إمعانا في التهويد.. مشروع استيطاني جديد في قلب الخليل

عوض الرجوب-الخليل

أمتار قليلة يتوسطها جدار إسمنتي شاهق الارتفاع وأسلاك شائكة، تفصل المحل التجاري المتواضع للمسن الفلسطيني ناجي البطش في البلدة القديمة من الخليل، عن محله السابق بمنطقة الحسبة في قلب المدينة.

يقول الشيخ الثمانيني إنه عايش أيام "السمن والعسل" في كناية عن قوة السوق التجاري، حيث كان يمتلك مقهى و"بسطة" لبيع الخضار، لكن تلك الأيام ولّت وذهب معها مجمع سيارات وأسواق كاملة لبيع الخضار والحبوب والدواب، بما فيها الحسبة (سوق الجملة) الذي ينوي الاحتلال إقامة مستوطنة على أنقاضها.

وصادق وزير الأمن الإسرائيلي نفتالي بينيت أمس الاثنين على إقامة بؤرة استيطانية جديدة مكان سوق الجملة، وأوعز لمنسق أعمال حكومة الاحتلال في الأراضي المحتلة كميل أبو ركن وللإدارة المدنية بالشروع في التخطيط للبؤرة الجديدة على حساب البناء الفلسطيني في المكان.

ناجي البطش: عايشت أيام "السمن والعسل" في السوق التجاري (الجزيرة)

نكبة 1994
وظلت المنطقة المحيطة بالمسجد الإبراهيمي في البلدة القديمة من الخليل، بما فيها الأسواق الشعبية وسوق الجملة، تنبض بالحياة ويؤمها التجار من كافة أنحاء فلسطين، حتى أقدم المستوطن باروخ غولدشتاين على ارتكاب مجزرة في المسجد الإبراهيمي يوم 25 فبراير/شباط 1994، فأغلق الاحتلال المنطقة بالكامل وعزلها عن باقي المدينة.

وألقى إغلاق المنطقة الحيوية في الخليل بظلاله على الحارات والأزقة المجاورة، فانتقل السكان بتجارتهم إلى مناطق أكثر أمنا في الجزء الخاضع لسيطرة السلطة الفلسطينية من المدينة، مما حوّل البلدة القديمة إلى مدينة أشباح بإغلاق مئات المحلات بأوامر عسكرية ومئات أخرى لعدم تمكن المتسوقين من الوصول إليها بفعل إجراءات الاحتلال واعتداءات المستوطنين.

وتقسم إجراءات الاحتلال وسط الخليل المدينة إلى شطرين جنوبي وشمالي، فبات الانتقال بينهما يحتاج إلى الالتفاف لأكثر من خمسة كيلومترات بعدما كانت المسافة صفرا، بينما يُمنع الفلسطينيون من دخول بعض المناطق كشارع الشهداء ومنطقة الحسبة.

يقول البطش إن قرابة 50 محلا تجاريا في الحسبة ستزال عن الوجود بإقامة البؤرة الجديدة، فضلا عن إغلاق 1368 محلا تجاريا، منها نحو 600 مغلقة بأمر عسكري منذ المجزرة، والباقي مغلق لقلة الزبائن وانعدام حركة المتسوقين نتيجة إجراءات الاحتلال وانتشار البؤر الاستيطانية.

عبدو شاهين: البناء الجديد سيمنع أي تواصل جغرافي وعمراني بين أحياء المدينة (الجزيرة)

زحف وتشاؤم
مقابل محل البطش، يعمل الحاج الثمانيني عبدو شاهين (أبو نافز) قيّما على مسجد السنّية القريب منذ 40 عاما، ويقيم الصلاة ساعات النهار فقط بحضور اثنين أو ثلاثة فقط من المصلين، مستذكرا أجواء ما قبل المجزرة حين كان المسجد يمتلئ ويصلي الناس الفجر في الأزقة.

ومع إقامة البؤر الاستيطانية الجديدة شرقي المسجد، فإن أكثر ما يخشاه أبو نافز أن يتم الزحف على ما تبقى من بيوت ومحلات تجارية والاستيلاء عليها وتهويدها، ويذهب في التشاؤم إلى توقع الترحيل خلال عامين قادمين إذا استمر سياسة التوسع الاستيطانية.

أما الناشط المتتبع لانتهاكات الاحتلال في محيط المسجد الإبراهيمي رائد أبو رميلة، فلخص مخاطر البناء الجديد في التأثير المباشر على الوجود الفلسطيني، فضلا عن سرقة وهدم المباني التاريخية والإسلامية، والإمعان في سياسة الفصل العنصري المطبقة حتى في الشوارع بعشرات الحواجز والمتاريس.

وتسعى سلطات الاحتلال من خلال البناء الجديد إلى إحداث تواصل بين المسجد الإبراهيمي والبؤرة الجديدة وباقي البؤر الاستيطانية في قلب الخليل.

شارع في البلدة القديمة يقتصر استخدامه على جيش الاحتلال والمستوطنين (الجزيرة)

 

فصل عنصري
وقال مؤسس تجمع "شباب ضد الاستيطان" عيسى عمرو إن سلطات الاحتلال ستهدم بالكامل المحلات التجارية الفلسطينية المغلقة منذ المجزرة، وتقيم عليها 17 وحدة استيطانية، مما يعزز سرقة الهوية الوطنية والثقافية الفلسطينية في قلب المدينة.

وأضاف عمرو في حديثه للجزيرة نت أن الاحتلال يهدف من استيلائه على سوق الخضار القديم إلى تعميق سياسة الفصل العنصري والتمييز العرقي، مرجحا زيادة الإغلاقات والاعتداءات المتكررة والعنف من قبل المستوطنين المتطرفين على أهالي مدينة الخليل.

وأوضح أن البناء الجديد سيمنع أي تواصل جغرافي وعمراني بين أحياء المدينة، مطالبا أبناء الشعب الفلسطيني بالتوحد والعمل على مقاومة المشاريع الاستيطانية، وضرورة توجه القيادة فورا إلى المحكمة الجنائية الدولية.

مناطق في البلدة القديمة من الخليل يُمنع الفلسطينيون دخولها (الجزيرة)

وحسب عمرو، فإن مستوطني الخليل تلقوا سابقا وعودا من عدة مسؤولين بالسماح لهم بالبناء في هذه المنطقة، وحاولوا الاستيلاء عليها، إلا أن بلدة الخليل تابعت الموضوع قضائيا، مضيفا أن المستوطنين استأنفوا العمل في السوق قبل شهور رغم أن القضاء الإسرائيلي لم يقل كلمته.

يشار إلى أن للاحتلال خمس بؤر استيطانية في البلدة القديمة من الخليل، يسكنها نحو 500 مستوطن، في حين تنتشر عشرات الحواجز العسكرية الثابتة والمأهولة، مما حوّل البلدة إلى معازل وحياة السكان إلى جحيم.

وتقع البلدة القديمة من الخليل -بما فيها المسجد الإبراهيمي- ضمن منطقة أطلق عليها "خ2" حسب "اتفاق الخليل" الموقع عام 1997 بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، وتشكل نحو 20% من مساحة مدينة الخليل ويسكنها نحو 45 فلسطينيا، في حين تسلمت السلطة الفلسطينية المساحة المتبقية وأطلق عليها "خ1" ويقطنه نحو 220 ألف فلسطيني.

المصدر : الجزيرة