ينفرد به المغرب.. "الرياض" استثمار سياحي ينهل من تاريخ الأجداد ويزهر في جيوب الأجانب

 مريم التايدي-الرباط

كأنها تجلس في بهو بيت العائلة الكبير، لبست كريستينا ملابس مغربية فضفاضة ومريحة. في جو هادئ شبه معزول إلا من خرير مياه ينبعث من نافورة، انزوت السائحة الأجنبية في العشرينيات من عمرها حافية القدمين في ركن من بهو "رياض" بالمدينة العتيقة بالرباط، تعمل على حاسوبها، في وقت تداعبها فيه أشعة الشمس المتسللة لفناء الرياض.

و"الرياض" نوع من دور الضيافة بالمغرب يتميز بمقومات الهندسة المغربية القديمة وفن العيش الأصيل، ينقل في كل تفاصيله موروثا تاريخيا ضاربا في القدم.

حافظ الرياض على نمط عيش من واقع المغرب في القرنين 19 و20، ليتحول في العقدين الأخيرين إلى واحد من الاستثمارات السياحية ذات الجذب الخاص، عرف طريقها الأجانب أولا.

الرياض يتميز بهندسة البيوت التراثية بالمغرب ذات الطراز الإسلامي في العمارة (الجزيرة)

تاريخ وخصوصية
يعرف القانون المغربي الخاص بتصنيف أشكال الإيواء السياحي الرياض بكونه "منزلا يمتاز بمعمار وتزيين ذي طابع مغربي تقليدي يعرض خدمة الإيواء، وبصورة ثانوية خدمتي المطعم والتنشيط".

يقول مندوب السياحة بالعاصمة الرباط  نور الدين السريدي إن الرياض تحوّل من وظيفة سكنية إلى وظيفة تجارية استثمارية، حيث يدخل ضمن دور الضيافة (نوع من أنواع الإيواء السياحي بالمغرب).

ويوضح السريدي، في تصريح للجزيرة نت، أن الرياض منتوج سياحي محلي ينفرد به المغرب، مشيرا إلى أن الرياض يمتاز بمقومات على مستوى الهندسة المعمارية تجعل منه متحفا مفتوحا يفضله السياح لما يوفره من اكتشاف مباشر للثقافة المغربية في إطار تقليدي.

ويتميز الرياض بهندسة البيوت التراثية بالمغرب، التي نهلت من طقوس العمارة الإسلامية المتميزة بانفتاح النوافذ وأبواب الغرف نحو الداخل، حيث يظهر الرياض من الخارج مغلقا، ولا تكاد تميزه عن باقي بيوت الأزقة الضيقة بالمدن العتيقة المغربية.

ويمتاز الرياض أيضا بوجود بهو وسطه مفتوح على السماء منه يستمد الضوء والشمس والتهوية، وتسمى الفتحة بـ"الضواية" أو "الحلقة".

في خصوصية معمارية فريدة، تتوسط الرياض فضاءات خضراء ونافورة، وكان يحتوي على فضاءات استقبال معزولة للضيوف تحفظ خصوصية سكان البيت.

 سطح الرياض مكان هادئ للاستجمام واللقاء المباشر مع الثقافة المحلية (الجزيرة)

على خطى مراكش
في البداية ازدهر الاستثمار في الرياض بمدينة مراكش والصويرة، وتحوّل إلى علامة تجارية تميز السياحة بالمدينة العتيقة لمراكش، حيث تتوفر اليوم على ما يفوق 1300 وحدة دار ضيافة مصنفة، وهو ما يعادل ألف سرير، 50% منها إما أصحابها أجانب وإما مسيرة من قبل الأجانب.

وبعد الانتشار والنجاح الذي حققته دور الضيافة التقليدية "الرياض" في كل من مراكش والصويرة وفاس، بدأت المدن المغربية المتوفرة على مدن عتيقة تدخل على خط تجديد البيوت القديمة وتحويلها لدور ضيافة على شكل رياض.

والعاصمة الرباط، الزاخرة مدينتها العتيقة بالتراث المعماري العريق، لم تحد عن هذا المسار.

يروي السريدي كيف تشهد الرباط ثورة على مستوى البنيات التحتية للاستقبال السياحي، سواء الفنادق الفخمة أو المركبات السياحية، وكيف تشجع تهيئة المدينة العتيقة الاستثمار الخاص في الرياض.

وبحسب المسؤول في السياحة، فإن المستثمرين في الفندقة يتجهون نحو الرياض، وتوفر الرباط حاليا حوالي 13 رياضا وتعمل على التسوية القانونية لـ30 رياضا آخر، حوالي 30% منها يستثمرها أجانب. ويقدر الاستثمار في الرياض بين 5 و10 ملايين درهم (من نصف مليون إلى مليون دولار).

الرياض يتعايش مع البيوت في الأزقة الضيقة للمدن العتيقة (الجزيرة)

استكشاف وتجربة
يؤكد السريدي أن السائح لم يعد محتاجا للبحر والشمس فقط، بل يحتاج لمعرفة الثقافات واستكشاف المدن العتيقة وخصوصياتها، لهذا يفضل الكثير من السياح اللجوء للرياض ليعيشوا التجربة الفريدة من نوعها على المستوى الدولي.

وفي حديث مع الجزيرة نت، يحكي ألان بوردان، متقاعد فرنسي يقيم بالمغرب منذ عشر سنوات، قصته مع الاستثمار في الرياض بالمدينة العتيقة للرباط، وكيف اقتنى منزلا تقليديا كان مخصصا للسكن واشتغل عليه لأكثر من سنتين ليحوّله إلى واحد من الرياضات المعروفة اليوم.

وحافظ ألان على الطابع المغربي في كل التفاصيل المتصلة بالزخرفة والديكور ونمط العيش المقدم للسياح، وأقام بالرياض لأربع سنوات حتى وضع الاستثمار على الطريق.

يقول ألان إن رغبة السياح في عيش تجربة الرياض تجعلهم يبحثون عنه، مشيرا إلى أنه استقبل سياحا من 90 جنسية مختلفة، في إشارة لتنوع الطلب على الرياض.

وقال إن البعض يعتقد أن الرياض يوجد فقط في مراكش، لكن الرياض اليوم موجود بالرباط ويوفر جوا عائليا وخدمات متكاملة.

جمال ودقة وتفاصيل تقليدية من زمن الأجداد (الجزيرة)

المصدر : الجزيرة