قمع الصحفيين سلاح لحجب الحقيقة بالقدس والشيخ جراح

الشرطة الإسرائيلية صعدت عدوانها على الصحفيين الفلسطينيين وطواقم وسائل الإعلام (الجزيرة)
الشرطة الإسرائيلية صعدت عدوانها على الصحفيين الفلسطينيين وطواقم وسائل الإعلام (الجزيرة)

لم يقتصر العدوان الإسرائيلي على النشطاء في الشارع الفلسطيني فحسب؛ لكنه طال أيضا عشرات الصحفيين وطواقم وسائل الإعلام في القدس والأقصى وحي الشيخ جراح.

وامتدت اعتداءات الشرطة الإسرائيلية لتشمل الصوت والصورة والكلمة والقلم والكاميرات، التي تسلح بها الصحفيون لتوثيق مشاهد الاعتداءات والقمع في القدس والشيخ جراح وبلدات الداخل الفلسطيني.

وإضافة إلى القدس والشيخ جراح، تم توثيق 16 اعتداء على الصحفيين في بلدات وقرى بالداخل الفلسطيني، ضمن تغطيتهم للمظاهرات والاحتجاجات وتوثيقهم لاعتداءات عصابات المستوطنين على العرب الفلسطينيين في إسرائيل، وفق "المركز العربي للحريات الإعلامية والتنمية والبحوث" (إعلام).

استهداف وترهيب

وفي ظل هذه البيئة العدوانية الإسرائيلية للصحافة ووسائل الإعلام، كان الصحفي حسن شعلان ضحية لاعتداءات الشرطة الإسرائيلية عندما كان بالشيخ جراح والمسجد الأقصى وباب العامود، فخلال 48 ساعة تعرض 3 مرات وبشكل متعمد للاعتداء من عناصر الشرطة، الذين استهدفوه مع العديد من الزملاء بقنابل الغاز المدمع والصوت والرصاص المعدني المغلف بالمطاط.

وعلى الرغم من تكرار مشاهد الاعتداءات والتنكيل والتضييق على الصحفيين ووسائل الإعلام، عاد شعلان برفقة العشرات من الصحفيين من فلسطينيي 48 إلى حي الشيخ جراح المحاصر بحواجز عسكرية، للتظاهر والتنديد بعنف الشرطة الإسرائيلية، قائلا للجزيرة نت "لا صمت بعد الآن، لقد تمادت الشرطة في استهداف الصحفيين ووسائل الإعلام، ومنعتهم من القيام بعملهم، الصمت على هذه الممارسات يعني الرضا بهذا الوضع".

وفيما رفعت الأصوات عاليا ضد ممارسات الشرطة وقمعها لساحة العمل الميداني الإعلامي في الشيخ جراح، يقول شعلان "مددت محكمة الصلح بالقدس اعتقال الصحفية زينة الحلواني، والمصور الصحفي وهبي مكية؛ لتوثيقهما وتغطيتهما اعتداء لشرطة الاحتلال على مواطنين بحي الشيخ جراح".

التجربة ذاتها مر بها الصحفي أنس غنايم، عندما كان يوثق الاحتجاجات التي شهدتها مدينة أم الفحم بالداخل الفلسطيني. ويقول غنايم "تعرضنا كمجموعة من الصحفيين لوبال من الرصاص المطاطي وقنابل الغاز، عندما كنا نوثق اعتداءات وتنكيل عناصر من وحدة المستعربين على شبان ممن تم اعتقالهم خلال قمع الفعاليات النضالية".

وأكد غنايم للجزيرة نت أن الصحفي بالداخل الفلسطيني، الذي يقوم بتغطية الفعاليات الاحتجاجية داخل الخط الأخضر، ويصل للقدس والشيخ جراح لتوثيق الأحداث، إنما يقوم بواجبه المهني والأخلاقي تجاه قضايا الشعب الفلسطيني.

ويعتقد أن الشرطة الإسرائيلية من خلال هذه الممارسات والاستهداف إنما ترمي لترهيب وترويع جمهور الصحفيين وحجب الحقيقة والرواية الفلسطينية، مؤكدا بأن الجمهور الصحفي سيواصل عمله ومسيرته من أجل نصرة القضية الفلسطينية رغم إرهاب الشرطة.

وقفة لصحفيين من فلسطينيي 48 بالشيخ جراح تنديدا باعتداءات شرطة الاحتلال على الصحفيين (الجزيرة)

اعتداءات وانتهاكات

وقالت مديرة مركز إعلام، خلود مصالحة، إن عناصر الشرطة وقوات الأمن الإسرائيلية يتعمدون الاعتداء على الصحفيين وعرقلة عملهم بهدف منعهم من توثيق الأحداث وفرض تعميم إعلامي على الأحداث، وذلك لإكساب الرواية الإسرائيلية شرعية ومصداقية أمام العالم؛ مما يظهر اعتماد سياسة ممنهجة لقمع الصحفيين بالتوازي مع قمع الاحتجاجات والاعتداءات على الفعاليات النضالية، وهذا ما وثقته الكاميرات كثيرا في حي الشيخ جراح.

