الكتابة باللغة العامية.. هل هو طاعون العصر الحديث؟

امتلأت صفحات أدبنا المعاصر بقول غث وانتشرت بين الأيدي وتناقلتها الألسنة مستحسنة مآربها وأغراضها، وقد اقتحم ميدان الكتابة كثير من مدّعي الموهبة والبلاغة فإذا بضاعتهم مُزجاة وثمار أحاديثهم ثمار معطوبة. وكان مما زاد الأمر سوءًا وربما كان السبب الرئيس هو اقتحام العاميّة لميدان الكتابة واتخاذها لغة يقوم عليها الوصف والحوار، والحقيقة إن هذه الدعاوي لم تكن حديثة العهد بالأدب، إنما ابتدأها أجانب ودعوا إلى تحقيقها منافحين عن العاميّة وطاعنين في أحقيّة الفصحى في التدوين. فمتى بدأ التدوين بالعامية؟ ومن الدّاعى إليها؟

يُعتبر كتاب (هزّ القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف) والذي أُصدر عام 1857 هو الكتاب الأول المؤلف بالعاميّة المصريّة، وقد ألّفه مؤلفه للترويح عن النفوس ولأغراض ترفيهية فضمّنه حكايات من الريف المصري وزجل عاميّ، وأكثر المؤلف من ذكر الألفاظ النابية والمبتذلة من أجل الهدف المذكور آنفًا. وظلت العاميّة يؤلّف بها كتب ومجلات تقصد الفكاهة والإضحاك ولم تتطرّق إلى القضايا الفكريّة الكبيرة أو العلوم والمعرفة، ثم بدأت دعوات تتصاعد من أفواه أجنبيّة تنادي بإقصاء الفصحى الجامدة وتنحيتها جانبّا والإعلاء من لهجات العوام حتى يتسنّى لهم التعلّم والتقدم. وأعزى نفر منهم تأخر المصريين أو العرب إلى لغتهم المتقعّرة وألفاظها الصعبة داعين إلى إفراد العاميّة عن الفصحى، كما سنبيّن لاحقًا.

د. ولهلم سبيتا

امتدت الدعوى فطالت شخصيات مصرية ومفكّرين عظام تبنّوا آرائهم، كرفاعة الطهطاوي مثلاً الذي يُعدّ من أوائل المصريين الداعين إلى العاميّة

يمكن اعتباره الرائد الأول في الكتابة المصرية من الأجانب، فوضع كتابًا في الألمانية عن قواعد العربية العاميّة في مصر وتحدّث عن الصعوبات التي واجهته في إجماع مادة كتابه ذاكرًا أنه لم يجد شيئًا في الأدب العربي مُدوّنا بالعامية إلا النزر اليسير. لذا كان عليه أن يستقي ألفاظها من أفواه متحدثيها، فعمد إلى الأحياء الشعبية بالقاهرة وأخذت تلتقط أذناه الألفاظ والأحاديث ودوّنها على كم قميصه في خفاء حتى لا يرتاب محدثوه فيحجموا عن الإطالة في أحاديثهم أو يعترض مجرى تدفق ألفاظهم.

ورغم ما بذله من مجهودات عظيمة إلا أنه اعترف أن الأمر كان عسيرًا فلم يستطع الإلمام باللهجات المصرية المتعددة فاقتصر على لهجة أهل القاهرة باعتبارها العاصمة. وكان غرضه من الأمر هذا هو تيسير دراسة العاميّة على الجنود والأجانب الذين يجدون صعوبة في التواصل الحي مع العوام، لاختلاف اللغة المدوّن بها كتاباتهم عن لغتهم المستخدمة في حياتهم العامة. ولم يكتفِ بهذا بل استنبط طريقة جديدة في الكتابة العربية وهي باستخدام الحروف اللاتينية وطبّق الأمر في كتابه وأدرج به أمثلة ألحقها بشروح.

ولكوكس
ألقى ولكوكس محاضرة بنادي الأزبكية في مصر عام 1893 دارت فقراتها حول السبب الرئيس في عدم وجود قوة اخترع لدى المصريين وأسباب تخلّفهم من وجهة نظره. وأعزى السبب إلى استخدام الفصحى في الكتابة والقراءة واختلافها عن اللغة الدارجة على الألسنة، واعتبر الفصحى كلغة الأجنبيّة يتعلمها المصري فتُثقل عليه ولا تُعينه على فهم أو إدراك، وتُعجّزه عن الاختراع ومواكبة الأمم. وقد أكّد على موت الفصحى المحقق كما ماتت اللاتينية وإنما هي مسألة وقت وتُدرج في الأكفان. وليؤكّد على صلاحية دعوته وسلامة رأيه قام بترجمة أجزاء من مسرحيات شكسبير إلى العاميّة المصرية، فخرجت على هيئة ثوب مرقّع وصورة مشوهة أفسدت النص وأضاعت المعنى.

وأُضيف إلى أولئك شخصيات أجنبية أخرى ثم امتدت الدعوى فطالت شخصيات مصرية ومفكّرين عظام تبنّوا آرائهم، كرفاعة الطهطاوي مثلاً الذي يُعدّ من أوائل المصريين الداعين إلى العاميّة، لكنّه نادى بها على استحياء، فقصر الأمر وحصره في موضوعات معينة لها علاقة بالشأن العام ومصالح العوام، مشيرًا إلى بلاغة الفصحى ومُطيلًا ومسهبًا في تعداد محاسنها لافتًا النظر إلى أن فهم الدين مُنوطًا بفهمها واستيعابها واتقانها. لكن الأمر وصل مع البعض إلى رغبة في تعديل قواعد أو صكها من جديد كدعوة حسن الشريف في مقاله (تبسيط قواعد اللغة العربية) بمجلة الهلال عام 1938، فاقترح بعض التعديلات النحوية التي من شأنها التيسير على دارس اللغة والمدوّن بها، مثل إلغاء صِيغ جموع التكسير وحذف موانع الصرف وجعل العدد من جنس المعدود.

وقد قدّر المقترِح ما سيؤول إليه اقتراحه بين النّاس وما سيطوله من التوبيخ، وأنه بذلك قد تعدّى على لغة القرآن ولن يحسن ترتيل القرآن أو قراءته قراءة صحيحة، لكنّه رد على مهاجميه بأن هذا لن يغيّر المعنى في شيء ولن يزيد العدد أو ينقص إذا ما وافق المعدود في جنسه. وهكذا أصيبت اللغة بمعامل هدم كانت ترنو إلى تنحيتها وإقصائها عن الحياة العامة، فلم تنل منها الهادمات وما زالت تجود بأطيب الثمار ويانع الثمر.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة