العزّ بن عبد السلام ونظرية التصويب

blogs العز بن عبدالسلام (مواقع التواصل الاجتماعي)
blogs العز بن عبدالسلام (مواقع التواصل الاجتماعي)

 

اختلف العلماء في تصويب المجتهدين في الفروع والأصول، وهو ما عُرف في التراث الإسلامي بمسألة "التصويب". وتكلم فيها الجاحظ والعنبري والرازي والغزالي، وكبار المتكلمين والأصوليين والفلاسفة، وهي مسألةٌ أصولية كلامية. واختلف العلماء فيها على مذهبين:

فقال أصحاب المذهب الأول: "كل مجتهد في الظنيات مصيب". وانقسم أصحاب هذا المذهب إلى فريقين: قال الأول منهم: "ليس لله حكم بعينه في كل واقعة"، وهم غلاة المصوّبة، أو الخُلّص من المصوّبة. وقال الثاني منهم: "إن لله حكما في كل واقعة".

وإلى هذا المذهب، أي مذهب التصويب، ذهب الإمام الأشعري (ت: 324 هـ)، والباقلاني (ت: 402 هـ)، وفريق من المعتزلة. وقد اعتبر الحجّة الغزالي (ت: 505 هـ) أن التصويب -في الفروع- مسألة قطعية، فقال في المستصفى: "والمختار عندنا، وهو الذي نقطع به ونُخطّئ المخالف فيه، أن كلّ مجتهد في الظنيات مصيب، وأنها ليس فيها حكم معيّن لله تعالى". ويقول في موضع آخر: "والذي نختاره أن الإثم والخطأ متلازمان، فكلّ مخطئ آثم، وكل آثم مخطئ، ومن انتفى عنه الإثم انتفى عنه الخطأ".

وقال أصحاب المذهب الثاني: إنّ لله في كل واقعة حكما، والمجتهد إما أن يصيبه أو يخطئه، فإن أخطأه فهو معذور مأجور، وهو مذهب الأئمة الأربعة.

لكن عند التأمل والنظر ندرك أنّ الخلاف أقرب إلى الخلاف اللفظيّ، فإنّهما يتفقان على أنّ المجتهد إذا أخطأ بعد النظر والاجتهاد، فهو معذور لا إثم عليه.

 

العزّ بن عبد السلام والتصويب في الأصول

كان العز بن عبد السلام من مدرسة الإصلاح في التراث الإسلامي، وشغله كثيرا الخلاف الكبير بين مذاهب أهل القبلة، فجزم بأن هذه المذاهب جميعا معفوٌّ عنها، وهذا الرأي ينبغي أن يُتأمّل فيه كثيراً، لأنّه خالف فيه جمهور الأشاعرة.

كان العزُّ يدرك أن مقولته الإصلاحية ستُواجه بقوّة من الأشعريّة المتشددين، ممن يرفضون الإصلاح، أو التقارب مع مذاهب أهل القبلة الأخرى. فذكّرهم العز بن عبد السلام بذلك الخلاف الداخلي في المذهب الأشعريّ، وأن المدرسة الأشعرية نفسها ليست على قلب رجل واحد، فإذا أثّموا المخالِف أو كفّروه، كانوا هم أولى بذلك الحكم من المخالِف، ولذا يقول: "وقد تردد أصحاب الأشعريّ رحمهم الله في القدم والبقاء، أَهُمَا من صفات السلب أم من صفات الذات؟". ثمّ يقول ملتمسا الأعذار لجميع فرق أهل القبلة: "وكلّ ذلك مما لا يُمكن تصويب المجتهدين فيه، بل الحقُّ مع واحد منهم، والباقون مخطئون خطأ معفوا عنه لمشقة الخروج منه والانفكاك عنه".

ويعود فيؤكد هذا المعنى، الذي هو بمثابةِ رسالة إلى الداخلِ الأشعريِّ، فيقول: "والعجبُ أن الأشعرية اختلفوا في كثير من الصفات، كالقدم والبقاء..، ومع ذلك لم يكفِّر بعضهم بعضا".

فكأنّه هنا يحمل همّ التكفير بين طوائف أهل القبلة، ويشغله التعصب الذي كان بين تلك الطوائف والذي نتج عنه إخراج كل فرقة أختها من دوائر الإسلام، وتعامل كل فريق للآخر بمبدأ: ليسوا على شيء.

ويتوسع العزّ في مقبولية الأعذار، فيجعل حتى المجسّمة من أهل القبلة معفو عنهم، لمشقة الانفكاك عن الخطأ. وجديرٌ باللحظِ أنه وإن جعلهم من أهل القبلة إلا أنه ردّ عليهم وفنّد مقولتهم، غير أنه ردٌّ وتفنيدٌ تحت عنوان أهل القبلة، وليس تحت عنوان التكفير!

ثمّ يُذكّر العزُّ الأشاعرةَ بأنّ إمامهم الكبير أبا الحسن الأشعري رجع عن تكفير أهل القبلة: "وقد رجعَ الأشعريّ رحمه الله عند موته عن تكفير أهل القبلة، لأنّ الجهل بالصفات ليس جهلا بالموصوفات، وقال: اختلفنا في عبارات والمشار إليه واحد".

وحسب العزّ فإنّ جميع فرق الإسلام تقرّ بأن الله واحد لا شريك له، وتؤمن بمبادئ الإسلام وأركانه، وذلك كالسيّد الذي يختلف العبيد من حوله في صفاته، مع اتفاقهم على أنّه سيّدهم! يضرب لنا العزّ هذا المثال ليقنعنا بمقولته في التقارب والإصلاح والتصويب.

العزُّ وتصويب المجتهدين في الفروع

أما في الفروع الفقهية فيلتمس العزّ الأعذار لجميع المجتهدين، فيقول: "هل يستوي المختلفون المجتهدون في الأجر؟ أما على قول المخطِّئة، فإنّ المُخطئَ لا يُثاب إلا على قصده وما استدّ من نظره، وما عداه لا يثاب عليه، لأنّه مفسدةٌ معفوّ عنها. وأمّا على قول المصوّبة، فلكلّ من المجتهدين أجرٌ على قصدهِ وفعله".

فمحلّ الاتفاق إذن بين المصوبة والمخطئة أن الإثم مرفوع عن المجتهد المخطئ. ويسكت العزّ عن القولين، وكأنّه يقرهما، أو كأنه يريد القول إنّ الخلاف بينهما ليس كبيرا.

ويؤكد هذا المعنى في موضع آخر، فيقول: "لا إثم على أحدٍ من المخطئين إذا قام بما أوجبه الله عليه من المبالغة في الاجتهاد في تعرّف الأحكام، لأنّه أدى ما عليه، فمن أصاب الحقّ منهم أُجِرَ أجرين، أحدهما على اجتهادِه، والثاني: على صوابه. ومن أخطأَ بعد بذْلِ الجهد، عُفي عن خطئه وأُجِر على قَصْدِه، وعلى الصوابِ في مقدّمات اجتهاده".

ويطرح العزّ سؤالا عميقا في تلك المسألة: "إذا بني الشرع على المصالح الخالصة أو الراجحة، فكيف يُقال: كل مجتهد مصيب؟ مع أن أحدهما قد أصاب المصلحة الخالصة، أو الراجحة، والآخر قد أصاب المفسدة الخالصة أو المرجوحة..". ثمّ يجيب عن هذا السؤال بقوله: "إذا خفيت المصلحة الخالصة أو الراجحة كان خفاؤها عذرا مجوِّزاً للاقتصار على المرجوحةِ، كما تُجوِّزُ الضروراتُ ركوبَ (اقتراف) المحظورات".

إذن يرى العزّ أن الإثم مرفوع عن المجتهدين في الفروع والأصول إذا بذلوا وسعهم في الاجتهاد والنظر، ولم يفرّق في رفع الإثم بين الكلامِ والفقه، أو بين المسائل العقدية والمسائل الفرعية. وهو يتفق مع جمهور مدرسته الأشعرية في رفع الإثم في الفروع، لكنه يفترق عنهم في رفع الإثم في الأصول، ولذا فقد بدا وكأنه يريد قياس الخلاف بينهم وبين مخالفيهم بالخلاف الذي بينهم في الداخل، بغية إقناعهم بمقولته.

خلاصة

خاض العزّ اشتباكا ضد جناحٍ من علماء مدرسته الأشعرية الذين يمكن تسميتهم بـ"السلفيّة الأشعرية"، الذين أَخرجوا مخالفيهم من عنوان أهل القبلة ودائرة الإسلام. وحاول كذلك تعزيز مقولة الإصلاح بالتماس الأعذار لكافة المجتهدين، ورفع الإثم عنهم، وفي ذلك فتحٌ لباب الاجتهاد الذي رفض غلقه، وهو كذلك أيضا محاولة تقريبيّة بين المذاهب الكلامية، ومن بابِ أولى المذاهب الفقهية. وتبقى مقولة العزّ الجريئة في التماس الأعذار في الأصول ورفع الإثم عن المجتهدين فيها، مقولة مهمّة، ويمكن البناء عليها لردّ الفكر الإقصائي والمتطرف.

وفي كلٍّ فإنّ تلك المقولات وأشباهها نادرةٌ ومهمة في التراث الإسلامي بله التراث البشري، لأنها تسير عكس التيار، وتسبح ضد الأمواج، ولذا لا نجدها إلا عند الفلاسفة الكبار ممن خلعوا ربقة التقليد، أمثال إمام الحرمين، والحجة الغزالي، والعزّ وابن دقيق، والسيوطي، وقلة قليلة من المتأخرين أمثال الجمال الأفغاني والإمام محمد عبده وأضرابهم، رحم الله الجميع.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة