الحصار المادي.. المرحلة المنسية في العنف المنزلي

أغلب ضحايا الاستغلال الاقتصادي من النساء (بيكسلز)
أغلب ضحايا الاستغلال الاقتصادي من النساء (بيكسلز)

"أي عنف حدث أولا؟" لم تعد "إيمان" تتذكر ذلك وهي تطرح على نفسها ذلك السؤال: كيف ومتى أصبحت ضحية للعنف؟ سلسلة مترابطة من أنواع وأشكال العنف التي وقعت ضحية لها؛ بين لفظية وعاطفية وجسدية أحيانا، لكن على أغلب الظن كان العنف الاقتصادي أولا.

قفز الرد إلى رأسها وأدركت في لحظة كاشفة أن العنف الاقتصادي جاء أولا، فقوض إرادتها وشلّ حركتها ومنعها من الهرب، حتى استسلمت لحياة أسوأ من الموت.

العنف الاقتصادي.. هادئ وفعال

قبل 15 عاما، تخرجت إيمان من كلية التجارة بجامعة القاهرة، والتحقت بوظيفة إدارية في إحدى المؤسسات الحكومية، بمساعدة والدتها الموظفة بالمؤسسة نفسها.

تقاضت راتبها لأول مرة في عمر 21، فأعطاها ذلك شعورا بالاستقلالية، ومع ذلك كانت تتبع خطى والدتها، فهي لم تختر لها تلك الوظيفة تحديدا، بصورة عشوائية.

كانت والدتها ترتب لها حياتها، لتصبح زوجة وأما وعاملة لها دخلها الخاص، ليس هناك أفضل من تلك الوظيفة الحكومية؛ 5 ساعات ثم تعود مبكرا إلى بيتها لتحضير الطعام والقيام بواجباتها الأخرى من دون تقصير.

بعد أشهر قليلة من الوظيفة، احتفلت إيمان وأسرتها بخطوبتها، ولم تمر سوى أشهر أخرى قليلة، حتى مارس عليها الخطيب ضغوطا كبيرة لترك وظيفتها بحجة أنه يغار عليها.

"العنف الاقتصادي حدث أولا، وجرّ وراءه كل أشكال العنف الأخرى"، هذا ما استقرت عليه "إيمان" بعد تفكير، وتتفق معها دراسة أجراها مركز الأمن المالي للأبحاث، إذ وجدت أن 99% من حالات العنف المنزلي تضمنت أيضا إساءة مالية، والأكثر من ذلك أن الإساءة المالية غالبا تكون أول علامة على العنف المنزلي.

الإساءة الاقتصادية لا تعتمد على القرب المادي لذلك يمكن أن تستمر بعد الانفصال (بيكسلز)

ما العنف الاقتصادي؟

هو التحكم في قدرة الضحية على اكتساب الموارد المالية، ومنعها من العمل، أو سلب تلك الموارد منها، وعندما يكون لديها المال يتم الضغط عليها من أجل حساب كل قرش تنفقه، وذلك حسب "فيري ويل ميند" (Very well mind).

تقول إيمان "تزوجنا منذ 13 عاما، ولم يعطني قرشا في يدي، هو المتحكم في كل مصروفات البيت، حتى الهدايا المالية للأطفال في الولادة أو أعياد الميلاد هو الذي يأخذها"، وتضيف "حين أطلب شراء ملابس لي يخبرني بأن هناك أولويات، ثم أتفاجأ بأن تلك الأولويات عبارة عن شراء تلفزيون جديد أو ملابس له أو للأطفال، وأنا دائما في آخر الأولويات".

أشكال العنف الاقتصادي

أغلب ضحايا الاستغلال الاقتصادي من النساء، ويتخذ أشكالا عديدة، وهذه أبرزها حسب مؤسسة "النجاة من الانتهاك الاقتصادي" البريطانية (SEA):

المنع من الالتحاق بالتعليم أو العمل، أو تحديد ساعات العمل الخاصة بالضحية، أو الاستيلاء على الراتب، أو أخذ مدخرات الأطفال أو أموال عيد الميلاد، أو رفض السماح بإنشاء حساب مصرفي، أو تقييد كيفية استخدام الأموال والموارد الاقتصادية.

كما يمارس المعتدي ضغوطا من أجل:

التحكم في وقت وكيفية إنفاق الأموال، أو تحديد ما يمكن شراؤه، أو التحقق من إيصالات الشراء، أو الترهيب لتبرير كل عملية شراء، أو التحكم في استخدام الممتلكات، مثل الهاتف المحمول أو السيارة، والإصرار على تسجيل جميع الأصول باسمه.

تشعر إيمان بأنها محاصرة على مدى 13 عاما، في تلك العلاقة من دون موارد، ولا يمكنها رؤية طريق للخروج، وتقول للجزيرة نت "ليس لدي أي دخل، وكلما جاءتني فرصة للعمل يتشاجر معي ويمنعني، ومع الظروف السيئة التي طالتنا كما طالت الجميع اتهمني بأنني عبء عليه، واعتاد على توبيخي من دون سبب، وسحب هاتفي الخاص أكثر من مرة بحجة أنه من اشتراه، وضربني مرات قليلة. علاقتنا ليست كما كانت علاقة أمي وأبي؛ فلا يوجد بيننا حوار، وأتحاشاه، ويهينني دائما لأنه ولي نعمتي، ولا أستطيع الفرار، فليس لي ملجأ ولا عمل ولا مال ولا فرصة للنجاة".

المرأة العاملة ضحية أيضا

لا يمارس العنف الاقتصادي على المرأة التي لا تعمل فقط؛ فعلياء ليست أفضل حالا من إيمان، رغم أنها أستاذة جامعية منذ 18 عاما، ومتزوجة من طبيب.

تحكي علياء للجزيرة نت أنه "منذ العام الأول لزواجنا، كان يحصل على راتبي كله ولا يعطيني سوى الفتات، ويتحكم في الصرف".

وتؤكد علياء أنه يستحوذ على كل الأصول باسمه، حتى السيارة التي تقودها مسجلة باسمه، ويرفض أن يكتب أي شيء لها، رغم أخذ راتبها، مضيفة "طلبت منه جزءا بسيطا من مرتبي في إحدى المرات لأعطي عيدية العيد لأشقائي الصغار، لكنه رفض، في حين أعطى لأقاربه عيدية، وكنت أبكي بسبب الموقف لكنه لم يهتم واعتبر الأمر عاديا".

العنف الاقتصادي لا يقل خطرا عن أشكال العنف الأخرى التي تتعرض لها النساء (بيكسلز)

لماذا يجب مواجهة العنف الاقتصادي؟

لا تحبذ علياء الطلاق رغم أنها فكرت فيه كثيرا؛ "أعمل منذ 18 عاما، ولا أملك أي شيء، وإذا حدث الطلاق سيكون لدي راتبي فقط، وأعلم جيدا أنه لن ينفق على الأبناء، حينها لن تكون لراتبي أي قيمة، لن يكفي المدارس والطعام والملابس لي ولأبنائي".

ورغم استبعاد علياء فكرة الطلاق، ورغم وقوع إيمان في شرك تلك العلاقة؛ تؤكد منظمة "وومنز آيد" (Womensaid) أنه من المهم معالجة الانتهاك المالي، إذ إنه:

عائق أمام المغادرة: يعد عدم الوصول إلى الموارد الاقتصادية سببا لشعور العديد من النساء بأنهن ليس لديهن خيار سوى البقاء مع المعتدي.
زيادة المخاطر على الناجية: يمكن أن تؤدي الحواجز الاقتصادية التي تحول دون المغادرة إلى بقاء المرأة مع الرجل المسيء لفترة أطول وتعرضها لخطر أكبر.
عائق لحياة مستقلة: الإساءة الاقتصادية لا تعتمد على القرب المادي، لذلك يمكن أن تستمر بعد الانفصال، وغالبا تترك المرأة في الديون، ويؤثر انعدام الأمن المالي في قدرتها على إعادة بناء حياتها بعد مغادرتها.

لذا لا بد من مواجهة العنف المالي، والتعامل معه باعتبار أنه لا يقل خطرا عن أشكال العنف الأخرى التي تتعرض لها النساء، بل يمكن أن يكون مؤشرا على أشكال العنف الأخرى.

ويمكن للنساء اللجوء إلى:

الدائرة الآمنة من الأهل والأصدقاء، أو مجموعات الدعم المشابهة على الإنترنت، أو مؤسسات دعم المرأة ضد العنف المتخصصة في حل المشكلات الزوجية.

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

المزيد من مرأة
الأكثر قراءة