الزاوية البودشيشية طريقة صوفية مغربية امتدت إلى أوروبا وأفريقيا

حفظ

الموسوعة - صورة من موقع الطريقة القادرية البودشيشية
الشيخ حمزة بن عباس (أقصى اليسار) رفقة عدد من شيوخ ومريدي الزاوية البودشيشية (موقع الطريقة القادرية البودشيشية)

أبرز الزوايا الصوفية وأكبرها في المغرب، شقت لنفسها مسارا تاريخيا طويلا، امتد منذ القرن الـ18. تحولت من فضاء للتربية الروحية في مرحلتها التأسيسية، إلى مؤسسة واسعة النفوذ تجاوز صداها حدود المغرب ووصل إلى أوروبا وأفريقيا.

لها شبكة تنظيمية ممتدة، اكتسبت بفضلها موقعا رياديا في المشهد الصوفي المغربي والدولي، إذ عرفت بانتشار قاعدة أتباعها ومريديها داخل المغرب وخارجه.

ويحمل المريد في الزاوية البودشيشية اسم "الفقير"، في إشارة إلى قيمة التواضع والزهد والفقر إلى رحمة الله.

تصدرت الزاوية المشهد الإعلامي في المغرب أواخر أغسطس/آب 2025، بسبب شقاق اعتبره البعض تهديدا لاستمرارها، فبعد وفاة شيخها جمال القادري بودشيش، تنازع ابناه منير ومعاذ على خلافة المشيخة، مما أدى إلى حدوث انقسامات واسعة داخل الزاوية.

النشأة والتأسيس

تأسست الطريقة القادرية البودشيشية في منتصف القرن الـ18، على يد الشيخ علي بن محمد القادري الملقب بـ"بودشيش"، نسبة إلى إطعامه الناس "الدشيشة" أيام المجاعة، وهي أكلة شعبية بسيطة شهيرة في المغرب.

أنشأ الشيخ زاويته في سياق اجتماعي وسياسي اتسم باضطرابات قبلية وانتشار واسع للفقر والحاجة، وسعى عبر الزاوية إلى إنشاء فضاء تربوي وروحي يجمع بين تعليم الفقه والعقيدة وممارسة الذكر الصوفي، إلى جانب تقديم الدعم الاجتماعي للمجتمع المحلي.

وتنتسب البودشيشية للطريقة القادرية، إذ تعود جذورها إلى الشيخ أبي صالح محيي الدين عبد القادر الحسني الجيلاني (1077-1166م)، المؤسس الروحي للطريقة القادرية في بغداد أوائل القرن الـ12، ومن ثم يعتبر أصحاب الطريقة البودشيشية أن "السند الروحي القادري" يربط شيوخها بسلسلة التزكية المتصلة بالشيخ الجيلاني.

تؤكد بعض المصادر أن الزاوية نشأت في بني طيب بإقليم الدريوش شمالي شرق المغرب، إلا أنها ارتبطت لاحقا بقرية "مداغ" نواحي مدينة بركان (الجهة الشرقية للمغرب)، حيث يوجد مقرها المركزي.

ضريح سيدي حمزة رحمه الله الطريقة القادرية البودشيشية الصويرة. فيسبوك
ضريح حمزة بن العباس الذي استمرت ولايته مدة 45 عاما (صفحة الطريقة القادرية البودشيشية على فيسبوك)

أبرز المحطات التاريخية

  • المرحلة التأسيسية
إعلان

ركز الشيخ علي بن محمد القادري بودشيش أثناء مرحلة التأسيس على التربية الروحية وتعليم الفقه والعقيدة، بعيدا عن الصراعات السياسية، كما عمل على مساعدة الفقراء والمحتاجين، مما مكن الزاوية من ترسيخ مكانتها الروحية داخل المجتمع المحلي، وجعلها مرجعا للتوجيه الروحي للمريدين ومحط تقدير لدى العامة من الناس.

  • المقاومة ضد الاستعمار

اختلفت الروايات بشأن وضع الزاوية في فترة الاستعمار الفرنسي، إذ تقول بعض المصادر التاريخية إن شيخ الزاوية البودشيشية إبان تلك الفترة "المختار بن محيي الدين بودشيش" قاد حملات مسلحة ضد القوات الفرنسية في شرق المغرب.

في حين تقول مصادر أخرى إن معظم شيوخ الزاوية انتهجوا نهجا محايدا ومتحفظا أثناء الفترة الاستعمارية، مما ساهم في الحفاظ على نفوذها واستمرارية نشاطها الروحي والاجتماعي، مقارنة ببعض الزوايا الأخرى التي أظهرت مواجهة واضحة للاستعمار.

  • التوسع التربوي والثقافي

عزز الشيخ أبو مدين بن المنور بودشيش البعد التربوي والروحي للزاوية، إذ ركز على تنظيم حلقات الذكر والدروس المنتظمة في الفقه والعقيدة، مع التأكيد على الالتزام بالأسس الروحية للطريقة القادرية مثل الذكر الجماعي والزهد والورع.

كما عمل على تطوير مرافق الزاوية التي أصبحت حينها مركزا للتربية الصوفية، ساهم في إعداد كوادر لتربية النشء ونقل التعاليم إلى الجيل الصاعد، مما أدى إلى توسع نفوذ الزاوية خارج نطاقها المحلي.

استمرت الزاوية في التوسع تحت قيادة الشيخ "العباس بن المختار بودشيش"، الذي تميزت فترته بتوسيع النشاط الروحي والثقافي للزاوية، فقد استقبل علماء ومثقفين من مختلف البقاع، وذلك بغرض تعزيز البرامج التعليمية والدروس الدينية، وأقدم على تنظيم الملتقيات والاحتفالات الصوفية الكبرى لتعزيز حضور الزاوية على المستويين المحلي والإقليمي.

كما عمل على تعزيز الهيكل الإداري والمالي للزاوية لضمان استمرارية نشاطها الروحي والاجتماعي، مما ساهم في ترسيخ نفوذها ومكانتها بين القبائل والمجتمعات المحلية، ووضع الأسس لمرحلة الانتشار الوطني والدولي لاحقا.

  • الانتشار خارج المغرب

شهدت قيادة الشيخ "حمزة بن العباس بودشيش" توسعا غير مسبوق للزاوية على الصعيدين الوطني والدولي، إذ أصبحت تحت قيادته مركز إشعاع بلغ مداه أوروبا وأفريقيا وآسيا.

فقد أرسل البعثات وأقام الملتقيات الصوفية خارج البلاد، مما أدى إلى اتساع دائرة المريدين، فتحولت معه الزاوية إلى مصدر تأثير اجتماعي وديني قوي تعدى حدود المغرب.

الشيخ سيدي بومدين بن المنور رضي الله عنه موقع نفحات الطريقة الصوفية
الشيخ أبو مدين بن المنور ركز أثناء قيادته الزاوية البودشيشية على البعد التربوي والأخلاقي في التصوف (موقع نفحات الطريقة الصوفية)
  • مرحلة "التحديث"

بعد وفاة الشيخ حمزة تولى ابنه الشيخ "جمال الدين القادري بودشيش" قيادة الزاوية عام 2017، فأشرف على مرحلة جديدة في تدبير الزاوية، وأنشأ "مؤسسة الملتقى"، التي تولت لاحقا تنظيم فعاليات ثقافية، أبرزها الملتقى الدولي للتصوف ابتداء من سنة 2019، الذي يقام بمناسبة ذكرى مولد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.

جمعت الزاوية تحت قيادته بين طابع "تقليدي" يحرص على التمسك بالتقاليد الروحية الراسخة وطابع "تحديثي" استطاع الانفتاح على الواقع المعاصر وما يقتضيه من تطوير لآليات الاشتغال من أجل إشعاع أوسع للزاوية.

إعلان

الأسس الفكرية

تقوم الزاوية القادرية البودشيشية على مجموعة من الأسس الفكرية والروحية التي تشكل جوهر مشروعها التربوي والدعوي.

يمثل أساس "التوحيد الخالص" القاعدة الأولى التي تنبني عليها الزاوية، وتقول إنها "ترسخ العقيدة الإسلامية وفق المنهج الأشعري السني، مع الدعوة إلى معرفة الله عبر الذكر والمجاهدة القلبية".

كما تحتل السنة النبوية مكانة مركزية في مشروع الزاوية، إذ يؤكد شيوخها على ضرورة الاقتداء بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا، ويعتبرون أن الصلاة عليه وسيلة لتزكية النفوس وتعميق الصلة الروحية.

تعتبر الزاوية "التصوف التربوي الأخلاقي" أساسا فكريا لمشروعها، وتعده ملمحا بارزا يميزها عن غيرها من الطرق الصوفية الأخرى، إذ تؤكد أنها لا تنشغل بالجدل الكلامي بقدر ما تركز على تهذيب السلوك وبناء الشخصية الروحية المتوازنة، ولذلك جعلت من الذكر والأوراد ممارسة يومية تعين المريد على تطهير القلب من الأهواء وتشبعه بمحبة الله.

وتضع الزاوية المحبة والوسطية في صلب خطابها، داعية إلى نشر قيم التعايش والانفتاح بعيدا عن الغلو والتعصب، وهو ما جعلها تحظى بسمعة واسعة داخل المغرب وخارجه.

كما تقوم على ما تسميه "الصحبة الروحية"، إذ تعتبر الزاوية الارتباط بالشيخ المربي شرطا أساسيا للتدرج في مراتب السلوك، وذلك عبر التربية بالقدوة والممارسة العملية.

وإلى جانب هذا البعد التربوي الصرف، حرصت الزاوية على ربط التصوف بالفعل الاجتماعي، فأسست مؤسسات ثقافية وتنموية، ونظمت قوافل تضامنية وملتقيات علمية، مما يعكس رؤيتها القائمة على أن "التصوف ليس انطواء فرديا، بل هو مشروع يزاوج بين تزكية الباطن وخدمة المجتمع".

