السخرية والنِّكات لا تزحزح عرش الطاغية

تحويل المأساة أو الوضع البائس أو الظرف السيء إلى مادة فكاهية صار ظاهرة شائعة عربيا، ولا يهمنا هنا الحال عند أمم وشعوب أخرى، فقد بات كل قرار أو ممارسة سياسية أو قرار اقتصادي لا خلاف بأنه خطيئة بل جريمة، مادة خصبة للتندر وهناك من يبدع ويحترف في تحويلها إلى مادة للضحك؛ سواء عبر رسوم كاريكاتورية أو عبر برامج ما يعرف بـ (التوك شو) أو باستخدام مقاطع من مسرحيات كوميدية معروفة أو أفلام.

 

وبلا شك، هذه الظاهرة/المسلك تهدف أساسا إلى التعبير عن رفض السياسات ومن يصنعها، والسخرية منهم بهذا الأسلوب، عبر جعل الاهتمام بالشأن العام متاحا للجميع ومحل متابعة واسعة من كافة طبقات المجتمع من بوابة الكوميديا، باعتبار أن تقديم الأمور بقالب جديّ لن يجد اهتماما إلا من قلة نخبوية؛ وبالتالي لربما كانت رسالة القائمين على التعبير عن الرفض لسياسات النظم ورموزها، نشر حالة من الوعي بسوء الأحوال في قالب فكاهي، أو ما يمكن أن نسميه (المضحك المبكي).

 

ولكن السؤال المشروع والملحّ بعد أن صارت الظاهرة عامة ومنتشرة ولا يكاد أحد لا يتابع ولو نزرا يسيرا منها، ويمكن لمن يمتلك بعض المهارات الشخصية والمعرفة التقنية أن ينخرط بسهولة في سياقاتها، هو: هل أسلوب قلب المآسي والآلام والظواهر والمظاهر السيئة والظروف الصعبة إلى مادة تستدعي الابتسام أو القهقهة من قبل عامة الناس وخاصتهم تقود إلى حراك نحو التغيير الثوري أو الإصلاح ولو بالحد الأدنى، أم أنها في حقيقة الأمر تؤدي إلى التمييع واللامبالاة، والأهم تؤدي إلى التنفيس السلبي وتفريغ شحنات الغضب الكامنة في الوعي الباطن والظاهر للناس، مما يجعلهم يكتفون بالسخرية عبر منابرها(فضائيات وقنوات يوتيوب ومواقع التواصل وغيرها) وكأنهم بهذا قاموا بما ينبغي منهم، فيمرون عن الظرف السيء إلى ظرف أسوأ ومن وضع بائس إلى أوضاع أكثر بؤسا، سيكون مادة جديدة للسخرية والنكات والضحك، ربما بقوالب أكثر احترافية؟!

استدعت الأحداث الصعبة على الساحة العربية ردات فعل انعكست على الفنون والشعر والآداب المعبّرة عن الرفض والغضب والدعوة المبطنة أو الصريحة إلى التمرد والثورة

أعلم أن الإجابة عن السؤال لن تكون واحدة، وهذه مسألة خلافية تتنوع وتتعدد الآراء حولها، ولكن إذا كانت التجربة أكبر برهان، فإننا بعد هذا الزمن الطويل يمكننا القول بثقة: إن تعميم السخرية والنكات والفكاهة بحيث تكون ردّا تلقائيا يتيما على أي إجراء أو مظهر من مظاهر الظلم والفساد والاستغلال…ومؤخرا التطبيع مع الصهاينة، ليست في واقع الأمر إلا مادة مخدرة، أو ما يشبه (مانع الصواعق) أو لعلها نوع من التعبير الضاحك عن الفشل والعجز وقلة الحيلة، وهي لا تؤدي إلى حالة وعي حقيقي يقود إلى تغيير أو محاولة تغيير الواقع المتخم بكل ضروب وأصناف الظلم والاستبداد والخراب والذلّ والتبعية.

 

ويجب علي هنا التنويه إلى حبي للفكاهة وتبادل النكات، بل حتى مظهري الخارجي قد يوحي بذلك؛ لدرجة أن ابني يقول لي: بابا وجهك ضاحك! وأحد الأصحاب أخبرني بأن أولاده سألوه: لماذا صاحبك هذا دائم الابتسام؟ أقول هذا كي لا يبدو المقال من دوافع شخصية تجهميّة مفرطة في الجدية أو عبوس يراد تعميمه…وغني عن القول بأنني أتفاعل وأضحك مع المواد التي أسلط الضوء عليها هنا، فالأمر ليس شخصيا.

الفن والشعر الغاضب

استدعت الأحداث الصعبة على الساحة العربية ردات فعل انعكست على الفنون والشعر والآداب المعبّرة عن الرفض والغضب والدعوة المبطنة أو الصريحة إلى التمرد والثورة، والجيل السابق لجيلي اندمج مع أشعار وقصائد لشعراء من مختلف البلدان منهم مثلا الشاعر العراقي (مظفر النوّاب) الذي حملت قصائده نقدا قاسيا لاذعا للساسة والسياسات والحكام والمحكومين والأحزاب؛ وغدت قصائد مظفر أو مقاطع منها تتردد على الألسن وتحفظ عن ظهر قلب، وبعد توجه الشاعر السوري (نزار قباني) إلى الشعر السياسي جزئيا، وهو (شاعر المرأة) بامتياز اندمج الناس مع قصائده في سياق الشعور بالغضب أيضا.

