تسليع المشاعر وتسويق الرموز

blogs الهدايا

تباشر الصناعة الإعلانية تربيتنا على تسليع المشاعر، فإن أسر الحبّ قلباً وجب عليه البرهنة على هذا الشعور بسلعة يشتريها. لا تترك الصناعة الإعلانية مجالاً للتردّد، فهي تباشر تعظيم التوقعات في هذا الاتجاه لدى أطراف الآصرة القلبية جميعاً. فالطرف الآخر سيتوقع الهدية ويترقبها، وقد تغدو بذاتها معياراً ممسوكاً باليد لقياس حالة وجدانية غير مرئية في أصلها؛ رغم أنّ أماراتها وعلاماتها قد تكون شاخصة للناظرين.

 

يقع تصوير الإهداء على أنه ضريبة القيمة المضافة على المشاعر، وأنّ التباطؤ في سدادها قد يهدد الآصرة الوجدانية بالفتور. وقد انعقدت مواسم مكرّسة لهذا الغرض مثل يوم فالنتين، الذي يجري فيه تعبئة الحب في قلوب حمراء ينبغي على أصحاب العواطف الجياشة أن يشتروها ويتباهوا بها بين الخلائق. إنّ "عيد الحب" المزعوم هذا ليس سوى يوم للتسوق والاستعراض والتطرف في التعبير المرئي عن المشاعر المفترضة، التي يقع ترميزها في سلعة رائجة قدّمتها الصناعة الثقافية الأمريكية هي قلوب حمراء وتُغرق بها مصانع الصين أسواق العالم.

 

من حيل الصناعة الإعلانية أنها تقعد للمستهلك كلّ مرصد كي تتلاعب بمشاعره في لحظات مخصوصة فتستدرجه إلى فعل الشراء على نحو مباشر أو غير مباشر
من حيل الصناعة الإعلانية أنها تقعد للمستهلك كلّ مرصد كي تتلاعب بمشاعره في لحظات مخصوصة فتستدرجه إلى فعل الشراء على نحو مباشر أو غير مباشر
 

يكتسب الترميز قيمته من مفهوم مشترك يتداوله الوسط المجتمعي عن المعاني الإيحائية والمشاعر المقصودة التي تحملها السلعة، ومن وظائف الصناعة الإعلانية المشفوعة بتعبئة إعلامية وثقافية وشبكية واسعة، أن تباشر إنضاج رمزيات متلاحقة سيندفع السوق إلى تلبية الطلب عليها بسلع شتى.

 

ومن حيل الصناعة الإعلانية أنها تقعد للمستهلك كلّ مرصد كي تتلاعب بمشاعره في لحظات مخصوصة فتستدرجه إلى فعل الشراء على نحو مباشر أو غير مباشر. وهكذا، مثلاً، تترصد الإعلانات لرجال الأعمال في أسفارهم عازفةً على وتر تأنيب الضمير الذي يخالجهم نحو أطفالهم المتروكين في المنزل، و"الحل" لهذه "المشكلة" هو اقتناء هدايا من أصناف مخصوصة يكون الأب معها قد باشر التعويض المادي عن تغيّبه فيختزن مشاعره المكبوتة في سلعة يُفترَض أن ترمز إليها، وقد تغدو الدمية بمنطق الإعلان حلاً بديلاً عن الأب.

 

لا تكتفي الحيلة بالتلاعب بالمشاعر وتكييفها بل إنها تستبق المشاعر بالسعي إلى توليدها. لاستدراجك إلى اقتناء صنف محدد من قهوة العبوات المنزلية مرتفعة القيمة نسبياً، قد تستثير الصناعة الإعلانية شعوراً بمجد يتلبّسك وإحساساً بتفرّد مخصوص يسري فيك، وهنا يقع توظيف رموز المجد والتفرّد في وعي المجتمعات، لبعث هذا الشعور. لم تتردّد "نسبريسو"، وهي الشركة الأبرز في هذه السوق المتعاظمة، في الإتيان بأحد وجوه السينما الأشهر وهو جورج كلوني، كي يرتشف من قهوتها ضمن مواصفات بصرية ولونية توحي بالتفرد والخصوصية. وإنْ أقدم الرجال حقاً على شراء عبوات القهوة هذه فقد يتقمّصون روح جورج كلوني أو قد يأتي ذلك تعلّقاً به من نصف المجتمع الآخر، أو هذا ما تأمله الصناعة الإعلانية على الأقل. فالسبيل إلى تقمّص الرمز بما يحمله من شحنة إيحائية هو اقتناء السلعة، فتغدو العلامات التجارية الساطعة مطلوبة لذاتها أحياناً؛ ولو كان المنتج رديئاً للغاية لأنه مقلّد ببساطة.

 

تتزاحم السلع والعلامات التجارية في عالم يعجّ بالرمزيات، وتعمل الصناعات الإعلانية والإعلامية والثقافية على بسط هيمنة رمزيات محددة على أذهان المجتمعات وتسليطها على وجدانها الجمعي

تتحرك الصناعة الإعلانية في واقع تتعاظم فيه حيَل توليد الانطباعات التي بات تشكيلها وتوجيهها مجالاً تتحرك فيه ظواهر متفاعلة لها تأثيراتها وانعكاساتها، وتجاراتٌ رائجة لا تبور، فمعها يصعد بعضهم على الأكتاف، ومنها يأكل آخرون خبزهم اليومي. لتوليد المشاعر والانطباعات مردود مالي وعوائد محسوبة، فهي تهيمن على وعي الجماهير فتدفعهم إلى شراء ما لا يحتاجونه، وتزيح مزيداً من الكماليات إلى صنوف الأساسيات التي يطاردونها على نفقتهم. فالسلع كما تأتي في مسالك الترويج الإعلاني هي قرينة النجاح أو الفلاح، ولازمة للجمال أو الأناقة، وباعثة على السعادة أو الارتياح. وتتعاظم الهيمنة على الوعي في زمن الشاشات الحاضرة في الأرجاء للعرض والترويج، فتأخذ بالألباب كل مأخذ وتستثير المشاعر والانطباعات التي تنتظم معها الاختيارات والتفضيلات.

 

وبكل ما تتشبّع به من رسائل؛ فإنّ الصناعة الإعلانية وما يعززها في الضخ الإعلامي والثقافي تمنح رشفات الوهم للمجتمعات والأمم؛ بأنها ستبلغ نهاية التاريخ المجيدة إن تماثلت مع طقوس مخصوصة في العيش والسلوك والشراء. فالحياة المثالية المتقدمة تتحقق عبر مدونة سلوك انطباعية يقع تكريسها في وعي المجتمعات، على نحو يشبه إحساس المجد والتقدم الذي تمنحه ناطحات السحاب التي تعلو في دول تستجدي حماية خارجية. تصعد ناطحة السحاب لتوحي بأنّ البلد أنجز مهمته الحضارية وبلغ آفاق السمو في المجالات كافة، لكنّ ارتفاعها في الأعالي قد يكون بديلاً مريحاً عن مخاضات التقدم الحضاري ذاتها.

 

تتزاحم السلع والعلامات التجارية في عالم يعجّ بالرمزيات، وتعمل الصناعات الإعلانية والإعلامية والثقافية على بسط هيمنة رمزيات محددة على أذهان المجتمعات وتسليطها على وجدانها الجمعي. ليس من عجب بالتالي أن يندفع شبان الأحياء البائسة، مثلاً، إلى اقتناء سلع مخصوصة وعلامات تجارية بازغة ولو كانت مقلّدة؛ تعبيراً منهم عن الانتماء إلى فردوس أرضي رسمته الصناعات الإعلانية والثقافية في مخيلاتهم. من هؤلاء من يبتلعهم البحر المتوسط كل ليلة خلال رحلة الإبحار من سواحل أفريقيا على أمل ملامسة الفردوس الأرضي المشعّ بالرمزية، الذي يبدأ مثلاً مع جزيرة لامبيدوزا الإيطالية التي لا تبعد سوى سويعات من الإبحار بمركب متأرجح من ميناء المهدية التونسي.

 

كانت
كانت "نسكافيه" تقدم نفسها للمجتمعات العربية في القرن الماضي بصفة "قهوة الشباب العصري الناجح"، في تحريض ذكي على التملص من القهوة التقليدية واللحاق بركب العصر وعالم النجاح
 

لا تكتفي الصناعة الإعلانية بتسليع المشاعر، فهي تبادر فوق ذلك إلى ترويج مفاهيم محددة للحياة المثالية. ما تشاهده المجتمعات في إعلانات منتجات الألبان مثلاً هو صورة عن حياة أسرية نمطية اختيرت لها طرائق معينة في الجلوس وكيفيات معيارية في تناول الأطعمة والأشربة وتعبيرات لفظية وإيحائية محددة. والأسرة في هذه الإطلالات المحبوكة بعناية ليست ممتدة ولا هي وفيرة الأطفال، بل تظهر من وحي تنميط ثقافي محدد أخرج قطاعات عريضة من مجتمع المشاهدين العرب والعالم إلى الهامش لأنه لا يعيش على هذا النحو تماماً ولا يتصرّف وفق المواصفات التي يتم تقديمها ضمناً في هيئة المثال النموذجي كما يتجلى في الإعلانات والصناعات الإعلامية والثقافية عموماً.

 

إنّ إخضاع المجتمعات لضخ إعلاني كثيف ومتعاظم يعود بتأثيرات متعددة عصية على الحصر، ومنها تسليع المشاعر التي قد تجعل الفرد يطلب الإشعاع الرمزي للسلعة بديلاً عن إخفاقه في تحصيل ما ترمز إليه. كانت "نسكافيه" تقدم نفسها للمجتمعات العربية في القرن الماضي بصفة "قهوة الشباب العصري الناجح"، في تحريض ذكي على التملص من القهوة التقليدية واللحاق بركب العصر وعالم النجاح من خلال ارتشاف هذا الصنف تحديداً من القهوة التي يقع في الواقع تحضيرها للمرة الثانية بعد تجفيفها. شرب العرب هذا الصنف الذي بزغت علامته التجارية وامتلؤؤوا منه، وفرض قدح "نسكافيه" الأحمر الكبير القادم من بيئات غربية ذاته في بيوت العرب ومجالسهم على حساب الأقداح التقليدية، لكنّ لحاق الشباب العربي بالعصر وإحراز النجاح المنشود ظلّ موضع شكّ عميق.