العلاقات المغربية الإسبانية من الأزمة إلى الانفراج.. الأسباب والآفاق

كومبو لملك المغرب محمد السادس ورئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز
ملك المغرب محمد السادس (يسار) ورئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز (الجزيرة)

عرفت العلاقات الإسبانية المغربية تقلبات عدة في السنوات الأخيرة، بين الجزر والمد والأزمة والانفراج، في سياق إقليمي معقد، إذ تشكل قضية الصحراء المغربية حجر الرحى بالنسبة للمغرب، مما جعل استقبال إسبانيا زعيم جبهة البوليساريو كفيلا بأن يحدث أزمة كبرى بين إسبانيا والمغرب، وزاد الاعتراف الأميركي بمغربية الصحراء تقوية الموقف المغربي في الدفاع عن قضيته الوطنية الأولى؛ مما جعل موقف عدد من الدول الأوروبية -ومنها إسبانيا- ينزاح إلى الاعتراف بمبادرة الحكم الذاتي التي يطرحها المغرب كأساس لحل النزاع، الأمر الذي دفع العلاقات بين البلدين إلى الانفراج مع آفاق جديدة.

القضايا المصيرية للدول -ذات الصلة بسيادتها الوطنية ووحدتها الترابية وأمنها القومي- لا يتم النظر إليها من خلال الربح والخسارة في الجوانب الاقتصادية أو مكاسب تهم العلاقات السياسية والتعاون الأمني، بل ينظر إليها كونها قضية وجود أو عدم في قيام الدولة وشرعية استمرارها، وقضية الصحراء المغربية والوحدة الترابية بالنسبة للمغرب من هذا القبيل.

أسباب الأزمة والانفراج

شكّل دخول إبراهيم غالي إسبانيا في أبريل/نيسان 2021- بهوية مزورة من أجل العلاج سببا مباشرا في أزمة استمرت سنة كاملة بين الرباط ومدريد، وأسفر عن ردود أفعال مارسها المغرب على إسبانيا، مسّت جوانب مختلفة، ومنها:

الجانب القانوني والقضائي

خاض المغرب معركة قانونية في المحاكم الإسبانية، تمثلت في خضوع غالي للاستجواب القضائي بخصوص انتهاكات حقوق الإنسان، بعد أن رفع المغرب قضية ضده، مما شكل إحراجا لإسبانيا وأضر علاقاتها مع المغرب.

الجانب الاقتصادي والتجاري

يتمثل هذا الجانب في تعليق حركة نقل المسافرين بين المغرب وإسبانيا على الحدود البحرية، وكذلك البرية مع معابر سبتة ومليلية المحتلتين، وأدى استمرار إغلاق المعابر إلى خسائر فادحة للجنوب الإسباني الذي يرتبط جانب مهم من اقتصاده بحركة الملاحة البحرية، كما أن المغرب بالنسبة لإسبانيا وغيرها من الدول الأوروبية يعد بوابة آمنة إلى أفريقيا، نظرا لما أصبحت توفره بنيته التحتية البحرية والبرية في المساعدة على الربط القاري بين ضفتي المتوسط، كما أن عملية "مرحبا" -التي ينظمها المغرب سنويا لاستقبال المهاجرين المغاربة كل صيف- تنعكس آثارها على اقتصاد الجنوب الإسباني والشمال المغربي معا.

من الواضح أن الانعكاسات السلبية الاقتصادية لم تكن خاصة بإسبانيا وحدها، بل أهمت المغرب كذلك، لكن القضايا المصيرية للدول -ذات الصلة بسيادتها الوطنية ووحدتها الترابية وأمنها القومي- لا يتم النظر إليها من خلال الربح والخسارة في الجوانب الاقتصادية أو مكاسب تهم العلاقات السياسية والتعاون الأمني، بل ينظر إليها كونها قضية وجود أو عدم في قيام الدولة وشرعية استمرارها، وقضية الصحراء المغربية والوحدة الترابية بالنسبة للمغرب من هذا القبيل، إذ أضحت أولى الأولويات، ومتضمنة في سياساته وعلاقاته بمختلف الدول التي عمل المغرب على انتزاع موقف صريح منها، إما بالاعتراف بمغربية الصحراء، أو مقترح الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية الذي تقدم به المغرب للمنتظم الدولي.

الجانب الأمني

يمثل هذا الجانب بعدا حساسا بالنسبة لإسبانيا والاتحاد الأوروبي برمته، وهو قائم على شقين أو بعدين اثنين:

البعد الأول: الهجرة غير النظامية

ذلك هو مجال التعاون الأول، بحكم الموقع الإستراتيجي للمغرب، حيث يشكل حاجزا أمام الهجرة من دول الجنوب إلى الشمال، وظل المغرب في منظار الاتحاد الأوروبي بمثابة الدركي الذي يحمي الحدود الأوروبية من الهجرة السرية والتهريب، مقابل دعم كان يحصل عليه المغرب وشراكة متقدمة، قد لا ترقى للدور الذي يقوم به، لكن استعمال هذا الشق من التنسيق الأمني على مستوى الحدود تعرف إسبانيا وأوروبا مخاطره، وسبق لتركيا أن استخدمت الموضوع نفسه لممارسة ضغط على الاتحاد الأوروبي في سياق صراعها بشأن الملف السوري أو مع اليونان بخصوص الحدود البحرية والتنقيب على الغاز  في جنوب شرق المتوسط، وهو ما تنبه له الاتحاد الأوروبي في حدوده الجنوبية مع المغرب، حين تدفق المئات من المهاجرين على سبتة المحتلة، وحظيت إسبانيا حينها بدعم أوروبي من المفوضية الأوروبية، ورأى نائب رئيستها في حينه عقب استدعاء المغرب سفيرته بمدريد بعد تفاقم الأزمة أنه "لا أحد يستطيع ترهيب أو ابتزاز الاتحاد الأوروبي في ملف الهجرة" (شبكة الأناضول، الأول من يونيو/حزيران 2021)، هذه الإدانة في الواقع أسفرت عن رد مضاد من البرلمان العربي والعديد من الدول العربية التي دعمت المغرب بشكل صريح.

لا شك أن المغرب في موضوع الهجرة يمتلك ورقة ضغط قوية على الاتحاد الأوروبي، خاصة في صراعه مع إسبانيا، ورغم أن الاتحاد الأوروبي دعم في حينه الموقف الإسباني، فإن المغرب في نسج علاقاته ظل يعمل على بناء جسور تواصل واتفاقيات ثنائية مع دول الاتحاد الأوروبي، إلى جانب الشراكة الإستراتيجية التي تجمعه بالاتحاد الأوروبي ككتلة موحدة. ففي سياق التوتر الذي مرت به علاقات المغرب مع إسبانيا وألمانيا، كان يمد جسورا مع دول أوروبا الشرقية التي دعمت بعضها قضيته في البرلمان الأوربي. بالإضافة إلى هذه العلاقات الثنائية مع دول متعددة، والتي تحميه من مواجهة تكتل واحد، فإن ورقة الهجرة غير النظامية تمثل بحق ورقة رابحة في إحداث التوازن في الصراع، يحقق من خلالها المغرب مكاسب متعددة حين يحسن استعمالها، سواء في قضيته الوطنية الأولى؛ أي قضية الأقاليم الجنوبية، أو في مجالات التعاون الأخرى.

يمكن أن نشير إلى حجم الدعم والخدمة التي يقدمها المغرب للاتحاد الأوروبي من خلال المعطيات التي قدمها وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة وهو يعدد أشكال الدعم المقدم لإسبانيا في هذا الجانب، بقوله "سجلنا معروف جيدا، فقد أجهض المغرب 14 ألف محاولة هجرة سرية على مدى 3 سنوات، وقام بتفكيك أكثر من 8 آلاف خلية لتهريب البشر، وأجهض 80 محاولة اقتحام لمدينة سبتة، وتبادل أكثر من 9 آلاف معلومة عن الهجرة السرية مع إسبانيا" (وكالة الأناضول، الأول من يونيو/حزيران 2021).

هذه الأرقام تمثل لنا حجم التنسيق الذي يتم بين المغرب وإسبانيا، وطبيعة الدور الذي يقوم به في مكافحة الهجرة السرية، وهي في الآن ذاته وسيلة ضغط استثمرها المغرب في سياق توتر العلاقة مع إسبانيا، ويمكن أن يستخدمها لحفظ مصالحه الإستراتيجية، لا سيما مع إسبانيا التي كانت قوة احتلال للمغرب في المنطقة الخلفية بالشمال وفي الأقاليم الجنوبية التي يضعها المغرب الآن في مقدمة أولوياته، من دون أن نغفل مدينتي سبتة ومليلية (شمال المغرب) وجزر كثيرة قد يتفجر الصراع بشأنها في المستقبل حينما يتغير ميزان القوة.

البعد الثاني: الإرهاب والتطرف

لم يتأثر في الواقع التنسيق الأمني بين الرباط ومدريد في مجال الإرهاب العابر للدول بالأزمة، نظرا للخطر الذي يمثله الإرهاب على استقرار الدول، لكن خبرة المغرب التي راكمتها مخابراته في مجال محاربة الإرهاب جعلته شريكا موثوقا؛ ليس لإسبانيا وحسب، بل لكل أوروبا التي يتقاسم معها معلومات دقيقة في هذا الشأن، وحصل هذا في أكثر من بلد أوروبي، إذ قدمت المخابرات المغربية أشكالا متنوعة من الدعم والمساعدة؛ لذلك فإن إسبانيا وأوروبا برمتها تستحضران هذا المعطى في تدبير علاقاتهما بالمغرب الذي يشتغل بأساليب متنوعة في رصد الخلايا النائمة وتفكيكها، بحيث يبقى التواصل والتعاون بشأنها قائما رغم تضارب المصالح أو حدوث أزمة أو توتر معين.

الجانب السياسي

تجلى البعد السياسي في ما أحدثته الجوانب الأخرى التي عمل المغرب على الدفع بها ليكون لها أثر على المستوى السياسي، بحيث ينتج عنه موقف ينتصر لصالح قضية الصحراء، وكان انعكاس ذلك سياسيا في التعديل الوزاري الذي قام به رئيس الحكومة اليساري بيدرو سانشيز في يوليو/تموز 2021، حيث غادرت وزيرة الخارجية غونزاليس لايا التي كانت وزيرة للخارجية الإسبانية حين دخل إبراهيم غالي إسبانيا بجوازات سفر مزورة، وكان ذلك بمثابة مبادرة من إسبانيا لنزع فتيل التوتر بتحميل وزيرة الخارجية مسؤولية الأزمة.

ونشير هنا إلى أن الضغط والانعكاس السياسي للأزمة لم يكونا على المستوى الرسمي وحسب، بل انعكس ذلك أيضا في المشهد السياسي الإسباني، لكن القرار الذي اتخذ بمراجعة إسبانيا موقفها من قضية الصحراء يشكل تحولا سياسيا إستراتيجيا لإسبانيا كدولة لا تتأثر بشكل كبير بالفاعلين السياسيين.

شكلت تلك العناصر في الواقع أوجها لطبيعة الضغط الذي نهجه المغرب حين تفجرت الأزمة مع إسبانيا، وكان استقبال غالي زعيم جبهة البوليساريو القشة التي قسمت ظهر البعير كما يقال، لكن السياق الذي كانت تمر به قضية الصحراء المغربية مع الاعتراف الأميركي، وقبل ذلك مع معبر الكركرات بخصوص منع الجبهة الانفصالية من التسلل للمحيط الأطلسي عبر المنطقة العازلة من خلال الحدود المغربية الموريتانية؛ جعل المغرب يعمل على مراجعة إستراتيجيته في إدارة النزاع، على الأرض بربط الحدود مباشرة بموريتانيا من خلال معبر الكركرات ومنع كامل التحرك في المنطقة العازلة، ثم من خلال مستوى آخر بالبحث عن دعم صريح يخرج الدول المؤثرة وذات اضطلاع على طبيعة الأزمة -وفي مقدمتها إسبانيا التي كانت قوة استعمارية في الجنوب المغربي- إلى الخروج من المنطقة الرمادية، وهو ما تم على التوالي، بحيث أدى الضغط المغربي الحاصل إلى مغادرة الوزيرة حينها ضمن تعديل حكومي، وهي التي طالتها انتقادات عدة حمّلتها مسؤولية الأزمة مع المغرب، الذي مهد بشكل متوال لتجسير الهوة، وانتهت إلى دعم إسبانيا مقترح الحكم الذاتي، واستئناف العلاقات عقب زيارة رئيس الحكومة الإسباني إلى الرباط، إذ برزت معها آفاق جديدة للتعاون.

الآفاق الجديدة للعلاقة

حمل استئناف العلاقات الإسبانية المغربية عقب زيارة رئيس الحكومة الإسباني للمغرب نقطة تحول حملت كثيرا من الآفاق التي اتفق قائدا البلدين على تدشينها بمنطق الاحترام المتبادل بما يخدم مصالح وسلامة الطرفين حسب ما عبر عنه رئيس الحكومة الإسباني عقب الزيارة، وبتعبير خطاب العاهل المغربي "تدشين مرحلة غير مسبوقة في علاقة البلدين". لكن هل يحمل استئناف العلاقات -كما عبر عنه البيان المشترك بين المغرب وإسبانيا والمكون من 16 نقطة- مرحلة غير مسبوقة؟ أو أن الأمر لا يعدو أن يكون استئنافا طبيعيا للعلاقات لا يحمل تطورا نوعيا؟

لعل أغلب النقاط المتفق عليها كانت في قائمة العلاقات بين البلدين، ويمكن أن نشير إلى المجالات التي شملها الاتفاق الجديد، ومنها استئناف حركة البضائع والأفراد، وحركة المواصلات البرية والبحرية والجوية، ثم شراكات تهم الجوانب الاقتصادية والثقافية والتعليمية وشؤون الهجرة والطاقة والصناعة، مع تشكيل لجان وفرق متخصصة أوكلت لها مهام السهر على هذه المجالات.

المنعرجات التي مرت بها العلاقات الإسبانية المغربية، وآفاق التعاون التي تم الإعلان عنها مؤخرا بمناسبة استئناف العلاقات؛ قد تكون في مهب الريح إذا بقيت خاضعة للمزاج السياسي من جهة، وإذا بقيت تنأى بنفسها عن إيجاد حل للمعضلات العالقة، ومنها عدم تغييب التفكير في استعادة سبتة ومليلية، من جهة ثانية.

أما الجديد في الاتفاق المشترك، فيبرز في نقطتين اثنتين: أولاهما الموقف الإيجابي الداعم للمغرب، وهذا له تأثير إقليمي لصالح المغرب داخل أروقة المنتظم الدولي، وفي علاقة إسبانيا بجبهة البوليساريو، التي كانت تستفيد من موقف إسبانيا التقليدي، الذي كان في طبيعته يعمد من جهة إلى توفير الحماية والدعم لمجموعة من عناصر الجبهة الانفصالية، وفي علاقته بالمغرب ينزع إلى اللاموقف من قضية مغربية الصحراء أو مقترح الحكم الذاتي، وذلك بهدف تأييد النزاع الذي يجعل المغرب في موقف ضعف في قضية وحدته الترابية، مما يشغله عن قضايا أخرى تتنازع فيها مصالحه مع إسبانيا أو دول أخرى بالاتحاد الأوروبي.

يعد الموقف الإسباني بخصوص مغربية الصحراء تطورا نوعيا يفيد المغرب من جهة في كسب رهان قضيته الوطنية الأولى، ويضعف الجبهة الانفصالية والأطراف الداعمة لها، وهو ما يفسر لنا طبيعة ردود الفعل الانفعالية المعبر عنها داخل الجبهة، ثم لدى الجزائر التي توفر الدعم والرعاية للجبهة الانفصالية منذ سبعينيات القرن الماضي، مما يعني أن الأزمة الراهنة بين الجزائر وإسبانيا قائمة بسبب تغير الموقف الإسباني الذي كان يخدم الأطروحة الانفصالية، ومنه يشكل دعما للجزائر التي أضحت في واجهة الصراع وفي حالة اضطراب وتناقض في المواقف بفعل التغيرات التي طرأت بخصوص قضية الصحراء، ولم يستطع صانع القرار الجزائري استيعاب تلك التغيرات، بما ينتج مراجعات ضرورية تنتصر للوحدة على حساب التجزئة وللجوار ومصالح الإقليم في التعاون، بدل إذكاء النزاع وخصومات تضر كل الأطراف.

أما النقطة الثانية التي تحمل أهمية كبرى كذلك، وهي لا تقل أهمية عن الموقف من الصحراء، فتهم "تحيين معاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون لسنة 1991″، على أساس المبادئ والمحددات والأولويات التي ستوجه العلاقات الثنائية في السنوات المقبلة" (البيان المشترك، موقع وزارة الشؤون الخارجية، بتاريخ السابع من أبريل/نيسان 2022)، وأهميتها تكمن في كونها بالإضافة إلى تحيين الأسس والمبادئ التي تقوم عليها العلاقة بين البلدين، وحل المسائل المختلف فيها سلميا، وفي علاقة البلدين بعضهما البعض، بحكم التداخل الحاصل بينهما في التاريخ والجغرافيا، فإن مناطق النزاع وأسبابه، وإن خفتت في سياقات معينة، فإنها ستبرز مرة أخرى، وأهم القضايا الخلافية التي ستكون عاملا مؤثرا في نشوب الخلاف سبتة ومليلية والجزر التي سبق للمغرب أن اقترح تشكيل لجنة مشتركة للعمل على بلورة حلول مستقبلية بشأنهما، وهو ما ينبغي أن يغفل عن الدعوة إليه وهو يعيد تشكيل علاقاته بإسبانيا.

ختاما، إن المنعرجات التي مرت بها العلاقات الإسبانية المغربية، وآفاق التعاون التي تم الإعلان عنها مؤخرا بمناسبة استئناف العلاقات، قد تكون في مهب الريح إذا بقيت خاضعة للمزاج السياسي من جهة، ثم إذا بقيت تنأى بنفسها عن إيجاد حل للمعضلات العالقة، ومنها عدم تغييب التفكير في استعادة سبتة ومليلية والجزر بالنسبة للمغرب، ولو من خلال حلول متوسطة أو بعيدة الأمد، من ناحية أخرى.

لقد أضحت قضية الصحراء بالنسبة للمغرب في السنة الأخيرة تأخذ زخما داخل دول متعددة تشكل فيها موقف إستراتيجي داعم للمقترح الذي يقدمه المغرب، وهذا يمنح المغرب دينامية جديدة، مما يدفع إلى التذكير بأن تحقيق علاقات من الود والاحترام والندية بين الدول إنما تقوم في ترسيخ أسس دولة المؤسسات والحقوق والحريات، ومن جانب آخر العمل على تحقيق التقدم بمختلف أبعاده.

ذلك أن ميزان القوة الاقتصادي والتقني والعلمي والثقافي بين إسبانيا والمغرب به بون شاسع، وردم تلك الهوة يخدم المغرب في قضاياه الإستراتيجية مع إسبانيا، التي يوجد معها تاريخ وجغرافيا متداخلين، والاحترام المتبادل وتحقيق الندية واسترجاع الأراضي السليبة تحسم فيه القوة الاقتصادية والعلمية والثقافية والسياسية، إذ إن المغرب في المخيال الإسباني ليس مجرد دولة عادية على الحدود، أو دركي يحرس الشمال من هجرة شعوب الجنوب، إنما هو المغرب بمقوماته الحضارية والثقافية والسياسية الغنية والقوية في الآن ذاته، والمغرب إن كان قويا ففي سياق الاحترام المتبادل هو دعامة استقرار لإسبانيا وأوروبا برمتها.

بصيغة أخرى، يحتاج المغرب إلى تحقيق مكاسب في قضاياه الداخلية بخصوص الديمقراطية وبناء دولة الحق والقانون، بوصف ذلك المدخل لحماية المصالح الإستراتيجية للدول، أما اختلال ميزان النظر وكسب رهان خارجي والفشل في المستوى الداخلي يضر بشكل أو بآخر كل القضايا المصيرية، ومنها الوحدة الترابية التي تحتاج كل الإرادات الوطنية في سياق جبهة متلاحمة، تكون الديمقراطية فيها مدخلا لتحقيق استقلال القرار الوطني والسيادة الكاملة.