جان لوك ميلانشون.. "الخطيب الأحمر" الفرنسي

Jean-Luc Melenchon, candidate of the French far-left Parti de Gauche and candidate for the French 2017 presidential election, delivers a speech to supporters on a barge during a cruise on the Canal Saint-Martin as part of his campaign in Paris, France, April 17, 2017. REUTERS/Alain Jocard/Pool
ميلانشون كان يؤمن بفكر التروتسكية الشيوعي في شبابه (رويترز)

جان لوك ميلانشون، صحفي وسياسي يساري فرنسي، بدأ حياته صحفيا ومدققا لغويا، ثم انخرط في السياسية وأصبح أصغر عضو في مجلس الشيوخ الفرنسي عام 1986، وترشح باسم حزب "فرنسا الأبية" للانتخابات الرئاسية عدة مرات، وانتخب لمناصب تشريعية إقليمية ووطنية وأوروبية مختلفة. وصفته إحدى الصحف بـ"شافيز فرنسا".

المولد والنشأة

ولد جان لوك ميلانشون في 19 أغسطس/آب 1951 في مدينة طنجة شمال المغرب، وكان والداه يعملان في مجال البريد، لكن الأسرة غادرت إلى فرنسا عام 1962، وبعد طلاق والديه نشأ مع والدته.

تزوج ميلانشون من زوجته برناديت في أبريل/نيسان 1972، وأنجبا ابنة عام 1974 سمياها مارلين، وانفصلا عام 1994.

الدراسة والتكوين العلمي

تحصل على شهادة البكالوريوس في الفلسفة عام 1972 من جامعة فرانش كونتيه، وهي جمعة فرنسية عتيقة تأسست سنة 1423م. وعمل مدرسا للغة الفرنسية، ثم قاده شغفه بالكتابة إلى العمل صحفيا، قبل أن يدخل عالم السياسة .

تعاون ميلانشون مع كثير من الصحف الإقليمية، ثم أنشأ مجلة إخبارية، وعبرها بدأ يروج لأفكاره وقناعاته وتوجهاته السياسية، وحينها كان نشطا في الحركة الطلابية، ورغم انخراطه في السياسية لم يترك العمل الصحفي.

جان لوك ميلانشون بدأ حياته صحفيا قبل أن ينخرط في السياسة (الأوروبية)

التجربة السياسية

التحق ميلانشون بـالحزب الاشتراكي الفرنسي عام 1976، وعمل معه خلال معظم حياته المهنية، وعام 1981 عين سكرتيرا أول لمكتب رئيس فرنسا حينها فرانسوا ميتران، وشغل منصب وزير التربية المهنية بين عامي 2000 و2002 في حكومة ليونيل جوسبان.

وشغل عدة مناصب على مستوى الحزب، منها رئيس ومساعد المكتب الوطني بين عامي 2009 و2014.

ودخل عام 1986 مجلس الشيوخ الفرنسي، وعمل نائبا في البرلمان الأوروبي منذ 14 يوليو/تموز 2009، وأعيد انتخابه في 25 مايو/أيار 2014.

وابتعد ميلانشون عن الحزب الاشتراكي عام 2008، بعدما خاض قبل ذلك حملة ضد معاهدة الدستور الأوروبي عام 2005، مخالفا موقف الحزب الاشتراكي. وأنشأ مع الاشتراكية مارتين بيلارد حزبا يساريا آخر.

وفي عام 2009 وقبل انتخابات الاتحاد الأوروبي عامها، انضم حزبه إلى باقي الأحزاب اليسارية من أجل تشكيل جبهة اليسار، وانتخب عامها مرشحا لجبهة اليسار لعضوية البرلمان الأوروبي عن المنطقة الجنوبية الغربية.

ترشح لانتخابات الرئاسة عام 2012، وحل رابعا، وفي الخامس من يوليو/تموز 2015 أعلن نيته الترشح لرئاسيات عام 2017، وفي العاشر من فبراير/شباط 2016 أكد ترشحه الرسمي على قناة "تي إف 1" الفرنسية، وأعلن بعدها تأسيس حزب "فرنسا الأبية"، وعام 2022 حاول الترشح مرة أخرى لكنه حل في المركز الثالث.

برنامجه الانتخابي

تمحور البرنامج الانتخابي لميلانشون حول عدة قضايا داخلية وخارجية، فقد دعا لإطلاق الجمهورية السادسة، وزيادة الحد اﻷدنى للأجور بنسبة 16%، وخفض ساعات العمل الأسبوعية وسن التقاعد.

كما دعا ميلانشون إلى وقف تسريح الموظفين من العمل، ورفع سقف الضريبة على الدخل إلى 90%، ورفع سقف الإنفاق الحكومي بنحو 173 مليار يورو (نحو 184 مليار دولار) على مدى 5 سنوات.

ولا يتبنى ميلانشون خطابا معاديا للمهاجرين، بل يدعو إلى إدماجهم، وأكد في مناظرة تلفزيونية في 20 مارس/آذار 2017 أنه "يجب معاملة المهاجرين مثل ما نحب أن يعاملونا عندما نذهب إليهم"، وأكد أيضا أهمية تسوية أوضاع من لا يحملون وثائق إقامة في فرنسا.

وعلى المستوى الخارجي، يدعو ميلانشون إلى الخروج من حلف شمال الأطلسي (ناتو) وسحب فرنسا من معاهدات الاتحاد الأوروبي إذا لم تتحقق بعض الشروط، إذ يقول "أوروبا إما أن نغيرها وإما أن نغادرها"، إضافة إلى مطالبته بالتخلي عن الطاقة النووية.

ولفت ميلانشون أنظار مواطنيه خلال المناظرات التلفزيونية التي نظمها مرشحو الانتخابات الرئاسية، واستطاع أن يصعد من المرتبة الخامسة إلى الثالثة، ويتفوق على اليميني فرانسوا فيون.

ميلانشون الذي اعتمد إستراتيجية جديدة في الخطاب والإقناع تعتمد على التقنيات الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي بالدرجة الأولى.

يصفه خصومه بأنه "شعبوي متهور" ويثير المخاوف، وهو ما أشار إليه الرئيس الفرنسي آنذاك فرانسوا هولاند حين تحدث لمجلة "لوبوان" الفرنسية عما سماها "مخاطر التبسيط والمغالطات وما تؤدي إليه من انبهار بالخطابة بدل التركيز على المحتوى".

وقد نعتته الصحف الفرنسية بعدة ألقاب، حيث اعتبرته صحيفة "لي زيكو" المالية "الخطر الفرنسي الجديد"، بينما لقبته صحيفة "لوفيغارو" بـ"شافيز فرنسا" في إشارة إلى الرئيس الفنزويلي الراحل اليساري هوغو شافيز.

أما صحيفة "ليبراسيون" فقالت إن ميلانشون يسير في السياسة الخارجية على خطى "شافيز وبوتين" وأطلقت عليه في افتتاحية لها "الخطيب الأحمر".

فكره وتوجهاته السياسية

كان ميلانشون يؤمن بفكر التروتسكية في شبابه، وهو تيار شيوعي تأسس على يد ليون تروتسكي صاحب نظرية "الثورة الدائمة"، ويعد أحد أهم قادة الثورة الروسية عام 1917، واغتيل بأمر من جوزيف ستالين في مدينة مكسيكو عام 1940.

وخلال عمل ميلانشون سيناتورا اشتراكيا، عارض دعم فرنسا لحرب الخليج عام 1990، مخالفا بذلك زملاءه السيناتورات.

وعام 1992 دعم معاهدة ماستريخت، الوثيقة المؤسسة للاتحاد الأوروبي، لكنه ندم على قراراه هذا، ومن حينها، أصبح من أشد معارضي الليبرالية في الاتحاد، وأعلن رفضه استفتاء فرنسا حول التغييرات لتعزيز الدستور الأوروبي لعام 2005.

وخلال فترة رئاسة المحافظ نيكولا ساركوزي لفرنسا، انتقد عديدا من يساريي الحزب الاشتراكي لعدم تقديمهم انتقادات أقوى لسياسات الحكومة، ولعدم تقديمهم بديلا لمسار الليبرالية الاقتصادية.

وكتب ميلانشون في مدونة عام 2008، بعدما انفصل عن الحزب الاشتراكي معلنا رفضه لسياسات الحكومة قائلا إن "التوجهات السياسية التي تهيمن على الديمقراطية الاجتماعية الأوروبية قد سادت، رغم أنها تؤدي إلى الفشل في كل مكان".

وأضاف "إنهم يبتلعون أوروبا بداية من معاهدة لشبونة والتحالفات المتقلبة والامتناع عن مواجهة اليمين ويرفضون التشكيك في الرأسمالية".

وهكذا أعلن نفسه معارضا لنظام الحكم، وكسب دعم من خاب أملهم من الاشتراكيين ومن مرشحهم فرانسوا هولاند لعام 2012.

ويطالب ميلانشون بالعودة إلى قيم مؤسس الاشتراكية الجمهورية الفرنسية جان جوريس، علما أن ميلانشون ليس شيوعيا، لكنه انتقد الرأسمالية الحرة بشكل متكرر، وكسب عبر ذلك دعم الحزب الشيوعي الفرنسي.

الانتخابات التشريعية المبكرة 2024

وبرز اسم ميلانشون من جديد بعد أن فاز تحالف "الجبهة الشعبية الجديدة" في الانتخابات التشريعية ليوليو/تموز 2024، إذ تصدر نتائج الجولة الثانية.

وتصدر تحالف الجبهة الشعبية الجديدة النتائج بمجموع 182 مقعدا، متبوعا بتحالف الرئيس ماكرون (168 مقعدا)، فيما حل تحالف أقصى اليمين، ثالثا (143 مقعدا).

وأصبح ميلانشون أحد الأسماء المتداولة لرئاسة الحكومة الفرنسية، خاصة بعدما لم يحصل أي تحالف على الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة.

وقال ميلانشون إن الجبهة الشعبية الجديدة تصدرت الانتخابات وهي الأولى برئاسة الحكومة الفرنسية، ودعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى تحمل المسؤولية وتعيين رئيس الحكومة من الجبهة الشعبية.

الكتب والمؤلفات

ألف ميلانشون 19 كتابا منها:

  • "دعهم جميعا يذهبون".
  • "كن أفضل! نحو ثورة المواطن".
  • "اختيار العصيان".
  • "المستقبل المشترك: برنامج الاتحاد الشعبي".
  • "عصر الشعب".
المصدر : الجزيرة + وكالات + مواقع إلكترونية