أبرز الشيوخ

  • علي بن محمد القادري بودشيش

مؤسس الزاوية أواسط القرن 18، اشتهر بالزهد والورع، وعُرف بلقب بودشيش لأنه كان يطعم الفقراء أكلة تسمى محليا بـ"الدشيشة".

ولم يحظ تاريخ بداية ولايته وانتهائها بتوثيق دقيق، بسبب غياب المصادر المكتوبة آنذاك.

  • المختار بن محيي الدين

انتقلت إليه المشيخة بعد وفاة المؤسس، وارتبط اسمه في بعض المصادر التاريخية بالمقاومة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي، واستمر في قيادة الزاوية إلى غاية وفاته سنة 1914.

  • أبو مدين بن المنور

خلف المختار على رأس الزاوية عام 1914، وركز على البعد التربوي والأخلاقي في التصوف، وظل شيخا للطريقة حتى وفاته عام 1955.

  • العباس بن المختار

تولى القيادة خلفا للشيخ "أبو مدين بن المنور"، فواصل ترسيخ مكانة الزاوية دينيا واجتماعيا، وظل شيخا لها إلى أن انتقلت المشيخة إلى ابنه "الشيخ حمزة بن العباس" سنة 1972.

  • حمزة بن العباس

استمرت ولايته على مدى 45 عاما، امتدت منذ عام 1972 حتى وفاته في 18 يناير/كانون الثاني 2017، وشكل عهده محطة بارزة في تاريخ الزاوية، وشهدت انتشارا واسع النطاق داخل المغرب وخارجه.

شيخ الطريقة القادرية البودشيشية جمال الدين القادري بودشيش في ذمة الله
شيخ الطريقة القادرية البودشيشية جمال الدين القادري تولى المشيخة عام 2017 حتى وفاته عام 2025 (الصحافة المغربية)
  • جمال الدين القادري

تولى المشيخة استنادا إلى وصية والده الشيخ حمزة، فقاد الطريقة من سنة 2017 حتى وفاته في الثامن من أغسطس/آب 2025.

بعد وفاته اندلع صراع عائلي بين ابنيه منير ومعاذ حول خلافة المشيخة، ورغم أن الشيخ جمال الدين ترك وصية ولى بموجبها أمور الزاوية لابنه الأكبر منير، وهو أستاذ جامعي في الأنثروبولوجيا ومسؤول عن المشيخة بالخارج، فإن أخاه معاذ، المسؤول عن الشؤون المالية وإدارة فرقة السماع الصوفي، أبدى اعتراضه على تولي أخيه المشيخة، مما أدى إلى انقسام المريدين بين الطرفين.

انتقادات وردود

تعرضت الزاوية القادرية البودشيشية لانتقادات حادة، توزعت بين ما هو ديني وما هو سياسي.

إعلان

ويرى المنتقدون أن بعض ممارسات المريدين تجسد مظاهر غلو في تقديس الشيخ، واعتبروا أن التبرك بلمسه ورفع الأصوات عند رؤيته والتوسل به لنيل البركات، هي ممارسات لا تستند على أي أساس شرعي.

كما يقول المنتقدون إن الزاوية استحدثت أدعية وأورادا لا سند لها في النصوص الشرعية، مما يجعلها بدعا لا تمت للقرآن والسيرة النبوية بصلة، ويصفون ما تسميه الزاوية "أسرارا" بأنه مجرد غطاء يحجب أي تحليل موضوعي لأفكارها.

أما سياسيا فيتهمها المعارضون بالقيام بأدوار تخدم السلطة، ويقولون إن الدولة تستخدم الزاوية أداة لضبط المجتمع وتأطير المجال الديني وإفراغه من أي شحنة احتجاجية قد تقلق السلطة، وفي مقابل ذلك تستفيد الزاوية من هبات وامتيازات عدة تمنحها الدولة.

يستدل هؤلاء بحشد الزاوية لعشرات الآلاف من مريديها للمشاركة في مسيرة شعبية شهدتها مدينة الدار البيضاء في 26 يونيو/حزيران 2011، لإظهار التأييد الشعبي للسلطة في مواجهة احتجاجات حركة 20 فبراير، التي كانت تنادي بإصلاحات سياسية واجتماعية آنذاك.

ويؤكد المعارضون أن مشاركة الزاوية في المسيرة تعكس بجلاء أن "الحياد الروحي" الذي تتبناه يمكن أن يتوارى ظرفيا لخدمة "حسابات سياسية".

في مقابل هذه الانتقادات ينفي شيوخ الزاوية وأتباعها كل الاتهامات التي تطالهم، مؤكدين أن المريدين لا يقدسون الشيخ، وإنما يكرمونه باعتباره مربيا ومرشدا روحيا، يسعى إلى تهذيب النفوس وتطهيرها من النزعات المادية.

كما يشددون على أن الزاوية ليست كيانا سياسيا ولا تطمح للسلطة، وأن تدخلاتها تقتصر على ما يسمونه "المنعطفات الإستراتيجية الكبرى"، التي تهم وحدة المغرب واستقراره، ويؤكدون في الوقت ذاته أن مجال عملهم يقتصر على الجوانب الروحية والتربوية.

المصدر: الجزيرة

إعلان