صحافة الذهب.. عشق ولّى و ذهب

أحد الكتبة في صحيفة ورقية فلسطينية قبل حوالي خمسة عشر عاماً انتقد بشدة الصحافة الإلكترونية وتحديداً المواقع الإلكترونية التي تنشر مقالات رأي وتتيح للقارئ  التعليق، ومدح هذا الكاتب الصحافة والصحف الورقية لأنها ـ برأيه ـ أكثر ضبطاً لأنه ليس كلّ من هبّ ودبّ يكتب على صفحاتها ولأنها لا تتيح التعليق المباشر لكل من أراد ذلك، وخلص ضمنا إلى أن الصحف الورقية هي الذهب والفضة والورقية لن تصل إلى مرتبة النحاس والقصدير, ووصف المواقع الإلكترونية في ذات المقالة بأنها (تتكاثر كالفئران) نعم؛ بهذا الوصف حرفياً صبّ الكاتب جام غضبه على الصحافة والمواقع الإلكترونية…ولست أدري هل مدّ الله في عمر الكاتب ـ نسيت اسمه ـ ليرى أن الصحف الورقية تقاوم مقاومة الغريق للحفاظ على وجودها, ليس فقط صحيفته التي كتب بها ما كتب؛ بل كبريات الصحف الورقية العالمية التي كانت تقدر ميزانياتها بالملايين وكانت تجني من الإعلانات أرباحاً طائلة, وكانت تلعب دوراً مركزياً في صياغة الرأي العام وتوجيهه… هل رأى الكاتب ذلك ؟ وماذا كان رأيه ؟

 ذكريات الصحف الورقية

أنا من جيل مخضرم؛ ولهذا حديث آخر، إن شاء الله تعالى، فيه تفصيل أكثر؛ وعلى كل حال فإن نظرة جيلنا إلى الحياة السابقة لا تتصف بحالة (نوستالجيا) خالصة، ولكن هي مشاعر كثيرة تختلط مع وضع ميزان براغماتي يمتزج بخليط من عواطف غامضة.. وفيما يخص موضوعنا فقد كانت الصحف الورقية أو الجرائد لها قيمة كبيرة من حيث المعلومات والأخبار والإعلانات، فمثلا كان أهل الميت الذين يريدون إكرامه إكراما فوق إكرام الدفن، ويحبون إظهار الوفاء بغض النظر عن نواياهم، ينشرون له نعياً في تلك الصحف وسعر نشر النعي يختلف في صفحة (الوفيات) عنه في الصفحة الأولى مثلاً، فنشر نعي في الصفحة الأولى ربما يعادل أحيانا عشرة أضعاف النعي في صفحة الوفيات! وكان هناك من يكرر النعي عدة مرات ويختمه بإعلان (شكر على تعاز) لاحقاً، ولم يكن نشر النعي يقتصر على أهل الميت المباشرين؛ فهناك طائفة من الأقارب والأصهار والأصدقاء ينشرون تعزية من باب ما يرونه مجاملة واجبة…وكان هناك رسالة مضمرة: إن عدد نشرات النعي والتعزية في الصحيفة الورقية تنم عن (أهمية) الميت أو مكانة ذويه الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية!

 

وجاءنا وقت لم يعد السواد الأعظم من الناس حِراصاً على نشر النعي في صحف ورقية، فيكتفون بنشر النعي على مواقع التواصل الاجتماعي خاصة (فيسبوك) والذي صار مصدراً موثوقاً لمعرفة هذا النوع من الأخبار وغيرها من الأمور الاجتماعية، أما أخبار عقد قران المهذّب فلان على الآنسة المهذبة فلانة في حفل(بهيج) فكانت في صفحة الاجتماعيات، وهي ذات الصفحة التي كانت تحوي التهاني بالنجاح والتفوق لفلان أو فلانة في التوجيهي أو اجتيازه مرحلة البكالوريوس أو الماجستير أو الدكتوراه…مع مرتبة الشرف الأولى دائما! وهذا أيضا زمان ولّى وصار يمكنك أن تقوم بكاميرا جهاز الهاتف النقال تصوير شهادة ابنك أو ابنتك في الروضة أو البستان أو التمهيدي صعودا إلى كل المراحل بعدها ونشرها على صفحتك مجانا وتتلقى التعليقات المهنئة من الأصدقاء والأقارب، في الوطن والمهجر.

 

أهذا كل شيء أتذكره عن الصحف الورقية؟فقط نعي الموتى وتهنئة المخطوبين والناجحين؟لا بالتأكيد، فأنا لي مع الصحف الورقية حكاية طويلة، والزاوية الوحيدة التي كنت أتجاهلها  هي الزاوية الرياضية، وهي غالبا صفحتين، عدا بعض المواسم، مثل شهر رمضان مثلا…أما الكلمات المتقاطعة فقد كنت أحاول حلها كاملة ولكن قلّما نجحت في ذلك بنسبة 100% ولكن كنت أحرص على مراجعة الحل المنشور في اليوم التالي…هل هذا كل شيء؟ لا، فقد بدأت أتقوّى في قراءة النصوص المطبوعة بلا تشكيل من الصحف، وهذا الأمر سهل عليّ كثيرا قراءة كتب المقرر الدراسي في شتى المراحل وقراءة الكتب والقصص والروايات في مراحل أخرى، ناهيك عن زيادة عدد مفرداتي وحصيلة معلوماتي.

 

وكانت الصحيفة الورقية هي مصدر أخبار مركزي مهم؛ مع أن الصحف الورقية عادة تنشر الخبر بعد وقوعه أحيانا بيوم كامل لطبيعة توقيت الطباعة والأخبار وما شابه، ولكن التقرير والتحليل وأحيانا مقال الرأي حول خبر ما كان وسيلة مهمة للمعرفة الميدانية والمتابعة للشأن السياسي، ولم أكن بعيدا عن قراءة الأخبار(الطريفة) والغرائب من العالم، ولعل غالبية من اهتم بالصحف الورقية أو تابعها لم يكن يهمل هذه الزاوية، وهي أحيانا ولسنوات كانت أسبوعية لا يومية بحيث ننتظرها بشوق لذيذ!

نحو الكتابة في صحف ورقية

المقالات في الصحف الورقية كانت لفئة محدودة من الكتبة؛ فبعضهم ثابتون أي لهم زوايا يومية أو أسبوعية، وآخرون تنشر مقالاتهم في فترات زمنية غير محددة، ومتباعدة، وقد تعرفت على أسماء كتبة عرب وغير عرب (مترجم لهم) وربما تأثرت في محاولات الكتابة الأولى بخليط من أساليبهم، وأعجبت ببعضهم، واستثقلت أسلوب بعض آخر، ورأيت بعضهم يقول ما في نفسي تماما، ولكن كان نشر المقال في الصحيفة الورقية أشبه بدخول قلعة محصنة، من يدخلها يجب أن يخضع لإجراءات كثيرة وتفتيش دقيق، وقد يطلب منه التخلي عن شيء وحمل شيء آخر بدلا منه…أو هكذا رأيت الأمر في مرحلة الصبا والفتوة وبواكير الشباب.

كنت دوما أرى أن الأمر متعلق بتطور الأدوات التي يبتكرها الإنسان عبر تاريخه، فهو الذي كتب على الطين والصخور والعظام وورق البردي والأوراق المختلفة التي كان منها ما يختص بالكتب وما يختص بالجرائد وصولا إلى ما نراه على هذه الشاشات

ولكي أقتحم هذه القلعة يجب أن أطوّر أدواتي اللغوية وحصيلتي المعرفية، وأسلوبي في التعبير، كي أكون مقنعا لحرّاس باب القلعة كي يسمحوا لي بالدخول إليها…وأحيانا كان اليأس ينتابني فأحسب أن القلعة أوصدت على من فيها فقط، لأن الأسماء أمامي لم تكن تتغير، حماسة غريبة انتابتني لنشر مقال سياسي أو أدبي أو حول مسألة شرعية في صحيفة ورقية، وحتى حين بدأ عصر الإنترنت، وأزعم أنني من أوائل من تعامل مع هذه الشبكة من أبناء جيلي، وكيف أنها أتاحت للمرء عبر منتديات حوارية مختلفة أن يكتب بحريّة نسبية، كانت عيوني ترنو إلى الصحف الورقية، فبدأت بمراسلتها، في داخل فلسطين وخارجها، والحقيقة أن أول مقالات تنشر لي لم تكن في صحف ورقية في فلسطين، بل في بلاد بعيدة، ولعل هذا حزّ في نفسي، ولكن كنت أتجاوز مرحلة اليأس إلى مرحلة المحاولة؛ فاستخدمت الضغط الذي لا يخلو من استخدام علاقات شخصية، حتى نلت مرادي وفي صحيفة كنت أنظر إليها بإجلال رهيب، وبأنها كما قلت(قلعة) نشر لي حوالي أربعون مقالا، وبعضها في صفحات مميزة…هل أشفيت غليلي وبلغت مرادي بدخول القلعة بعد محاولات كثيرة؟

 

ليس الأمر مما يحمل إجابة مجردة بنعم أو لا؛ فلا شك أنني كنت سأظل أشعر بنوع من الضيق الممزوج بغضب، لو لم أدخل القلعة؛ خاصة أنني صرت أرى من دخلها ليسوا بأبرع مني، وذلك بشهادة من لهم باع وخبرة طويلة، ومن جهة أخرى كان جهدي يزداد تركيزا على النشر في المواقع الإلكترونية المختلفة، المحلية والخارجية، فأنا لم أنظر إليها-الإلكترونية- كما قال الكاتب الذي بدأت الحديث عنه، فقد أدركت أنها ستكون وسيلة معرفة مركزية، ولكن لم أتوقع هذا المصير للصحف الورقية، فلهذه الصحف أو بالأحرى لبعضها حالة عشق تلاشت وذهبت، ولم أنظر يوما إليها على أنها (الذهب) وغيرها(النحاس) فقد كنت دوما أرى أن الأمر متعلق بتطور الأدوات التي يبتكرها الإنسان عبر تاريخه، فهو الذي كتب على الطين والصخور والعظام وورق البردي والأوراق المختلفة التي كان منها ما يختص بالكتب وما يختص بالجرائد وصولا إلى ما نراه على هذه الشاشات…ليس الأمر مقارنة فلكل مزاياه التي نعرف ولا مجال لسردها، ولكن على المرء ألا يتسرع بإعطاء أوصاف قاسية كما فعل الكاتب، وفي ذات الوقت قد تصل إلى معشوقك يوما، ولكن ربما تكون نار عشقك له صارت رمادا!

 

تقبل الله صيامكم… وأعاد الله علينا شهر رمضان ونحن في خير حال.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة