أي مصير ينتظر حركة النهضة في تونس؟

أصدرت المحكمة الابتدائية في تونس حكمًا بالسجن 3 سنوات على رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي بتهمة تلقي حزبه تمويلًا من جهات أجنبية (الأناضول)

حجزت حركة النهضة الإسلامية في تونس لنفسها مكانة بارزة في الاهتمام المحلي والإقليمي والدولي، من خلال تجربة فكرية وسياسية مميّزة استقطبت اهتمام فاعلين سياسيين وجهات بحثية وجدت فيها مجالًا للتعمق في أسئلة تفرض نفسها في تونس، وعامة الدول العربية، بل والعالم الإسلامي، وهي التالية:

إلى أي مدى يمكن لحركة إسلامية أن تتطوّر في بنيتها وطرحها إلى الحد الذي تصبح فيه جزءًا من النسيج الاجتماعي والسياسي في بلدانها؟ وهل أنّ العلاقات المتقلبة والدامية أحيانًا بينها ونظم الحكم تعود إلى عائق جوهري بنيوي صنع الصدام في كل مرة بينهما؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون سوى خيارات سياسية يعود جزء منها إلى اعتبارات داخليّة، والجزء الآخر إلى بيئة إقليمية ودولية ترفض الإسلام السياسي، ولا تتردّد في مواجهته بل واستئصاله؟

"الحرية لنا ولغيرنا"

ذات محطة من سنة اثنتَين وثمانين وتسعمائة وألف، عقدت حركة الاتجاه الإسلامي ندوةً صحفية في تونس عبّرت من خلالها عن رغبتها في العمل القانوني، مشددة على أن تبنيها الديمقراطيةَ مبدئي لا مريةَ فيه، معتبرة أنها لا تتناقض في شيء مع الإسلام.

ذهبت الحركة بعيدًا في طرحها ذاك، مؤكدة على أنّها ستلتزم بقوانين البلاد ونظامها الجمهوري، وأنها ستحتكم إلى أصوات الناخبين وما تفرزه صناديق الاقتراع، حتى لو اختارت حزبًا شيوعيًا ليحكم تونس بلاد الزيتونة.

رفع الإسلاميون يومها شعارًا تردد لاحقًا في أدبياتهم داخل الجامعات وخارجها ألا وهو: "الحرية لنا ولغيرنا"، في رسالة بدت موجهة إلى النظام الذي دخل وقتها مرحلة من الانفتاح الليبرالي المندفع اقتصاديًا والمتحفظ سياسيًا في ظل حكومة الراحل محمد المزالي.

رغم كل ذلك، قابل النظام ومعه تيارات يسارية وقومية ما طرحته حركة الاتجاه الإسلامي ببرود، لتتعرض الحركة في وقت لاحق لحملات أمنية ومواجهات فكرية وسياسية شرسة، اتهمتها بازدواجية الخطاب وممارسة نوع من "التقية الديمقراطية" في محاولة لإخفاء خلفية إخوانية متشددة، كانت في ذلك الوقت معجبة بتجربة الثورة الإسلامية في إيران وبالنظام الذي قادت إلى قيامه، ذلك سرعان ما وجد نفسه في حرب دامية مع محيطه الإقليمي والدولي.

في أعوام: اثنين وثمانين، وأربعة وثمانين، وسبعة وثمانين، واثنين وتسعين من القرن المنقضي، كان مناضلو حركة الاتجاه الإسلامي يغادرون موجة محاكمات ليجدوا أنفسهم في ضيافة أخرى، تتربص بهم تُهم التآمر على أمن الدولة، والتورط في بناء خلايا والقيام بأعمال إرهابية، وهم الذين راهنوا على الانخراط في النسيج التونسي اجتماعيًا وسياسيًا ونقابيًا.

الأمر الذي خلق حول تجربتهم في مختلف مراحلها هالة من الهيبة والغموض، وجعل من شطبهم هدفًا مركزيًا لأكثر الدوائر الرسمية والأمنية والأيديولوجية تشددًا في الموقف من ظاهرة "الإسلام السياسي".

على يسار الإخوان

بين خطاب التزكية وخطاب التخوين يلوح التشخيص الموضوعي لظاهرة الاتجاه الإسلامي عمليةً محفوفةً بالمصاعب والمطبات إلى حد ما، على الأقل بالنظر إلى الخدعة التي تنطوي عليها لام التعريف في أي مصطلح أو تسمية لظاهرة اجتماعية سياسية.

وإذا كانت الرسميات العربية- وما يدور في فلكها من دوائر أمنية وخصوم أيديولوجيين- تميل إلى وضع الحركات الإسلامية في سلة اتهام واحدة، فإن النظرة الموضوعية المتأنية تذكرنا بأن الإسلاميين عائلة موسعة، بين مكوناتها علاقات إشكالية تبدأ من الاختلاف ولا تنتهي عند التناقض بل والتناحر في أحيان.

حقيقة لا يمكن معها بحال أن نخلط بين تجربة الحركة الإسلامية في تونس وغيرها، فلقد قدم الإسلاميون في تونس أنفسهم بوصفهم منخرطين في الدولة الوطنية وأهدافها المعلنة في التنمية والتحديث، راسمين بذلك مسافةً مع نسخ إسلامية أخرى أكثر محافظة و"سلفية".

ولكي لا تبقى تلك المسافة مجرد ادعاء نظري، ورغم "المحن الأمنية" التي مرّ بها إسلاميو تونس والتي كان نصيب القيادات فيها السجن والمنافي، فقد تضمنت بيانات.

وكتب الشيخ راشد الغنوشي الزعيم التاريخي تنظيرًا معمقًا لإشكالية علاقة الإسلام بالديمقراطية، وهو ما تضمنه كتابه الشهير: "الحريات العامة في الدولة الإسلامية"، حيث أكد الرجل أن زواجًا مثمرًا بين الإسلام والديمقراطية ممكنٌ، وأن ثمرته يمكن أن تكون دولة متجذرة في هُويتها بالقدر الذي تكون فيه منفتحة على الكسب الحضاري للإنسانية، ومتفاعلة مع حقائق الواقعين: الإقليمي والدولي للجمهورية التونسية، بنحو يقطع مع الاستبداد مهما كانت الخلفية التي يتستر بها، حتى لو كانت تلك الخلفية دينية.

بهذا الفهم اقتربت أفكار الغنوشي مما كان يطرحه الزعيم الإسلامي السوداني الراحل حسن الترابي، وهي التي عُد بعضها من قبل "الأرثوذكسية المشيخية الإخوانية" مجردَ "شطحات" فكرية يجري تداولها لإرضاء الموضة الفكرية والسياسية السائدة في عالم اليوم.

على عكس البيئة العربية، تلقت منابر سياسية وأكاديمية غربية أفكار الشيخ راشد الغنوشي باحتفاء واضح، معتبرة أنها تقع على يسار الإخوان، مترجمة عما يشبه المراجعات العميقة التي يمكن التأسيس عليها لنزع فتيل الخلافات الحادة والمواجهات بين الإسلاميين والغرب، وكذلك الحكومات المحلية عربيًا وإسلاميًا.

مع ذلك، كان يجب انتظار الربيع العربي الذي انطلق من تونس، حتى يدخل الإسلاميون في تونس مرحلة غير مسبوقة من تجربتهم مع هَرَبِ الرئيس التونسي الراحل زين العابدين بن علي من البلاد، ودخولها في مرحلة من الإصلاحات السياسية الواسعة والهشة، منحت الإسلاميين – ولأول مرة في تاريخ تونس السياسي الحديث – فرصةَ العمل القانوني، ليتصدروا في مناسبات انتخابية نتائج التصويت، ويصبحوا في سابقة من نوعها جزءًا من منظومة الحكم في سياق واقع اقتصادي وأمني متعثر.

محنة الحريّة..!!

في مشهد تاريخي مليء بالمفارقات، ذرف الشيخ راشد الغنوشي أثناء لقاء تلفزيوني دموعًا غزيرة وهو يرى المحامي اليساري عبد الناصر العويني يرفع صوته – في قلب شارع الحبيب بورقيبة غير بعيد عن مقر وزارة الداخلية في العاصمة تونس – بالكلمة التي تردد صداها في أرجاء البلاد والعالم العربي: "بن علي هرب.. بن علي هرب".

كانت تلك التطورات أكثر بكثير مما كانت تطمح إليه حركة الاتجاه الإسلامي التي غيّرت على وقع وعود أخلفها بن علي بالانفتاح السياسي في بواكير عهده إلى تسمية حركة النهضة.

كان قصارى ما تطالب به الحركة الإسلامية في تونس تخفيفًا من وطأة الاستبداد والكفّ عن "أَمْنَنة" الملف الإسلامي، وفتح الباب للمشاركة السياسية ولو بالحد الأدنى، في مقابل إصرار السلطة على منهج "التسوية الفردية" في التعامل مع الإسلاميين، وهو النهج الذي نجح في استدراج مناضلين بعضهم من مواقع قيادية بارزة عادوا إلى الوطن مقابل عدم ملاحقتهم وتمكينهم مما تيسّر من حقوقهم المدنية.

عاد موضوع تغيير التسمية ليطرح من جديد من خلال تدوينة للأمين العام الجديد لما بات يعرف بحزب حركة النهضة الوجه التاريخي العجمي الوريمي المعروف حركيًا باسم "الهيثم"، حيث قال: إن الحزب يمضي في اتجاه مراجعات تاريخية تشمل التسمية ومضامين الطرح والموقع السياسي وأسلوب العمل في الساحة السياسية، وهي المراجعات التي تم توثيقها في أوراق عمل قال؛ إنها ستجد طريقها في نهاية المطاف للطرح على عامة الساحة السياسية.

الملاحظ هو السياق المختلف الذي تطرح ضمنه النسخة الجديدة من المراجعات، إذ إنها تتم في ظل رئيس زكّاه النهضويون، وكان لهم الدور الحاسم في وصوله إلى السلطة، وهو الرئيس الذي أدخل البلاد فيما بات يعرف بمسار: "الخامس والعشرين من يوليو"، معتمدًا المراسيمَ الرئاسيةَ التي خوّلته إلغاء دستور ألفين وأربعة عشر، وحل أهم الهيئات الدستورية ومنح نفسه صلاحياتٍ مطلقةً في الحكم، ودستورًا جديدًا عدّه منتقدوه تعبيرًا صارخًا عن نزعة استبدادية لم تعرف البلاد لها مثيلًا في تاريخها السياسيّ الحديث.

كما أنّ تلك المراجعات تطرح في وقت يكاد يطوي فيه الشيخ الغنوشي سنة وهو نزيل السجن بتهم متعددة، قادت واحدة منها إلى الحكم بالسجن ثلاث سنوات تحت عنوان تلقي النهضة أموالًا أجنبيّة.

هذا إضافة للملف الأخطر ألا وهو وصم الحزب بالتورط في الإرهاب في إطار ما عُرف إعلاميًا وقضائيًا بملف "الجهاز السري لحركة النهضة" ذي العلاقة المثيرة للجدل باغتيال القيادي اليساري شكري بلعيد، والقومي محمد البراهمي.

يحدث كل ذلك وحزب حركة النهضة يمرّ بوضعية غريبة وغير مسبوقة، حيث أغلقت السلطات مقراته؛ ما أصاب عمله بنوع من الشلل وفرض نوعًا من الضياع التنظيمي على أتباعه، لكن ورغم الإيقافات التي طاولت قيادات بارزة من الصف الأول، مثل الأمين العام بالنيابة منذر الونيسي، فقد بقي الحزب موجودًا ضمن مكونات جبهة الخلاص الوطني المعارضة للانقلاب، يلعب دورًا محوريًا في رفدها بخزانه الجماهيري في كل مرة يسمح لها بتسيير مظاهرات احتجاجية أو مناسباتيّة، كما هو الحال في ذكرى قيام الثورة التونسية.

معركة الوقت

تتسارع الأحداث شيئًا فشيئًا بخصوص الإسلاميين في تونس، ففي وقت تعاظم فيه السؤال حول الانتخابات الرئاسية المرتقبة في البلاد، وسط ما يبدو أنه حملة انتخابية مبكرة للرئيس سعيد، وتأطير قضائي مسبق لها جعل أغلب الأسماء المعنية بأي منافسة معه محل تتبعات قضائية تحول دون ترشحها من الأصل، في ظل ذلك وعلى وقع أزمة اقتصادية خانقة، تعود الورقةُ الإسلامية لتلوح في الأفق ذاتَ مردود سياسي عالٍ، ورهانًا حيويًا لكل من يبتغي عنوانًا لمسار سياسي في البلاد.

يقول النهضويون؛ إن ما يصفونه بالمعسكر الاستئصالي يرى في شطب الحركة الإسلامية من المشهد هدفًا أساسيًا تهون دونه كل الأثمان، حتى لو كان ذهاب مكاسب البلاد في الحرية وفصل السلطات وضمانات استقلاليتها والحريات الإعلامية أدراج الرياح.

ويؤكد النهضويون على أن أطرافًا عدة تدفع بالبلاد نحو تقديم الإسلاميين قربانًا لأجندات إقليمية ودولية، ناصبت الثورة التونسية وعامة الربيع العربي العداء، صادرت مسار الانتقال الديمقراطي وعادت بتونس إلى مربع "المعالجات الأمنية" حيث إحصاءُ الأنفاس على المعارضين وإقصاؤُهم من خلال ملاحقات قضائية قاسية.

سردية يرد عليها المختلفون جذريًا معها بأن حزب حركة النهضة كان شريكًا في الفساد إن لم يكن والغًا فيه، وأن ما يصفونه بالعشرية "السوداء" وضعت إخوان تونس على محكّ ممارسة الحكم لتكشف من وجهة نظرهم حقيقة علاقتِهم بالديمقراطية وانتمائِهم إلى الدولة الوطنية.

في ظل هذا الاستقطاب بدت رسائل القيادة الحالية لحزب حركة النهضة مسابقة للزمن في محاولة لتفادي مزيد من الصدام مع توجهات الرئيس قيس سعيد، وإعادة إنتاج شكل ومحتوى التجربة حتى تجد لنفسها موقعًا ما في مشهد تغير كثيرًا عما كان عليه قبل انتخابات ألفين وتسعة عشر، وسط سؤال عما إذا كان هناك متسع من الوقت للفراغ من مهمة معقدة قديمة جديدة قاد الجدل حولها في الأمس القريب إلى استقالات لقيادات تاريخية، انتقدت ما وصفته بهيمنة الشيخ راشد الغنوشي ودائرة ضيقة تحيط به على مقاليد الحزب.

الأمر الذي حد من إمكانات التطوير والتجديد داخل الهياكل الحزبية وفي الخطاب الذي تتوجه به النهضة إلى جمهورها وعامة التونسيين سواء أكانوا مناصرين أم خصومًا لها.

في الإجابة لا يمكن أن تنفك القراءة السياسية عن موازين للقوى لا تضع حركة النهضة في أفضل المواقع، فهي الآن على ذمة مسار سياسي لا أفق للمصالحة فيه، ومسار قضائي تحكمه اعتبارات يهب أغلبها لغير صالح الإسلاميين، ما جعل جهات كثيرة تتساءل عما إذا كانت ساعة سحب الاعتراف القانوني من حزب حركة النهضة قد اقتربت؛ ما سيعني حلًا للحزب ورفعًا لغطاء سياسي قد يقود إلى ملاحقة قياداته وأنصاره بتهم من قبيل الانتماء لجماعة "إرهابية محظورة"؟

ذاك ما تداولته أوساط إعلامية، وأسرّت به دوائر مهتمة بالحركة الإسلامية في تونس بين حين وآخر، وها هنا سيناريوهان وآخر ثالث:

مصر أم الجزائر؟

استبق الرئيس التونسي قيس سعيد ما أقدم عليه في الخامس والعشرين من يوليو/ تموز، بزيارة مثيرة للجدل إلى مصر التي استقبلته فيها القيادتان السياسية والعسكرية بحفاوة بالغة، لم يتوقف ساكن قصر قرطاج خلالها وبعدها عن إغداق المديح على تجربة مصر بوصفها نموذجًا يستلهم في إنقاذ الدولة الوطنية من براثن "الفكر الهدام".

شكّل ذلك في نظر منتقدي الرئيس سعيد واحدًا من الأضواء التي كشفت عندهم جانبًا مهمًا من الخلفية السياسية التي تقود الرجل في تعامله مع مسار الانتقال الديمقراطي، ومع الأحزاب الفاعلة فيه، يتقدمها حزب حركة النهضة، فلقد فهم الجميع تقريبًا من عبارة "الفكر الهدام" الإسلام السياسي، ممثلًا في حركة الإخوان التي انتهى بها المطاف مطاردة بشراسة من قبل الدولة العميقة في مصر، في مواجهة دامية جسدتها مجزرة رابعة وغيرها.

تجربة مصرية مثّلت لدى كثيرين هاجسًا، خاصة وقد كررت أصوات رفضت ما أفضت إليه صناديق الاقتراع في المناسبات الانتخابية أثناء عشرية الانتقال الديمقراطي من موقع متقدم للإسلاميين، كرّرت مع تلك النتائج الدعوة لاحتذاء ما أقدم عليه الجيش المصري من إغلاق لملفَّي الثورة والانتقال الديمقراطي في البلاد بدعوى إنقاذها من براثن الإخوان.

سيناريو مصري سعى حزب حركة النهضة في تونس لتلافيه بالقول؛ إنه ليس إخوانيًا بحال، وإن ارتبط بتلك الخلفية الفكرية في انطلاقته، متوجهًا نحو تعريف جديد بدا مغازلة لأفكار قريبة من الإدارة الأميركية تحت عنوان: "مسلمون ديمقراطيون" يصبح فيه الإسلاميون مواطنين ذوي نزعة محافظة يستلهمون من الثقافة العربية الإسلامية ما يساعد في بناء تجربة سياسية وتنموية تكرس التعددية والحداثة في مختلف مظاهرها.

توجه قابلته فرنسا والإمارات وما يدور في فلكهما من دوائر ظاهرة وخفية بالرفض، متمسّكة بمعركة معلنة من قبل الإيليزيه على "الإسلام السياسي" في إشارة للإخوان المسلمين، رافضًا أي تجربة تستلهم ما شهدته تركيا في ظل حكم الرئيس رجب طيب أردوغان، مهما كانت المبررات أو المسوغات.

إلى جوار النسخة المصرية، توجد أخرى جزائرية أشاد بها الرئيس قيس سعيد، حيث قامت الدولة بتأطير وجود الإسلاميين ودورهم بعد عشرية دامية اختلط فيها الحابل بالنابل، ليصبح الإسلاميون جزءًا من المشهد السياسي مع تأثير محدود يكتفون ضمنه بانتقاد الوضع العام دون القدرة على تهديد توازناته العميقة.

وبين النسختين منافسة باردة على الملعب التونسي، يبدو أن حزب حركة النهضة يترقب إلى من سيميل الرئيس قيس سعيد بينهما، وهو ما سيعني تحديد ملمح أساسي لتونس المستقبل في ظل سعي من سعيد إلى هندسته على نحو غير مسبوق وَفق مفاهيم تكاد تلغي دور الأجسام الوسيطة لصالح علاقة مباشرة بين القائد الفرد وعامة الشعب تتماهى فيه الدولة مع الرئيس والشعب لتنصهر ضمن بوتقة يصفها خصومها بالشعبوية الذين يؤكدون أن تونس ستدفع ثمنها غاليًا عاجلًا أم آجلًا.

بين هذا السيناريو وذاك، احتمال ثالث غامض الملامح، يذكر من ينسى أن بن علي عندما هرب، لم تسقط معه منظومة حاكمة تتقاطع فيها دوائر  القوى الناعمة والصلبة، لتراقب لاحقًا ومن مواقع مختلفة تطورات تجربة الانتقال الديمقراطي، لتسهم بشكل وبآخر في إلغائها في نهاية المطاف، بعد أن وجدت في الرئيس سعيد حليفًا موضوعيًا تتوفر فيه صفات لم تتوفر في غيره، ألا وهي الشرعية الانتخابية والصورة السياسية الناصعة، والسعي لنحت تجربة يضطلع فيها القائد الفرد بدور محوري يرى أن التاريخ بصدد طي كل العناوين التقليدية لفائدة مرحلة تاريخية مختلفة تمامًا.

هذا المكون العميق في المشهد التونسي، ليس من صورة دقيقة عن قراءته الحالية لتحولات المشهد في البلاد، ولا عما يتداوله من خيارات إزاء المستقبل بعد أن أكدت هيئة الانتخابات أن تونس ستعرف انتخابات رئاسية في غضون ألفين وأربعة وعشرين.

كما لا يعرف أحد على وجه الدقة الكيفية التي ترى فيها المشهد السياسي في البلاد والذي تشكل حركة النهضة جزءًا مهمًا فيه، وهو المشهد ذو الصلة الحيوية بواقع اقتصادي شديد الصعوبة، لا يحتمل في نظر تحذيرات صدرت داخل البلاد وخارجها الزج بتونس مجددًا في أتون مواجهة مع الإسلاميين تمنحهم مظلومية جديدة، ولا تقدم للبلاد حلولًا حقيقية لأزماتها المتفاقمة.

لا أحدَ مطمئنًا للمستقبل في ظل هذه الاحتمالات المكلفة بطريقة أو بأخرى، لا الشيخ راشد الغنوشي الذي نقل عنه أحد محاميه أن معنوياته مرتفعة وأن ثقته عالية في استعادة تونس عافيتَها الديمقراطيةَ والاقتصادية، ولا الرئيس قيس سعيد رغم تأكيده أن البلاد دخلت مرحلة اللاعودة في معركتها ضد من يصفهم بالفاسدين، وسط حملات دعائية من أنصاره في العالم الافتراضي.

وبين هذا وذاك.. دولة عميقة اعتادت متابعة ما يحدث من كثب.. تتوارى حينًا.. لتحسم الموقف أحيانًا في اتجاه ما.. قد يكون خلاف كل التوقعات.

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.