وتعتقد خلود أن قمع قوات الأمن الإسرائيلية للصحفيين، والاعتداء على طواقم وسائل الإعلام، وتقديم بعضهم للمحاكمة، وتقييد تحركاتهم، وسحب بطاقات الصحافة منهم، لا يمس فقط بالقوانين المحلية والدولية المدافعة عن حقوق الصحفيين، إنما يمس وبشكل سافر بحق الإنسان في معرفة الوقائع والحقائق، وعلى ما يبدو أن هناك الكثير من الحقائق على أرض الواقع تحاول إسرائيل إخفاءها وصياغة رواية بديلة.

المحتوى والمضامين

لم تقتصر ممارسات قوات الأمن الإسرائيلية على الاعتداءات الجسدية على الصحفيين الفلسطينيين وانتهاك حقوقهم؛ بل تصاعد العدوان الإسرائيلي على الفضاء الرقمي والرواية الرقمية، وشمل أيضا الاعتداء على المحتوى والمضامين الإعلامية على شبكات التواصل الاجتماعي خلال شهر مايو/أيار 2021، إلى جانب انتشار خطاب الكراهية والتحريض على الفلسطينيين.

وأظهر تقرير توثيقي بعنوان "العدوان على الحقوق الرقمية الفلسطينية" أصدره "المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي في حيفا" (حملة)، وجود أكثر من 500 بلاغ للحقوق الرقمية الفلسطينية.

وقدم التقرير تفصيلا للانتهاكات على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، بحيث أن 50% من هذه الانتهاكات كانت على منصة "إنستغرام" (Instagram)، و35% على منصة "فيسبوك" (Facebook‎‏)، بينما وثق ما نسبته 11% من مجمل الحالات على منصة "تويتر" (Twitter)، و1% منها على "تيك توك" (TikTok).

الشرطة تمنع الصحفيين وطواقم وسائل الإعلام من الوصول للمنازل المهددة بالإخلاء بحي الشيخ جراح (الجزيرة)

رقابة وشطب

وعن معاني ودلالات توسع دائرة الاستهداف للمضامين والمحتوى الرقمي الفلسطيني، يقول مدير مركز "حملة"، نديم ناشف، إن ذلك يشير إلى ازدياد غير مسبوق لرقابة شركات وسائل التواصل ومنصات الإعلام الاجتماعي للخطاب السياسي الفلسطيني".

وأوضح ناشف أنه منذ 6 مايو/أيار "تم شطب الكثير من المنشورات والتغريدات والمحتوى الإعلامي عن الشيخ جراح والأحداث بالقدس، والاحتجاجات ببلدات الداخل الفلسطيني، واعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، والعدوان العسكري على غزة".

ويستدل من معطيات التقرير التوثيقي، وفق ما أكد ناشف للجزيرة نت، أن محاربة المحتوى الرقمي الفلسطيني تجاوز الشطب وإزالة المحتوى، بحيث شمل أيضا إغلاق وتعليق الحسابات الفلسطينية، فيما لم تقدم المنصات وشركات مواقع التواصل تفسيرا مقنعا لذلك.

ويرجح أن تكون وحدة "السايبر" (cyber) التابعة لوزارة القضاء الإسرائيلية، خلف هذه الانتهاكات، التي رافقت الهبة الشعبية الفلسطينية، علما أنها قدمت خلال السنوات الماضية عشرات آلاف الحالات للشركات بدون أي إجراء قانوني.

تحريض وكراهية

ومن ناحية أخرى، فقد عملت مجموعات من المستوطنين والإسرائيليين المتطرفين خلال مايو/أيار 2021، كما يقول ناشف "على حشد وتنظيم أنفسهم عبر مجموعات "واتساب" (WhatsApp) و"تليغرام" (Telegram)، وبث الخطاب التحريضي العنيف ضد العرب والفلسطينيين، الذي امتد أثره على أرض الواقع، وأدى إلى استشهاد فلسطينيين باللد وأم الفحم، وتعرض المئات من فلسطينيي 48 للأذى والتنكيل والاعتداء الجسدي".

وأكد أن كافة شركات منصات التواصل الاجتماعي سمحت للخطاب الإسرائيلي التحريضي بالبقاء على الإنترنت، حيث إنها لا تقوم بمراقبة خطاب الكراهية والمحتوى العنيف الموجه للفلسطينيين بفعالية، وذلك على الرغم من توثيق أكثر من 40 حالة من هذا الخطاب، الذي احتوى دعوات لقتل الفلسطينيين والعرب وحرقهم والاعتداء عليهم بشكل مباشر.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من حريات
الأكثر قراءة