموصلية بعد الحرب على تنظيم الدولة، في حين يحتاج هؤلاء الأطفال إلى أمان اقتصادي وتأهيل نفسي يسهل لهم العودة إلى المدارس، والبدء بحياة جديدة تنسيهم مآسي الماضي وتعيد لهم طفولتهم، وفق تعبيره.

المصدر : الجزيرة