هل تفقد تونس بوصلتها السياسية بسبب قضية الاغتيالات؟

الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي يستقبل لجنة الدفاع عن شكري بلعيد ومحمد البراهمي
الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي يستقبل لجنة الدفاع عن شكري بلعيد ومحمد البراهمي

خميس بن بريك-تونس

تتجه الأوضاع السياسية في تونس إلى تعقيدات خطيرة مع اتساع القطيعة بين الرئيس الباجي قايد السبسي وحركة النهضة، التي تتهمه بالانحياز إلى خصمها الجبهة الشعبية اليسارية، حيث تتهم الأخيرة النهضة بامتلاك جهاز سري للاغتيالات.

وعبّرت حركة النهضة عن "استغرابها" من نشر الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية على فيسبوك، اتهامات الجبهة الشعبية للنهضة بامتلاك جهاز سري متورط في اغتيال القياديين اليساريين شكري بلعيد ومحمد البراهمي عام 2013، معتبرة أن الرئاسة تنقل تهما زائفة ضدها.

واستقبل الرئيس التونسي الاثنين في قصر قرطاج الرئاسي ثلاثة أعضاء من لجنة الدفاع عن بلعيد والبراهمي، حيث كرروا خلال اجتماعهم اتهامهم لحركة النهضة بتورطها في الاغتيالين، وطلبوا منه تفعيل مجلس الأمن القومي وتكوين لجنة للتدقيق في تهمهم.

والملفت للانتباه أن لجنة الدفاع كشفت لأول مرة عن وجود مخطط سابق لاغتيال السبسي مع الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند، أثناء زيارة الأخير إلى تونس عام 2014، وربما ساعدت هذه المعلومة الجبهة الشعبية لشد انتباه الرئيس التونسي.

بن سالم: نخشى أن يُدخل السبسي البلاد في الفوضى قبل انتهاء عهدته (الجزيرة)

اتهام بالانحياز
وأثار إقحام رئاسة الجمهورية في هذا الموضوع حفيظة حركة النهضة، حيث عبر النائب عن الحركة محمد بن سالم عن استغرابه من "انحياز" الرئيس التونسي إلى خصوم حزبه في قضية لا تزال تحت أنظار القضاء التونسي، قائلا "هذا لم يحصل في أي دولة في العالم". 

وهذا التحول الملفت في موقف حركة النهضة إزاء رئيس الدولة -الذي لطالما تجنبت الصدام معه- يعكس تخوفا لدى قياداتها من انفلات الوضع، ويقول بن سالم للجزيرة نت "هناك خشية كبيرة من أن يُدخِل الرئيس التونسي البلاد في الفوضى قبل انتهاء عهدته العام القادم".

ولا يبدو أن السبسي قد غفر لحركة النهضة رفضها سحب الثقة من رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد، فمع أنه برهن على احترامه قرار البرلمان إعادة تزكية حكومة الشاهد المدعومة من حركة النهضة، فإن مراقبين يرون أنه دبر القطيعة بين حزبه نداء تونس والنهضة.

ولا يستبعد بن سالم أن يكون السبسي وراء تحريك التجاذبات السياسية في البلاد، فمن وجهة نظره لا أحد يشك في أنه تشاور مع الأمين العام الجديد لحزبه سليم الرياحي، قبل أن يرفع الأخير دعوى قضائية ضد الشاهد بتهمة التخطيط للانقلاب على رئيس الدولة.

ويظن بن سالم أن الرئيس كان منذ البداية عامل تقسيم للتونسيين، مشيرا إلى أنه أثار العديد من التجاذبات داخل المجتمع لطرحه سابقا مبادرات تشريعية مستفزة، مثل قانون المصالحة "مع رجال أعمال فاسدين" ومشروع قانون المساواة بالميراث.

وينفي بن سالم التهم المتعلقة بتكوين حزبه جهازا سريا ضالعا في الاغتيالات والتجسس على وزارة الدفاع والأمن وشخصيات سياسية وإعلامية، مؤكدا أنها تهم سخيفة يراهن عليها معارضو حزبه لتشويهه من أجل عرقلة المسار الديمقراطي "وهو رهان خاسر".

أعضاء في لجنة الدفاع عن بلعيد والبراهمي يتحدثون من قصر قرطاج (الجزيرة)

 

تشنج مريب
أما محسن النابتي القيادي في التيار الشعبي -أحد مكونات ائتلاف الجبهة الشعبية اليسارية- فيرى أن قادة حزب النهضة "جن جنونهم" بعد أن تحركت مؤسسة من مؤسسات الدولة للاستماع إلى لجنة الدفاع عن القياديين المغتالين، وقال للجزيرة نت إن هناك تشنجا واضحا لدى قيادات النهضة، معتبرا أن مؤسسة الرئاسة تقوم بدورها في الاطلاع على ملفات تمس الأمن القومي ولها علاقة بالإرهاب.

ورغم إقراره بأن الرئيس التونسي أخل بوعده الانتخابي ولم يحرك ساكنا لكشف حقيقة الاغتيالات بعد انتخابه عام 2014، فإن النابتي يرى أنه لا ينبغي للسبسي أن يتجاهل القضية بعد اطلاعه على أدلة تورّط حركة النهضة كي لا يقع في "التستر والتواطؤ".

وعما إذا كان السبسي يسعى لتحريك شبهات حول النهضة لكسب انتخابات 2019، قال النابتي "لا شك أن لدى السبسي حساباته، وللنهضة حساباتها، لكن الأهم هو أن للجبهة الشعبية حساباتها وهي كشف الحقيقة وتطبيق العدالة".

من جهته، قال المحلل السياسي عبد الله العبيدي إن" تونس مقبلة على زلازل سياسية مع اقتراب محطة الانتخابات"، ورأى أن بإمكان السبسي أن يدعو جهاز الأمن القومي للانعقاد في حال أراد التصعيد ضد النهضة، مشيرا إلى أن الأخيرة ستلجأ بدورها إلى "أساليبها" للخروج من المأزق إن شعرت بأنها مهددة.

وأضاف للجزيرة نت أن الخصومة الراهنة بين هذه الأطراف ستزيد حالة الاحتقان مع ازدياد السخط الشعبي إزاء تدهور المعيشة، متوقعا أن يتجه الوضع نحو مزيد من التعقيد مع محاولة كل طرف ضرب خصمه.

وشهدت تونس الخميس الماضي إضرابا عاما دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل، ردا على رفض الحكومة رفع أجور الموظفين، كما هدد بشن إضراب الشهر القادم إذا لم يتوصل لاتفاق مع الحكومة.

المصدر : الجزيرة