خواطر.. يتيم في مدرسة الوكالة

 

أتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعني، تحمر أذناي، ويخفق قلبي بتسارع، وترتجف أطرافي، وأشتهي تحقق معجزة.. زلزال، أو أن يرمي أحدهم حجرا يسقط في غرفة الصف لينشغل الجميع عن الموقف.. وجنتاي تشتعلان، وبالتأكيد لو نظرت إلى المرآة لوجدت أنهما تحوّلتا إلى حبتي طماطم.

يسأل المعلم عن التلاميذ الذين مات آباؤهم؛ أي اليتامى، ولم يكن من بين نحو 50 تلميذا في الصف الثاني الابتدائي أحد تنطبق عليه الصفة المطلوبة سواي.

الصفة سببت لي الارتباك والخجل والخوف، الذي لا مبرر له سوى شعوري بالحرج، حيث لم يكن في كل صفوف المدرسة من الأيتام إلا من هم بعدد أصابع الكف الواحدة، فلم يكن اليتم قد أنشب مخالبه في الأطفال بعد، كما فعل في سنوات لاحقة.

يتطوع التلاميذ، فأنا بقيت متسمّرا في مقعدي، ولم أرفع يدي، بحماسة يشيرون إليّ، مع هتاف استكشافي سري أستاذ.. أستاذ سري.. أبوه ميت.

يناديني المعلّم إلى خارج غرفة الصف، يشير إلي أن أتبعه، وفي غرفة الإدارة يقول لي خذ يا سري، أمد يدي لتناول الغنيمة، إنها بلوزة (كنزة) من الصوف الرخيص لونها أخضر زيتي متدرج، ويطلب مني العودة إلى صفي، وفي الطريق نحو الصف الذي لا يبعد سوى أمتار قليلة، يزداد توتري مع كل خطوة أخطوها، وأشعر بحرارة مع رجفة في كل مسام من مسامات جسدي.

أدخل غرفة الصف وأنا أحمل الغنيمة اللعينة، وأشعر بأن الدم قد نزف من أذنيّ المحمرتين خجلا وارتباكا، فينظر إليّ أبناء صفي، أشعر بأن نظراتهم الممزوجة بالغبطة أو الحسد أو الفضول سهام تخترقني، تحيلني إلى سائل هلامي، فأسرح بخيالات بعيدة، وأتوهم أشياء جميلة وقبيحة؛ لكنها بعيدة عن الموقف.

ينصحني أحدهم أن أضع البلوزة-الغنيمة في حقيبتي المدرسية، ينهر المعلم التلاميذ لانشغالهم بي واستدارتهم نحوي، أجلس، فيتبرع جاري بمساعدتي في حشر البلوزة في الحقيبة، فتصبح حقيبتي أكبر من حجمها ومنظرها يلفت الأنظار.

خجلي لا يبرد، إنما تكوّمت في مقعدي وطأطأت رأسي، لعل التلاميذ أو المعلم ينسون، نظراتهم المشفقة والحاسدة والفرحة التي تحطمني، تجعلني أتناثر كحبيبات سبحة انقطع خيطها الناظم، ألملم الحبيبات بجلستي محني الظهر خافض الرأس محملقا ومتشاغلا بما تحت يدي، دفتر أو كتاب أو قلم.

مشكلتي وقتها أنني أمقت نظرات العطف والشفقة، تحت أي عنوان كان، ولأن هذه البلوزة تجسّد رمزا لليتم، وللفقر، أو لتعاطف ومعاملة خاصة معي، فلن ألبسها في اليوم التالي، وأصلا هم أعطونيها في نهاية الشتاء وبداية الربيع، فلبستها بعد مدة، حين قدرت أن الموقف برمته قد نسي، وحين لبستها خضت جدالا مع أمي، التي كانت تقول هناك دول تتسول، وأنت لم تتسول. وكانت أمي قد اشترت لي بلوزة أفضل منها، وأغلى ثمنا بالطبع.

كان هذا في النصف الأول من ثمانينيات القرن الماضي في مدرسة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).
واليتم شيء صعب، خاصة في ذلك الزمن، وفي بيئتي المحيطة تحديدا؛ ويزداد صعوبة وتعقيدا، حين تكون وحيدا لأمك، التي تدللك، وتحرص على أن تظهر بمظهر أفضل بوضوح ممن لم يذوقوا اليُتم، فهذا سيجلب لك غيرة، لا تقوى على تحمل تبعاتها، تتحول إلى حسد يمتزج أحيانا بغلّ، فتتلقى من الإهانة والضرب ما لن ينفع معه تدخل أحد المارين صدفة "حرام هذا الولد يتيم".
ليس اليتم فقط بل الوحدة وقلة (العزوة) تزيد معاناتك، فإذا أضفت لها شيئا من التفوق في الدراسة، فأنت في موقف لا تحسد عليه، خاصة إذا كانت أمك غرست فيك الاعتماد عليها لصدّ العدوان عنك، سيضربونك ويقولون بسخرية هس روح احكي لأمك.. روح اشتكي للأستاذ.

وحقيقة كان الأساتذة يردّون عني الاعتداءات بشدة حين أشتكي لهم، ويعاقبون بضرب يجعلني أشفق أحيانا على من آذاني، ولكن ماذا لو كانت الاعتداءات تفوق قدرتك على الشكوى عنها جميعا؟
سيقودك هذا إلى عالم خاص بك، موازٍ بالضرورة، وممتزج أحيانا مع العالم الحقيقي، وستكوّن مجالا خاصا بك قد يبدو غريبا، أو غير واضح لمن لا يتأمله، ومع أن أمي كانت من النوع الذي يسمى (الهليكوبتر) في تصنيف الآباء والأمهات؛ أي التي تحضر بكثافة في حياتي، بمتابعة ومراقبة وتدخل في كل صغيرة وكبيرة؛ لكن مجالي الخاص، ولو كان محدودا في مخيلتي، وما يمكن سرقته من وقت بعيدا عنها وعن العالم أجمع كان مجهولا بالنسبة لها، وهو المجال والحيّز الذي مكنني من الوقاية وتجاوز ما يمكن أن يصاب به من هو في وضعي من اكتئاب أو مجموعة من الأمراض والعقد النفسية.

قبل دخولي المدرسة كنت أقف وألعب مع مجموعة من الأولاد في عمري أو أكبر قليلا، قاموا بوضع ثعبان مقتول مربوط بسلك معدني على (سنسلة) عجوز تعيش وحيدة، ولما خرجت وسألت من فعل هذا؟ أمسكوا بي، وهم يضحكون بلؤم وتشف ها هو ها هو، فتلقفتني منهم بغضب شديد، وبدأت بضربي، لم يكن ألم الضرب بأقل من خوفي من منظرها، فالوشوم تملأ وجهها مع تجاعيد حفرتها السنون، وصوتها كان مرعبا، وفوق كل ذلك ما يمكنك تخيله حين ترى من أسلموك لها ينظرون لك، وهم يضحكون، وكأنهم تلقوا هدايا العيد، لربما كنت سأكون في حالة نفسية أفضل قليلا لو أنني فعلا شاركت في وضع الثعبان المقتول على جدار بيتها (السنسلة)، وبعد أن تعبت من ضربي هرعت باكيا إلى أمي، وبالكاد فهمت ما جرى، فأخذتني إليها، وهي تبكي وتشرح لها حرام عليكِ، هذا ابني ما ليش غيره، وهو ابن فلان الذي كيت وكيت، والأولاد أغروك به فانظري.. العجوز-رحمها الله- شعرت بندم شديد ربما يوازي ما سببته لي من خوف وألم، فأقبلت نحوي تحتضنني وتقبلني، وهي تقول يا ويلهم من الله غدروك.

حاولت إرضائي بإطعامي شيئا من ثمار شجر في حاكورة منزلها، رفضت الأكل، فأخرجت قطعة نقود معدنية حاولت أن تعطيني إياها، وبضغط من أمي أخذتها، واعتذرت العجوز بشدة من أمي، مع أيمان مغلظة بأنها لو كانت تعرف وضعي لما آذتني، ولو بكلمة، حتى لو هدمت الجدار، وتوسلت لأمي أن تكف عن الدعاء عليها، وأن يقتصر دعاءها على الأولاد الغادرين.
هذه الحادثة مضى عليها حوالي 42 سنة، وما زلت أتذكرها كأنها الآن. الغريب أنني لم أتحول إلى كائن متشكك بكل من حوله بسببها، ولا حقدت على العجوز، ولا على من قاموا بغدري بهذه الطريقة اللئيمة.

لكن الشيء المؤكد عندي أن ما يقال مطلقا عن (براءة الأطفال) يحتاج إلى إعادة نظر، وأن اليتم وعدم وجود شقيق (ذكر) لي أمر متعب للغاية، وسبب الكثير من المحن والمشكلات لي، ربما كانت قصة العجوز من بواكير تلك الإحن والمحن.
هذا الاستحضار للذكريات، والتي فكرت في جمعها في كتاب مطبوع، يدفعني لنشرها شعور طاغ يجتاحني هذه الأيام، وأنا الذي تجاوز مرحلة اليتم، وأصبح أبا وربّ أسرة، بأنني بحاجة إلى أبي، وأزيد أنني كلما تقدمت في السن أشعر بلسعات اليتم.. اللهم ارحم أبي واغفر له، واشف أمي وخفف عنها مرضها.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة