بعد الاتفاق التركي الليبي.. هل باتت إسرائيل محاصرة في المتوسط؟

نتنياهو خلال زيارة لمنصة تنقيب إسرائيلية عن الغاز قبالة حيفا مطلع العام الحالي (رويترز)
نتنياهو خلال زيارة لمنصة تنقيب إسرائيلية عن الغاز قبالة حيفا مطلع العام الحالي (رويترز)

زاهر البيك-أنقرة

رغم الخشية الإسرائيلية غير المعلنة من تأثير الاتفاق الليبي التركي على خططها في البحر الأبيض المتوسط، فإن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أعلن بشكل صريح أن "إسرائيل لن تتمكن من نقل الغاز عبر البحر المتوسط دون موافقة أنقرة".

وقال أردوغان في حوار مع قناة "تي آر تي" إن "أنقرة لن تسمح بأي خطوات أحادية الجانب في البحر المتوسط، ولن تتمكن اليونان ومصر وإسرائيل وقبرص من اتخاذ أي خطوة دون موافقتنا، بعد توقيعنا على مذكرة التفاهم مع ليبيا".

وكان "مركز أبحاث الأمن القومي" الإسرائيلي قد دعا، في أغسطس/آب 2019، لمراقبة الدور التركي في ليبيا، على اعتبار أن أنقرة ترى في تكريس نفوذها هناك وسيلة لمواجهة التعاون الإسرائيلي المصري اليوناني القبرصي، في مجال استخراج الغاز واقتصاديات الطاقة، وأن التحولات التي قد تشهدها ليبيا يمكن أن تؤثر سلبا على مصالح تل أبيب الإستراتيجية.

نزاع تركي إسرائيلي
وفي السياق، يقول الخبير الليبي ورئيس مركز بيان للدراسات الإستراتيجية بإسطنبول نزار كريكش "الصراع الحاصل شرق المتوسط ليس على الغاز نفسه كون حجمه في المنطقة لا يشكل سوى 1% من احتياطيات الغار في العالم، لذا فهي كمية قليلة لا تستحق هذا النزاع الدولي".

ولفت كريكش في حديثه للجزيرة نت إلى أن المسألة تتعلق بظهور إسرائيل على الساحة الدولية عبر مشروعها المطروح لنقل الغاز لأوروبا، لذا فإن وجود حدود مائية ممتدة من تركيا إلى ليبيا وتحديدها قانونيا سيجعل تركيا جزءا من هذا المشروع، في ظل وجود المسار التركي الأسهل والأرخص لنقل الغاز.

واستبعد المتحدث في الوقت ذاته حدوث نزاع عسكري في شرق المتوسط بين تركيا وإسرائيل، فضلا عن أن الولايات المتحدة لن تسمح بذلك بين حليفيها في المنطقة، مرجحا عقد اتفاق حل وسط لنقل الغاز إلى أوروبا تستفيد منه الدولتان بعيدا عن مصر.

وعن سبب غضب النظام المصري من اتفاقية تركيا وليبيا رغم أنها تمنح مصر مساحات جديدة من سيطرتها على مياه المتوسط، ذكر الخبير الإستراتيجي الليبي أن مصر تفقد بوصلتها، لأن مقاربتها للأمور سياسية، فهي تريد أن تناكف تركيا ولو على حساب مصالحها، واختيارها للحلف الإسرائيلي ناتج عن توجه بضرورة الدخول في هذا الحلف لضمان استمرار نظام السيسي في السلطة.

تخطيط قديم جديد
وفي مجلة إستراتيجيات الأمن، استحضر الأدميرال البحري السابق والخبير في القانون البحري، جهاد يايجي، فكرة رسم الخطوط القُطرية لتحديد المناطق البحرية لتركيا منذ سنوات عديدة، حيث بنى فكرته على "أن موقع تركيا المائل جغرافيًّا ينص على حقها في رسم خطوط قُطرية لتحديد مناطقها البحرية وتوقيع اتفاقيات ترسيم الحدود مع ليبيا وإسرائيل ولبنان".

 سفينة تركية محلية الصنع للتنقيب على النفط والغاز شرقي المتوسط (الأناضول)

وأضاف يايجي أن اعتبار ساحل درنة وطبرق والبردي في ليبيا، وفتحية ومرمريس وكاش في تركيا بمنزلة سواحل متقابلة متصلة يتماشى مع القانون الدولي والمصالح المطلقة للبلدين.

وقد ذكرت صحيفة ديلي صباح التركية أن أنقرة حاولت التوصل لاتفاق مع ليبيا قبل عام 2011، وأن أردوغان حمل الخرائط بنفسه في زيارة لليبيا، في نوفمبر/تشرين الثاني 2010، لكن وقوع الثورة حال دون التوصل للاتفاق.

كما ذكرت الصحيفة أن وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، قام خلال زيارة له لليبيا، في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، من أجل تفاهمات أمنية، بإعادة فتح ملف المباحثات حول اتفاقية السيادة البحرية مما أكسب المباحثات سرعة أكبر، وتربط الصحيفة هذا التطور بما حدث بعد ذلك من قيام الجنرال حفتر، في مطلع أبريل/نيسان 2019، بشن حملة عسكرية على طرابلس.

اتفاق أمني
وفي هذا السياق ذكر الباحث الإستراتيجي محمود الرنتيسي في مركز "سيتا" للدراسات المدعوم من الحكومة التركية أن تفاهمات خط شرق المتوسط للغاز بين إسرائيل وقبرص واليونان دفعت تركيا للسعي بقوة للتوصل للاتفاق مرة أخرى.

وبحديثه للجزيرة نت، اعتبر الرنتيسي هذا الاتفاق مع ليبيا اتفاقا تاريخيا، لأنه يمثل أول صفقة في المنطقة الاقتصادية الخالصة لتركيا مع دولة ساحلية باستثناء قبرص التركية.

ويعتقد أنه سيزيد الجرف القاري لتركيا في المنطقة المذكورة بحوالي 30%، والأهم أنه يوفر لتركيا مجموعة من المزايا التي قد تغيِّر قواعد اللعبة شرق المتوسط.

ومعلوم أن تركيا لديها مصالح اقتصادية مع ليبيا التي تعتبر صاحبة أكبر احتياطي نفط في أفريقيا بحوالي 40 مليار برميل (الخامسة عربيا، 3.76% من الاحتياطي العالمي)، إضافة إلى احتياطيات غاز تُقدَّر بحوالي 54.6 تريليون قدم مكعب، مما يضعها في المرتبة الـ21 عالميا في احتياطيات الغاز، ووجود مشروعات معلقة لتركيا بقيمة 19 مليار دولار.

خريطة توضح أنابيب النفط والغاز الدولية التي تمر عبر تركيا (غيتي)

ووفق الرنتيسي، فإن المصالح التركية في ليبيا تتجاوز المصالح الاقتصادية الثنائية المجردة لتكون جزءا من إستراتيجية رفع مكانة ونفوذ تركيا في ظل التنافس التركي مع أطراف دولية وإقليمية وجزءا من التوجه المتزايد في السياسة الخارجية التركية في الاعتماد على القوة الخشنة، والذي يتمثل في اتفاقيات الدفاع وصفقات السلاح والعمليات والقواعد العسكرية، بعد تركيز تركيا في الأعوام قبل 2011 على التنمية والبعد الاقتصادي.

وفيما يتعلق بالاتفاق الأمني بين أنقرة وطرابلس، والذي لم يتضح بعد كامل تفاصيله، قال الرنتيسي إنه امتداد لاتفاقيات سابقة لكنه يشمل السماح لتركيا باستخدام الأجواء الليبية وإقامة قواعد عسكرية والدخول للمياه الإقليمية الليبية، حيث إن تركيا معنية بإعادة التوازن بين قوات حكومة الوفاق وقوات حفتر التي تتلقى الدعم من جهات إقليمية بينها مصر وإسرائيل، ومعنية بالحفاظ على بقاء الحكومة بالدرجة الأولى التي ترتبط مصالح تركيا مع ليبيا ببقائها.

وأشار الباحث في مركز "سيتا" بأنقرة إلى أن رغبة تركيا تتعدى حفاظ حكومة الوفاق على طرابلس إلى بسط قوتها على مناطق أخرى، ويضيف الاتفاق لتركيا شرعية في تزويد حكومة الوفاق بالأسلحة في ظل تلقي حفتر لدعم عسكري كبير من مجموعة من الدول.

ضربة قوية
من جهته، أكد الخبير الإستراتيجي التركي في شؤون حوض المتوسط إمرح كيكلي أن محاولات اللواء المتقاعد خليفة حفتر الاستيلاء على طرابلس جاءت بهدف ضم ليبيا للمحور الإسرائيلي المصري، وبالتالي انضمامها إلى المعسكر المناهض لتركيا في المتوسط، فحفتر ممثل عسكري عن المحور الإسرائيلي المصري بتمويل من أبوظبي، في سبيل تحويل الخطوات العسكرية إلى مكاسب سياسية، حسب قوله.

منصة غاز إسرائيلية في البحر المتوسط (رويترز)

وأضاف كيكلي للجزيرة نت أن إسرائيل ومصر تلقتا ضربة قوية بعد الاتفاق الليبي التركي الذي أفشل خططهما في ليبيا وشرق المتوسط، مبينا أن تركيا ​​ستلعب دورا هاما في ضمان أمن الطاقة بالمتوسط، مما سيجعل إسرائيل ومصر تحسبان ألف حساب قبل أي تحرك لهما في المنطقة.

وعبَّرت كل من مصر واليونان وقبرص وإسرائيل وبرلمان طبرق عن رفضها للاتفاقيات بين تركيا وحكومة الوفاق، وطردت اليونان السفير الليبي وزار وزير خارجيتها القاهرة لإجراء محادثات مع نظيره المصري لتسريع المناقشات بين اليونان ومصر حول تعيين حدود المناطق الاقتصادية الخالصة بين البلدين، كما قدمت إسرائيل دعمها لليونان.

المصدر : الجزيرة