 

وفلسطينيا كانت قصص (غسان كنفاني) التي صوّرت النكبة والمقاومة أشبه بديوان يستفز الوعي الثوري، وبعدها برز رسام الكاريكاتير (ناجي العلي) الذي ظلّت رسوماته حيّة تتناقلها الأجيال حتى الآن، وصار (حنظلة) أيقونة فلسطينية ابتكرها ناجي فصارت رمزا للنكبة وعربدة الأعداء وخلافات الإخوة ومؤامرات القريب والبعيد، وأيضا علامة الصبر والصمود والنقاء الثوري. واستمرار صلاحية رسومات ناجي العلي حتى الآن لها أسباب عدة منها تمتعه بذكاء استشرافي جعل رسوماته تعبر عن الواقع المؤلم في محطات مختلفة حتى بعد اغتياله في 1987.

دعكم من الغرق في السخرية والنّكات في التعامل مع طبائع الاستبداد، ولتكن كالملح على الطعام، أو السكر على الشاي كحد أقصى فقط.

وهذا يقودنا إلى الحديث عن صديق الرسام المبدع وهو الشاعر العراقي (أحمد مطر) والذي عاش كصديقه في الكويت ولندن؛ ولقد عرف جيلي (أحمد مطر) عبر (لافتاته) المتسلسلة اللاسعة لجذور الوعي، المحفزة على رفض الظلم والتمرد عليه، وكان بحق يقول ما نريد قوله بفصاحة حاذقة معبرة كاشفة، النماذج المذكورة وغيرها، لا تخلو من سخرية جادة، مثلما هو حال الثنائي أحمد الفاجومي والشيخ إمام، ولكنها تظل منضبطة رسالتها ثورية لا تنفيسية ترفيهية، أو أنها أشبه بملح الطعام أو البهارات، ولكنها –السخرية والفكاهة- لا تحوز على مجمل المادة المقدمة إلى الجماهير.

مرحلة طغيان الفكاهة

ولاحقا حين وصلنا إلى مرحلة تعميم السخرية، صارت (القفشات) و(الإفيهات) هي (الطعام) الأصلي وما بقي بهارات خفيفة، بل لا تكاد توجد إلا السخرية والفكاهة، وحتى لو شبهنا النّكات بأنها سكر وليس ملحا، فإن أي مشروب يزيد فيه السكر عن الحد يصبح غير مستساغ. ومن ناحية أخرى فإن أكابر المجرمين والطغاة قديما وحديثا قد راقت لهم فكرة/لعبة إشغال الناس أو امتصاص غضبهم بإطلاق النكات والسخرية لتفريغ الغضب والسخط وتثبيط العوامل التراكمية للثورة على ظلمهم في النفوس، بدليل أننا رأينا طائفة من مبدعي السخرية من الواقع ينحازون عند ساعة الجدّ إلى الطغاة ويدافعون عنهم باستماتة منفرة.

 

ومن هؤلاء مشخصاتية (ممثلين) وكتبة أحدهم سطّر كتابا كاملا عن سخرية شعبه من حكامه، فانظر إلى تصريحاتهم ومقابلاتهم الآن، بل انظر إلى متانة علاقاتهم بالمستبدين وأجهزتهم التنفيذية! لا أقول بأن كل من يسخر ويستخدم الفكاهة له ارتباط بمنظومة الاستبداد وينفذ بالضرورة سياسة الامتصاص والتنفيس المدروس والتخدير المتواصل؛ فهناك من رؤوسهم مطلوبة للأنظمة بسبب هذه السخرية في البرامج والأنشطة على مواقع التواصل، ولكن المشكلة أن الفكاهة والسخرية لم تفجر ثورة، ولم تصنع وعيا جميعا حقيقيا يمكن التعويل عليه. وأيضا فإن الساخرين المنتسبين إلى مدارس سياسية وفكرية مختلفة، ويجمعهم رفض الاستبداد-كما يفترض- ينشغلون أحيانا بمناكفة بعضهم وتحويل دفة السخرية أحيانا ضد بعضهم بعضا، بسبب عدم رضا طرف منهم عن أداء الطرف الآخر، أو عدم قناعة هذا الطرف بتحليل ذاك الطرف للأوضاع، فيصبح حالهم هو المضحك في غرف مراقبة الطاغية حين يراهم يتراشقون مواد السخرية فيما بينهم.

 

أعلم أن هذه السطور لا تكفي لتغيير نهج وظاهرة تضخمت منذ سنوات، وتضم إعلاميين وبرامج وقنوات فضائية وحسابات على مواقع التواصل لها جمهور يقدر بالملايين، والذين لن يقرأ أغلبهم هذه الكلمات، ولكن لن أضيع أمانة التحذير والمحاولة وسأقرع الجرس وأقول: دعكم من الغرق في السخرية والنّكات في التعامل مع طبائع الاستبداد، ولتكن كالملح على الطعام، أو السكر على الشاي كحد أقصى فقط.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة