أوساط ثقافية غربية تقاطع إسرائيل وتنزع أقنعتها

المغنية النيوزيلندية لورد ألغت حفلا مقررا لها بإسرائيل بعد طلب من حركة "بي دي أس" (غيتي)
المغنية النيوزيلندية لورد ألغت حفلا مقررا لها بإسرائيل بعد طلب من حركة "بي دي أس" (غيتي)

زهير حمداني

تحرص إسرائيل على تثبيت الصورة التي اختلقتها لنفسها وروجتها في الوجدان الغربي، وإسكات الأصوات المناهضة لها في الأوساط الإعلامية والثقافية، لكن سطوة لوبياتها تتداعى تدريجيا لترتفع أصوات الضد الرافضة للعنت الإسرائيلي، كان آخرها موقف المغنية النيوزيلندية لورد.

وألغت لورد حفلا مقررا في إسرائيل في يونيو/حزيران بعد نداء وجهه إليها نشطاء في حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات "بي دي أس" التي تعمل على مستوى دولي من أجل المقاطعة الاقتصادية والثقافية والأكاديمية لإسرائيل، وتطالب بإنهاء الاحتلال للأراضي الفلسطينية المستمر منذ خمسين عاما.

وأقنعت "بي دي أس" الأعوام الماضية عددا من الشركات والمؤسسات العالمية والشخصيات على مقاطعة إسرائيل، مما دفع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى توجيه نداء إلى يهود العالم لإعلان الحرب عليها، ورصدت تل أبيب مئة مليون شيكل (نحو ثلاثين مليون دولار) لمحاربتها.

ويعتبر نشطاء من الحركة أنهم حققوا انتصارات ضد تل أبيب بإقناع نجوم كبار بمقاطعة إسرائيل، وخصوصا بعد رفض 26 نجما من هوليود رشحوا لنيل الأوسكار -بينهم مات دايمون وليوناردو دي كابريو- تلبية رحلة إلى إسرائيل كجزء من مجموعة هدايا قدمتها شركة تسويق خلال حفل الأوسكار العام الماضي.

وكان مطربون غربيون كبار -مثل ستيفي ووندر وكارلوس سانتانا ولورين هيل- قد عدلوا عن إقامة حفلات في إسرائيل بتحريض من حركة "بي دي أس" التي لم تفلح في إقناع عدد آخر من النجوم بمقاطعة تلك الحفلات.

الأديب الألماني الراحل غونتر غراس تعرض لهجمة شرسة من الأوساط الإسرائيلية بعد موقفه المناهض لسياسات الاحتلال (غيتي)

سقوط الأقنعة
ويعني وصول حركة المقاطعة والرفض لسياسات الاحتلال إلى معقل الدعاية الإسرائيلية في هوليود، وسقوط منظومة "بروباغندا" اللوبي الصهيوني المعزز بقوة المال وشركات الإنتاج والتسويق، وكذلك تداعي سطوة الخوف من تهمة معاداة السامية.

وإضافة إلى ما تقوم به "بي دي أس" على صعيد المقاطعة التجارية والسياسية في فضح أكاذيب إسرائيل التي تسعى لترويجها عبر لوبياتها ومراكز قوى تمتلكها وتمولها في مختلف أنحاء العالم، فإن حركات ومنظمات أخرى خاصة من اليسار لعبت نفس الدور في كشف الجانب الخفي من السياسات الإسرائيلية.

وفي هذا السياق، أبدى عدد مشاهير في عالم الفن دعمهم قضية فلسطين وحق شعبها في العيش بسلام بعيدا عن آلة القتل الإسرائيلية، عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وقد أحدث ذلك جدلا كبيرا وجلب لكثيرين منهم انتقادات وصلت إلى حد التهديد بالقتل.

وتعرض الفنان البريطاني الباكستاني الأصل زين مالك -وهو نجم فريق "وان دايركشن" الغنائي- إلى سيل من الانتقادات، وتعرض لتهديد بالقتل عقب نشره وسم "الحرية لفلسطين "على حسابه بتويتر الذي يتابعه نحو 13 مليون شخص.

ونال الفنان العالمي ستيفي وندر نصيبه من الانتقاد بعد رفضه جمع تبرعات للجيش الإسرائيلي، كما أثارت الفنانة الشهيرة ريهانا ردود فعل صاخبة عقب تغريدها تحت نفس الوسم "فلسطين حرة" وطلبت من متابعيها الصلاة لأجل الفلسطينيين وللجميع في العالم، قبل أن تضطر لحذفها.

وخلال العدوان على غزة عام 2014، اتُهمت إسرائيل بـ الإبادة الجماعية للفلسطينيين، من قبل أكثر من مئة فنان إسباني -بينهم نجما هوليود الشهيران بينيلوبي كروز وخافير باردم، والمخرج الشهير بيدرو ألمودوفار، كما رفض الممثل مارم ريلانس الحاصل على (أوسكار أفضل ممثل مساعد عام 2016) زيارة إسرائيل أسوة بعدد من مشاهير كرة القدم الأميركية.

وإذا كانت إسرائيل تسعى إلى الولوج إلى الساحة الثقافية والفنية العربية من خلال استقطاب كتاب وفنانين -مثل الكاتب الفرنسي (الجزائري الأصل) بوعلام صنصال، والمخرج اللبناني زياد دويري، والمصري علي سالم وغيرهم- فإن الأصوات المتصاعدة المناهضة لها في الدول الغربية تمثل ضربة موجعة لصورتها التي تسوقها في الغرب.

فارغاس يوسا قال إنه يشعر بالخجل بكونه صديقا لإسرائيل ردا على جرائمها بحق الفلسطينيين (الأوروبية)

أصوات الرفض
ولعل أبرز من أوجع إسرائيل بموقفه الرافض لسياساتها التوسعية والعنصرية في السنوات الأخيرة هو الروائي والشاعر الألماني الراحل "غونتر غراس" (نوبل للآداب عام 1999) صاحب قصيدة بعنوان "ما ينبغي أن يقال" التي كتبها عام 2012 ضد السياسة الإسرائيلية، وكان يردد دائما "سئمت من نفاق الغرب لإسرائيل".

والتهمة الجاهزة لغراس وغيره من الكتاب المناهضين لإسرائيل هي أنه "مشبوه ومعادٍ للسامية" وهو ما وصفت به آلة الدعاية الإسرائيلية أيضا الروائي الفرنسي "جان ماري جوستاف لو كليزيو" الحاصل على جائزة نوبل للآداب عام 2008، وصاحب الرواية "النجمة التائهة" والمعروف بمناصرته للقضية الفلسطينية.

وكانت صادمةً لتل أبيب شهادةٌ -عن سياسة التمييز العنصري التي تمارسها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني- للروائي النيجيري وول سوينكا (صاحب نوبل للآداب عام 1986) الذي طالب الأكاديميين بأن"يكونوا في طليعة المطالبين بالمقاطعة الثقافية والرياضية والاقتصادية".

ورغم أن الكاتب البيروفي "ماريو فارغاس يوسا" (صاحب نوبل للآداب عام 2010) تباهى في يوم ما بصداقته لإسرائيل فإنه أغضب الأوساط الإسرائيلية بشدة بإقراره أنه "يشعر بالخجل لكونه صديقا لها بعد أن أصبحت دولة متعجرفة".

ولم تفلح الدعاية الإسرائيلية في إغواء مشاهير الكتاب في العالم، إذ كانت جرائمها لا تحتمل الصمت بالنسبة لعدد من كبار الكتاب حيث أدان 17 كاتبا عام 2006 "إسرائيل كدولة فصل عنصري" بينهم الأميركية توني موريسون (نوبل 1993).

وعام 2013 وقع كتّاب -بينهم التركي أورهان باموك (نوبل 2006) والألمانية هيرتا مولر (نوبل 2009) والجنوب أفريقي جون ماكسويل كويتزي (نوبل 2003) عريضة تفضح "يد الاحتلال الكبيرة والقاسية" وتدين الاعتداءات المستمرة لإسرائيل.

وبالعدوان الأخير على غزة عام 2014، وقّعت على عريضة مماثلة 64 شخصية دولية -من بينهم ست شخصيات حاصلة على جائزة نوبل- اتهمت اسرائيل بارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين.

وتشير مواقف كل هذه الأسماء الوازنة إلى أن الساحة الأدبية كانت عصية على الاختراق بالنسبة للكيان الإسرائيلي الذي درج على استغلال النجوم الكبار في مختلف أنحاء العالم كطريقة لكسر الانطباع بأنه يعيش نوعا من العزلة أو المقاطعة، ولإيجاد وسائل وأدوات دفاع عن سياساته القمعية والعنصرية.

وفي وقت يرى فيه الإسرائيليون أنهم بحاجة إلى كل قوتهم الناعمة بينما تعيش فيه إسرائيل عزلة دولية حقيقية بعد قرار ترمب الصادم حول القدس، تأتي المغنية النيوزيلندية غير المصنفة ضمن نخبة النجوم لتذكر بسقوط مقاربات "البروباغندا العمياء" الأثيرة لدى إسرائيل وأتباعها وسطوة التهديد والإكراه وتزييف الحقائق ومغالطة الرأي العام خصوصا في الغرب.

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية