لماذا سبقت حماس إخوان مصر سينمائيا؟

عبد المنعم مدبولي
كان للإخوان المسلمين مسرح، ومن أشهر الفنانين الذين اعتلوا منصته الممثل الراحل عبد المنعم مدبولي (مواقع التواصل)

سبق وأن نشرت مقالا هنا عن الممثلين قبل عامين تقريبا.

المشخصاتي لن يقدر على تطهير دنس الاستبداد

لكن الآن سأتحدث عن الموضوع من زاوية مختلفة، في زمن صار فيه عدد المنتجات التلفزيونية والسينمائية ينافس عدد الكتب المطبوعة.. هذا غير ما يكتب ليكون رواية مطبوعة للقارئ، ثم تجد طريقها نحو التحول إلى مسلسل أو فيلم.

"قيامة أرطغرل".. صدمة وتغير

أرطغرل بن سليمان شاه.. لم يكن العرب -وربما غيرهم- يعرفون عنه سوى أنه والد عثمان الأول مؤسس السلطنة العثمانية؛ إذ كان شخصية مجهولة تذكر في سطر من تاريخ طويل. والمصادر التاريخية -عموما- لا تتحدث عنه كثيرا، وثمة خلاف حول تفصيلات سيرته الذاتية.

ولكن المسلسل التركي المعروف "قيامة أرطغرل" الذي وجد طريقه نحو البيوت العربية -مترجما ومدبلجا- أحيا هذه الشخصية في نفوسهم، ومن كان منهم مهتما بالنبش في التاريخ والأحداث، هرع إلى مراجعة المصادر المختلفة، ومن لا يهمه الأمر اكتفى بالمتابعة بلهفة وحماسة وتشويق.

وفي كلتا الحالتين يعد المسلسل ناجحا؛ لأنه جلب اهتماما وبحثا عن حقبة تاريخية معينة وما يتعلق بها من شخصيات ومؤامرات وحروب وصراعات وأحداث وطبيعة، ونمط عيش كان قبل 8 قرون.

لوحظ أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يهتم شخصيا بالمسلسل، وزار موقع التصوير، وحضر مراسم زفاف بعض ممثليه، ويشاع أن حزب العدالة والتنمية -الحاكم في تركيا- هو من مول هذا العمل الضخم الذي حصد مشاهدات حطمت أرقاما قياسية.

لست هنا لأناقش المسلسل أو أعلق على أحداثه، ولكن لتأكيد حقيقة الصدمة التي أحدثها المسلسل في جموع الإسلاميين وأنصارهم وأحبتهم من عدة زوايا عدة ومنها موضوع هذه المدونة: تأثير الدراما التلفزيونية يستخدم بفاعلية من تركيا -التي بعد نجاح الثورات المضادة- صارت ملاذا سياسيا وفكريا لهم، وأصبح رئيسها محبوبا عندهم، ويتأثرون به إلى حد ما، وسبقهم بأمر إما أنهم أهملوه تماما، أو زهدوا فيه، أو نفروا منه لأسباب معروفة.. أو يئسوا من إمكانية ولوجهم إياه تماما.

بعض مقاطع المسلسل كانت حديث بعض المشايخ في دروس وخطب جمعة ومحاضرات وندوات ومقالات، ولو من زاوية الإشادة بتركيا بتوظيفها الفن إيجابيا أو للإسقاط على الواقع، أو للتأكيد على أنهم ليسوا ضد الفن والتمثيل ما دام لا يتعارض مع الشرع.

علاقة مرتبكة مع الفن

كان للإخوان المسلمين مسرح ومن أشهر الفنانين الذين اعتلوا منصته الراحل عبد المنعم مدبولي وهذا في المراحل الأولى لتأسيس الحركة/ الجماعة، ولكن تم طمس هذه الجزئية من تاريخ نشاط الإخوان في مصر بقصد، كما يبدو! وقد تأثروا لاحقا بالتيار السلفي الذي حرم الفن، وتطرف بعض أقطابه وقالوا بحرمة التصوير عموما.

وانتشرت "موضة" الاحتفاء الإخواني -والإسلامي عموما- بالفنانات التائبات اللواتي ارتدين الحجاب واعتزلن الفن وأشهرهن شمس البارودي، ولكن لم يدرك الإسلاميون أن صناعة الفن السينمائي والتلفزيوني صارت ورشة كبيرة تسير كسفينة ضخمة لا يعوقها موج بسيط، وأن من يلتحقن بهذه الورشة عددهن كبير جدا مقارنة مع من يتركنها، وبعض من تحجبن عدن إلى التمثيل، وحتى بعضهن نزعن الحجاب!

أما خصومهم أو أعداؤهم فقد أدركوا حجم وتأثير الفن في صياغة وعي الناس وتوجيهه، فكان منهم من يكتب الروايات، في زمن كان المرقوم فيه وسيلة ثقافية ومعرفية وتعليمية معتبرة وشبه وحيدة، ويقوم آخرون بتحويلها إلى فيلم أو مسلسل… وطبعا بسبب خلفية القوم العلمانية وأحيانا الملحدة سيكون المنتج مستفزا ولا يراعي أي اعتبار للمعايير الشرعية، ويركز على العلاقات غير الشرعية بتزيين شيطاني خبيث، ويظهر شرب الخمور بطريقة عادية وكأنه ليس محرما، وأما عن مشاهد العري فحدث ولا حرج.

كان الإسلاميون يكتفون بالنقد والتحذير مما يعرض في السينما أو التلفزيون من أعمال فنية، وأثرها السلبي التدميري على المجتمع والأسرة، ولكن ورشة صناعة الفن كانت أقوى من كل المواعظ التي يطلقها الإسلاميون، فالنفس البشرية عموما تميل إلى اللهو والتسلية، بل حتى تم تضييق نطاق ومساحات الوعظ، لأن منابر المساجد صارت تخضع لتوجهات المؤسسات الدينية المعنية من أجهزة الأمن التي تفرض عليها رؤيتها.

واستخدمت بعض الأنظمة العربية المسلسلات والأفلام لتمرير رؤاها السياسية، وترسيخ استبدادها؛ صحيح أن بعضها كان مستفزا وفجا مثل فيلم "الإرهابي" الذي قام عادل إمام ببطولته، وعرض في زمن المواجهة بين نظام مبارك وتنظيم الجماعة الإسلامية، ولكن بعضها اتبع تكتيكا ذكيا يعتمد الجرعات الخفيفة المتراكمة، مثل بعض المشاهد والحوارات في أعمال الكاتب أسامة أنور عكاشة.

ولا أقول إن الأنظمة حققت نجاحا تاما في هذا الحقل؛ إذ إنها اعتمدت التنميط والسخرية والمبالغات الحادة في المواد التي تستهدف الإسلاميين وعموم المتدينين… ولهذا حديث يطول شرحه وقد أكتب عنه مستقبلا.

ولكن المحصلة أن الإنتاج السينمائي والتلفزيوني ظل معاديا لأفكار الإسلاميين، بل يتناقض في كثير من مظهره وجوهره مع الإسلام، أو لا يجعل الإسلام محورا مرجعيا، بل كأن المواد المعروضة تتحدث عن مجتمعات أخرى… مع استثناءات قليلة أشبه بواحات صغيرة في صحراء شاسعة ممتدة، مثل فيلم "الرسالة" الذي ما زالت الأجيال تشاهده مع أنه مضى على إنتاجه ما يزيد على 4 عقود، أو مسلسل "لا إله إلا الله" الذي يقال إن ماسبيرو لم تنتج مثله في تاريخها القديم والجديد، ولكن الأجيال الجديدة لا تعرفه عموما مع أنه متوفر على الإنترنت، وربما تعيد بعض القنوات بثه.

ولوحظ بعد الثورات المضادة إحكام الجهات الأمنية قبضتها بوضوح -وبلا رتوش- على صناعة الفن السينمائي والتلفزيوني بفجاجة غير مسبوقة.

صحيح أن دهاقنة الثورات المضادة لم ينجحوا في كل مساعيهم، ومنها امتصاص تأثير مسلسلات تركية تاريخية على رأسها "قيامة أرطغرل"، فمولوا وبثوا -مستعينين بمخرج بريطاني- مسلسل "ممالك النار" وكانت تكلفته 40 مليون دولار. وبالطبع، كان فشلهم ذريعا بسبب المحتوى الذي طال رموزا من سلاطين العثمانيين لها اعتبارها، وصوروا المماليك -وهم غالبا أتراك مثل العثمانيين- على أنهم يمثلون الوطنية المصرية الحديثة!

ولكنهم يضخون على مدار الساعة، خاصة في شهر رمضان المبارك كثيرا من الأعمال التي تضع السم في الدسم، أو تحمل رسائل سياسية واجتماعية وفكرية مباشرة وصريحة أحيانا، وبالتورية أحيانا أخرى.

البنت تتفوق على الأم!

كتب القيادي البارز في حركة حماس الدكتور محمود الزهار سيناريو فيلم روائي أنتجته شبكة الأقصى التابعة للحركة عن عماد عقل -أحد أبرز قادة كتائب القسام الذراع العسكري للحركة- الذي اغتالته قوات الاحتلال الإسرائيلي في مثل هذه الأيام سنة 1993. وقد عرض العمل على شاشة تلفزيون الأقصى، ومواقع الإنترنت عام 2009، والقيادي نفسه كتب سيناريو فيلم روائي آخر "عاشق البندقية" يتناول سيرة الشهيد القسامي عوض سلمي، وعرض عام 2012، ناهيك عن مسلسل كارتوني يصلح أن يشاهده الكبار والصغار عن سيرة الشيخ الشهيد أحمد ياسين.

وحماس هي بنت أو فرع الإخوان المسلمين في فلسطين، ويبدو أن البنت تفوقت على أمها في حقول عدة منها هذا الحقل. والذرائع مدحوضة سلفا، فقطاع غزة الذي كتبت وصورت وأنتجت فيه هذه الأعمال محاصر، والإمكانيات محدودة للغاية، ولكنها خطوة متقدمة جدا.

ولكن مع ذلك، فإن حماس -ولو أنها إخوان مسلمين- قضيتها المركزية، وانشغالها بمسألة المقاومة والحشد والتجييش باتجاهها، وتمجيد رموزها، واستخدام الفن يندرج في هذا الإطار؛ والدليل ما تحدثت عنه من أعمال أنتجتها مؤسسات الحركة، وهذا شيء طبيعي. ولكن ماذا عن الإخوان الذين يقدمون تصورا نظريا شاملا حول رؤيتهم للفرد والأسرة والمجتمع والدولة وغيرها؟ أين هم من هذا المجال؟

فهل سيقوم الإخوان بتشجيع عناصرهم وأنصارهم على دراسة الإخراج والإنتاج السينمائي والتمثيل في معاهد مختصة؟ وماذا بعد تلك الخطوة، لو مشوها فعلا؟

لهذا حديث آخر إن شاء الله تعالى.