شعار قسم مدونات

صورة العجوز كمادة مؤسسة للعقوق في الغرب.. ماذا عنا؟

وسم "حكايات جدّتي" حتى مع تقدم وسائل الإعلام والنشر وطغيان "الرقمية" ظلّ وما زال حاضرا في الوجدان العربي والإسلامي.

فعندنا حكايات شعبية متوارثة ربما تتشابه في محتواها لدى مختلف المناطق، مع اختلاف العناوين وبعض الجوانب السردية أو الأحداث، وهي لا تخلو من الحكمة والنصيحة في باطنها أو مغزاها، وأحيانا تتحدث عن عوالم فيها جرعات من الرعب المرغوب، تتناول عالم الجن والعفاريت والغيلان والسحرة والكائنات الأسطورية كالغيلان وغيرها.

ولربما كانت سببا في نوم عميق للأطفال هربا من شعور بالخوف أو الرعب؛ ولعل مما زاد جوّ الخوف والرعب ضعف وقلة وسائل الإنارة في زمن عدم وجود الكهرباء في كثير من مناطقنا، أو عدم وجود إنارة كافية بعد وصول الكهرباء إلى مختلف التجمعات السكانية، وما يحمله الليل من أجواء ومشاعر نعرفها حتى في زمان الإضاءة والإنارة والحركة النشطة في كثير من المناطق ليلا.

كنا نتحايل على الجدّة، خاصة عندما يكون هناك عطل في جهاز التلفزيون، أو عدم وجود ما يسلينا ويروي حبنا للإثارة والتشويق، أو عند انقطاع التيار الكهربائي، ونطلب منها برجاء وتوسّل متودد أن تحكي لنا حكاية شعبية نذكرها لها بالاسم.

تراث زخم ودسم

وبقيت حكايا الجدّة وقصصها علامة مسجلة في التراث الشعبي العربي، وكانت الجدّة تستخدم أسلوب المكافأة أو الحرمان من سماع قصصها التي تعدّ على الأصابع غالبا، مع أحفادها وبعض أبناء الجيران والأقارب والأصهار، عندما تشرع في سرد القصة التي غالبا تتكرر في سهرات الشتاء.

وكوني من "الجيل المخضرم" حيث إنني الآن أعيش التطور التقني بكل أدواته، وعشت في مرحلة وجود الراديو حين كان وسيلة مهمة جدا، والتلفزيون بالبث بالأبيض والأسود، وقصص الأطفال المطبوعة التي كنا نبتاعها أو نستعيرها، كل هذا بالتوازي والاختلاط مع حكايات "الجدّات" اللواتي كنّ في زمن الآباء والأجداد مصدرا لا منافس له في هذا المجال.

وكنا نتحايل على الجدّة، خاصة عندما يكون هناك عطل في جهاز التلفزيون، أو عدم وجود ما يسلينا ويروي حبنا للإثارة والتشويق، أو عند انقطاع التيار الكهربائي، ونطلب منها برجاء وتوسّل متودد أن تحكي لنا حكاية شعبية نذكرها لها بالاسم، مع أننا نعرفها وسمعناها منها سابقا، ولكننا نتشوّق لسماعها من جديد من فيّ الجدّة.

وعادة كانت الجدّة تضع لمستها الخاصة على الحكاية فتحذف وتضيف وتعدّل، وقد تختم القصة ونحن في حالة إصغاء تام بعبارة من قبيل "وتركتهم هناك وجئت!"، أو عبارة تفتح شهية المعدة "لو أنني أعرف أن السهرة ستطول لأحضرت معي الجوز والفستق…"، أو شيء كهذا!

ومما لا شك فيه أن هذه القصص، مع الاعتراض على كونها ترسخ الإيمان بالخرافات والخوارق وانتظار الكنوز الثمينة في الوعي الباطن، كما يقال من ناقديها، إلا أنها تشحذ الخيال وتقوّي ملكات الإحساس والقدرة على التعبير عن الذات عند الناشئة؛ وكم من كاتب وروائي مبدع أكد أن "خميرة" إبداعه كانت تلك القصص الشعبية التي سمعها في صغره من الجدّات.

من الملحوظ أن القصص والحكايات ترويها الجدّة وليس الجدّ، أي المرأة العجوز، ومع عدم قدرتي على تحديد سبب واضح مؤكد لذلك "الاختصاص" ولكن لأن الجدّ له مشاغله وجلساته وسهراته مع أقرانه.

الجدّة وليس الجدّ

ومن الملحوظ أن القصص والحكايات ترويها الجدّة وليس الجدّ، أي المرأة العجوز، ومع عدم قدرتي على تحديد سبب واضح مؤكد لذلك "الاختصاص" ولكن لأن الجدّ له مشاغله وجلساته وسهراته مع أقرانه، وقد يعيل صبره من مجالسة الصغار، وحديثه وغالب كلامه يتسم بالجدّية والواقعية، والنصائح المباشرة، والنظريات المحددة، مع مزج ذلك بذكريات شخصية مختزنة عنده.

ولأن المرأة ولو كانت عجوزا على حافة القبر لا تخلو من الرقة والحنان والإتقان عندما تروي تلك الحكايات، وكأنه توزيع فطري للأدوار.

الجدّة تأخذ تلقائيا مكانة خاصة مميزة عند الأبناء والأحفاد ورثتها عن أمّها وتورثها لابنتها؛ فهي الآن عجوز على حافة القبر، ويتوق الأطفال إلى سماع القصص التي ترويها.

تطوّر طبيعي وإيجابي

وبهذا فإن الجدّة تأخذ تلقائيا مكانة خاصة مميزة عند الأبناء والأحفاد ورثتها عن أمّها وتورثها لابنتها؛ فهي الآن عجوز على حافة القبر، ويتوق الأطفال إلى سماع القصص التي ترويها، وهي التي كانت في مرحلة سابقة ربّة بيت تقوم على شؤون المنزل المختلفة، وقبلها شابة وفتاة لها شأن الأنثى وفق المعلوم شرعا وعرفا، وقبل ذلك كانت طفلة تلهو وتلعب.

فالتطور سار بمسار طبيعي فطري وفق سنة الحياة، ولم يجعل "العجوز" عبئا، وارتبطت بعامل الحنان والتسلية والإيناس.

وبعد انتشار وسائل التقنية الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعي، وجدت حكايات الجدّة ونصائحها وحكمها والأمثال التي كانت ترددها طريقها بسلاسة إلى منشورات (بوستات) المشتركين في مجتمعنا ولاقت قبولا واستحسانا، بل وطلبا وتشجيعا على الزيادة.

كانت جدّتي -رحمها الله- تضع ملابسها وأشياء أخرى في صندوق خشبي شبيه بالذي نشاهده في المسلسلات التاريخية، وعندها أوان نحاسية أو "صينية" مميزة جميلة، وفراشها العربي يستنفر رغبتنا في اللعب والمرح.

مكانة واحترام للجدّة

وليس الأمر مقصورا على مكانة الجدّة العجوز بصفتها راوية لقصص شعبية تراثية؛ فلو كانت الجدة تعيش في بيت أو حجرة خاصة، فإن الأطفال يتوقون إلى زيارتها للتمتع بهداياها النقدية أو بحلوى تحتفظ بها خصيصا لهم، أو للاحتماء بها وطلب شفاعتها عند أب أو أم بسبب سعي إلى عقابهم، وأيضا لأن بيت الجدّة فيه أشياء يحبون اكتشافها، خاصة أن للجدّة حبّ الاحتفاظ بالأشياء القديمة، وما في بيت الجدّة لا يوجد غالبا في بيت الأطفال.

فمثلا كانت جدّتي -رحمها الله- تضع ملابسها وأشياء أخرى في صندوق خشبي شبيه بالذي نشاهده في المسلسلات التاريخية، وعندها أوان نحاسية أو "صينية" مميزة جميلة، وفراشها العربي يستنفر رغبتنا في اللعب والمرح.

فاحترام ومكانة الجدة العجوز ومحبتها كونها رمزا للدلال والهدايا ولحريّة نسبية وعالم غامض للاستكشاف وغير ذلك.

ومع أن حديثي لا يخص المجتمع الفلسطيني حصرا، ولكن زادت مكانة الجدّات في مجتمع اللاجئين الفلسطينيين أمثالي؛ فالجدّات عشن فترة الشباب في قرانا ومدننا التي احتلتها العصابات الصهيونية في 1948 ويحتفظن بذكريات عن الوطن المسلوب، بحلوها ومرّها، ولهن تجربتهن في التهجير واللجوء وتفصيلات النكبة.

شاهدنا مسلسلات وأفلام كرتون أو أفلاما عادية مترجمة أو مدبلجة جاءت من مصادر غربية، تظهر العجوز في ثقافة القوم امرأة شريرة مجرمة، تتعامل بالسحر الأسود، وتذهب ليلا إلى المقابر لأغراض شريرة.

الساحرة العجوز!

في المقابل، شاهدنا مسلسلات وأفلام كرتون أو أفلاما عادية مترجمة أو مدبلجة جاءت من مصادر غربية، تظهر العجوز في ثقافة القوم امرأة شريرة مجرمة، تتعامل بالسحر الأسود، وتذهب ليلا إلى المقابر لأغراض شريرة، وتستدرج الناس، خاصة الأطفال لقتلهم أو التنكيل بهم، وهي -وفق هذه الثقافة- رمز مرعب يخلو من الحنان والعطف، ومن ثم لا تستحقه، إلا في بعض الأعمال والقصص الغربية، التي لا تكفي لإزالة الترميز والنمطية عن العجوز الشريرة!

فالعجوز وفق الموروث والمعروض الثقافي والفني ليست إنسانا يحتاج إلى الرحمة والعطف والحنان ويعطيه؛ بل كتلة شرّ مرعبة، تمتهن السحر، وتركب مكنسة تطير بها، وهي رمز شؤم قبيح يبشر بالطاعون والخراب!

لذا، ليس غريبا أن تجد مكانها مأوى العجزة، أو العيش وحيدة تنتظر ملك الموت، من دون رعاية أو حنان وعطف من البنين والحفدة.

بل لعلنا شاهدنا أفلاما ومسلسلات، ترى فيها عروسين يحضران لحفل زفاف يقول أحدهما: "قد أدعو أمي إلى الحفل…"، ولنقارن هذه الجزئية بحال مجتمعنا فيما يخص حفلات أو مناسبات كهذه.

ووفق إحصائيات الأمم المتحدة، فإن ربع سكان أوروبا وأميركا الشمالية من كبار السن (فوق 65 عاما) هم حقيقة في أتون معاناة إنسانية، حتى لو ظهرت الصورة بعكس ذلك.

لا يجوز أن نتجاهل أو نفصل دور تصوير العجوز في الفن والثقافة والإعلام كأيقونة للسحر الأسود والجريمة وأذى الأبرياء عن هذا الوضع المخالف للتعاليم الدينية وللفطرة السويّة.

مقدمات وتراكمات

طبعا لن نختزل حال "العجائز" في بلاد الغرب بما ينضح به موروثهم الثقافي والفني، فالأمر مرتبط بسياسات الرأسمالية المتوحشة، والحاملة لأدوات تنشئة وتربية ونمط معيشة نتيجتها ما آلت إليه أحوالهم.

ولكن لا يجوز أن نتجاهل أو نفصل دور تصوير العجوز في الفن والثقافة والإعلام كأيقونة للسحر الأسود والجريمة وأذى الأبرياء عن هذا الوضع المخالف للتعاليم الدينية وللفطرة السويّة.

ولكن، هل نحن في حالة مثالية في موضوع كبار السن "والعجائز"، بحيث نعيب على غيرنا؟

إجمالا، نعم نحن أفضل من دون ادّعاء المثالية ولكن هذا يحتاج إلى حديث أكثر تفصيلا.