معركة طوفان الأقصى.. المقاومة الفلسطينية تضع الأمور في نصابها

أقارب يحملون جثامين أطفال من عائلة أبو قطة قتلوا في غارات إسرائيلية على مدينة رفح الفلسطينية في جنوب قطاع غزة (الفرنسية)

تأتي معركة طوفان الأقصى في ظل بيئة عربية وإقليمية ودولية غير مواتية، لا بل تحولت مع مرور الوقت الى بيئة غير صديقة للفلسطينيين ولمقاومتهم، وتعمل كلما مر الوقت لصالح الاحتلال الصهيوني، في ظل استمرار للانحياز الغربي، وبالذات الأميركي، الوقح للاحتلال رغم فاشيته وعنصريته وتطرفه الواضح.

وهي أيضا معركة في مواجهة حكومة دينية يمينية فاشية تضم غلاة المتطرفين الصهاينة الذي يتنكرون ليس فقط لحقوق الشعب الفلسطيني، بل ينكرون وجوده ويدعون علانية لطرد من تبقى منه على الأرض الفلسطينية وتهجيرهم وإلى حرق وإبادة القرى والمدن التي يخرج منها المقاومون.

حكومة تزداد غطرسة وإجراما بحق الفلسطينيين ومقدساتهم وبالذات في المسجد الأقصى كل يوم يحفزها ويوفر لها الغطاء، بالإضافة للرعاية الدولية، موجة التطبيع العربي وتنامي العلاقات الاقتصادية والسياسية مع دول عربية وإسلامية.

هذه المعركة ستكون قاسية وسيمارس فيها الاحتلال كل ما يستطيع من قتل وتدمير وتخريب وستقف خلفه قوى الظلم والإجرام في العالم، لكن ذلك لا يعني أبدا أنه سيكون قادرا على تحقيق أهدافه أو كسر شوكة الفلسطينيين ومقاومتهم

هذه البيئة السياسية رسمت مشهدا بدا فيه الفلسطيني وحيدا في مواجهة دولة الاحتلال، وجرت محاولات كثيرة لاستغلال ما اعتقد البعض أنه ضعف لفرض تسويات مهينة عليه وتحويل قضيته الوطنية المقدسة والعادلة إلى مطالب اقتصادية ومعيشية، عبر عنها البعض بتحسين ظروف الحياة للفلسطينيين. وهو ما أشعر الفلسطينيين بالاستخفاف والإهانة، فكان محفزا للشباب الفلسطيني للثورة والانتفاض في الضفة الغربية، مخيماتها وقراها ومدنها، فكانت جنين وعرين الأسود وشباب الثأر وغيرها.

غير أن هذه الهبة المفاجئة من جيل الشباب الذي حاولت مشاريع كثيرة ترويضه على مدى العقود الثلاثة الماضية لم يكن كافيا لردع الاحتلال ولجمه ووقف إجراءاته الدموية اليومية. فكانت معركة طوفان الأقصى التي أعلن القائد العام انطلاقها في السادس من أكتوبر/تشرين الأول لتشكل محطة فارقة في تاريخ الصراع مع الاحتلال.

ورغم أننا ما زلنا في بداية المعركة، التي وصفت بحق من قبل الكثير من المحليين بأنها استثنائية وغير مسبوقة في تاريخ النضال الفلسطيني، ولم يتضح بعد كيف يمكن أن تتطور في الأيام والأسابيع القادمة، فإننا يمكن أن نسجل الملاحظات الآتية:

  1. البراعة في اختيار التوقيت، حيث ما زال هذا الشهر يحمل في العقل والوعي العربي والفلسطيني مخزونا كبيرا من الكرامة والعزة والفخر، فقد كانت معركة أكتوبر 1973 محطة فاصلة بين الهزيمة وإمكانية النصر وبين العربدة والتفوق الصهيوني والبطولة والتضحية والكبرياء العربي، فنجحت القسام في إعادة الاعتبار لكل معاني الكرامة والعزة والقدرة والنصر لدى الفلسطينيين والعرب، وفي الوقت ذاته فتح نافذة للعقل الصهيوني على ذاكرة مكتظة بالهزيمة والضعف والإذلال والخوف في المستقبل.
  2. العبقرية في التخطيط والتكتيك العسكري ومباغتة جيش الاحتلال وأذرعه الأمنية والاستخبارية واختيار ساعة صفر قاتلة لبدء المعركة، فكانت صبيحة يوم نهاية الأعياد ونهاية الأسبوع، وتوضح المشاهد القادمة من المعركة حالة الجنود في تلك الساعة بالتحديد.
  3. التفوق النوعي الذي أظهرته كتائب القسام تدريبا وتخطيطا وإدارة وإقداما وقدرة على التنفيذ المحكم لما خططوا له، وصولا إلى نتائج أذهلت العدو وفاجأت الأصدقاء.
  4. كشف مدى هشاشة وضعف جيش الاحتلال على أكثر من صعيد، وبالذات على مستوى الأفراد والمقاتلين.
  5. شكلت هذه المعركة لدى الكثيرين سيناريو مصغرا لمعركة التحرير الممكنة، وأحدث كياً لوعي طرفي الصراع، فعلى الصعيد الفلسطيني، ستعيد هذه المعركة للفلسطيني ولمناصريه الثقة بأنفسهم وبقدرتهم على الانتصار ودحر الاحتلال وستحرر العقل العربي والإسلامي من وهم التفوق الإسرائيلي، وعلى الصعيد الصهيوني ستفقد هذه المعركة المجتمع الصهيوني بمكوناته المختلفة الثقة في نفسه وفي قدرته على الاستمرار في احتلاله وغطرسته، وستجعل جنوده يفكرون كثيرا قبل التقدم في أي جبهة كانت. كمان أنها ستفقده الثقة في قيادته العسكرية والسياسية مما سيكون له آثار كبيرة على المديين القريب والبعيد.
  6. تثبت معركة طوفان الأقصى أن القضية الفلسطينية لها حماة، وأنها ليس حمى مستباحا يتصرف بها أو يتحدث باسمها كل من يشاء وبما يشاء، وأن الشعب الفلسطيني ومقاومته لا يمكن أن يفرطوا بوطنهم وبقضيتهم وبحقوقهم المشروعة حتى وإن تركوا لوحدهم، فهم حراس وطنهم وحماة حماهم. وما زالوا يثقون بقدراتهم وبدعم وإسناد شعوب الأمة والقوى الحية فيها، مما يدفعهم للتضحية بكل ما يملكون إذا ما تهدد الخطر مقدساتهم أو قضيتهم.
  7. إن التطبيع والعلاقات الاقتصادية مع دولة الاحتلال لن تجلب سلاما ولا أمنا، وإن المسار الوحيد الكفيل بضمان الاستقرار والأمن والهدوء في المنطقة هو الإقرار بالحقوق الفلسطينية وتحقيق طموحاتهم الوطنية ودحر الاحتلال. وهي رسالة للمطبعين بأن الكيان الصهيوني لا يعوّل عليه ولا يصح ولا يصلح اتخاذه حليفا أو التوقع بأنه يمكن أن يشكل سندا لأي من دول المنطقة.
  8. إننا أمام نموذج فلسطيني مقاوم مختلف، وأن المقاومة بقيادة كتائب القسام تشكل حالة فلسطينية غير مسبوقة على الأرض الفلسطينية، فهي جادة صادقة مؤمنة تماما بما تفعل وعاقدة العزم على التحرير لا تظهر في هذا الطريق أي تردد أو تهاون. وهو ما جعل الفلسطينيين في كل مكان يلتفون حولها ويهتفون باسمها وباسم قائدها.

بلا شك، إن هذه المعركة ستكون قاسية وسيمارس فيها الاحتلال كل ما يستطيع من قتل وتدمير وتخريب وستقف خلفه قوى الظلم والإجرام في العالم، لكن ذلك لا يعني أبدا أنه سيكون قادرا على تحقيق أهدافه أو كسر شوكة الفلسطينيين ومقاومتهم، لأن سلسة الحروب في السنوات الأخيرة قد برهنت على أن زمن الحروب الخاطفة والرادعة التي كانت تخوضها إسرائيل قد ولّى إلى غير رجعة، وأن هذا الجيش لم يعد قادرا على حماية معسكراته ومقراته وتحرير أسراه، فضلا عن قدرته على إلحاق الهزيمة بعدو أو ردع شعب صاحب حق.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.