شاهد.. فلسطيني ينسخ القرآن الكريم بالرسم العثماني

رائد موسى-غزة

في إحدى زوايا مسجد "طيبة" المجاور لمنزله بمدينة رفح جنوب قطاع غزة، توّج محمد عمر (54 عاماً) جهداً امتد على مدار عامين كاملين حقق خلاله حلمه بنسخ القرآن الكريم كاملاً بالرسم العثماني وبخط يده ليتحوّل المسجد إلى قبلة للزوار الراغبين بلقاء أول خطّاط في غزة ينسخ المصحف الشريف.

ووضع عمر اللمسات الأخيرة على سورة الناس آخر سور القرآن الكريم، ليلامس بذلك حلم عمره الذي تأخر عشرة أعوام بسبب معوقات كثيرة أبرزها فقدان منزله الذي دمرته قوات الاحتلال ضمن مئات المنازل الواقعة على الحدود الفلسطينية المصرية جنوب قطاع غزة عام 2003.

بداية الحلم
تنقل عمر وأسرته لعشرة أعوام في سبعة منازل بالإيجار لم يذق خلالها طعماً للاستقرار قبل أن يستقر به المقام في منزل دائم في الحي السعودي غرب مدينة غزة، ناله عوضاً عن منزله المدمر.

ويقول للجزيرة نت "خلال السنوات العشر من عدم الاستقرار لم يغب حلم نسخ القرآن الكريم عن مخيلتي وتفكيري ولكن الظروف لم تكن مواتية من أجل الانطلاق في تحقيقه حتى استقر بنا المقام في منزل مجاور لمسجد طيبة".

واتخذ عمر زاوية في المسجد يخلو بها مع نفسه لساعات طويلة يومياً بعد الصلوات اليومية خلف طاولة خشبية صغيرة يضع عليها كراساته وأقلامه الخاصة بالخط العربي، ويبدأ رحلته اليومية التي بدأت بسورة الفاتحة وانتهت بسورة الناس بالحروف والحركات.

عمر احتاج عامين من العمل لنسخ المصحف الشريف (الجزيرة)

وينظر المواطن الفلسطيني -الذي يعمل مدرساً للغة العربية لطلاب المرحلة الابتدائية منذ نحو ثلاثة عقود- لنجاحه في نسخ القرآن الكريم على أنه أعظم إنجاز في حياته.

وكان للخط الجميل الذي يتمتع به العامل الكبير الذي دفعه لهذا الانجاز، وقال "حباني الله عز وجل بنعمة جمال الخط العربي ولم أجد ما أشكره على هذه النعمة أفضل من نسخ كتابه الكريم".

صعوبات
لم تخل رحلة نسخ القرآن الكريم التي بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2017 من معوقات كثيرة، فهذا المعلم الذي لا يتقاضى راتبه كاملاً منذ سنوات كآلاف المعلمين من زملائه في غزة، عانى كثيراً في توفير أقلام الخط العربي التي استخدم منها خمسين قلماً بكلفة دولار ونصف الدولار للقلم الواحد.

ويقول عمر "أنجزت جل حلمي بالجهد الذاتي دون إنكار فضل بعض الأصدقاء ورواد المسجد الذين يتابعون عملي اليومي، وعندما انقطع عن النسخ ليوم أو يومين يدركون حاجتي إلى الأقلام فيوفرون لي بعضها".

وكانت أزمة انقطاع التيار الكهربائي ساعات طويلة أحد المعوقات الأساسية، فضلاً عن الحاجة إلى الهدوء والتركيز الشديد في نسخ القرآن بحروفه وكلماته وحركاته، والذي لا يتوفر دائماً خصوصاً في ظل الاعتداءات الإسرائيلية على غزة بين الفترة والأخرى.

وقال عمر "نسخ القرآن الكريم ليس كأي عمل، فأنت في مهمة سامية وجليلة ويحتاج إنجاز هذه المهمة إلى التفرغ التام والدقة والاستقرار النفسي".

وحرصاً على إنجاز مهمته بأفضل صورة، اختار عمر العمل اليومي من بعد صلاة العصر إلى موعد صلاة المغرب حيث يكون المسجد هادئاً وينجز خلال هذه الفترة من ثلاث إلى أربع صفحات، لكن إنتاجه كان يرتفع بشكل أكبر خلال أيام شهر رمضان المبارك.

للحلم بقية
وجد عمر كل الدعم والتشجيع من زوجته وأسرته وأصدقائه ومن رواد المسجد، ويحلم بأن يتم تتويج جهده وأن يجد الجهة التي ترعى هذا العمل وتتكفل بطباعته ويصبح متاحاً بين الأيدي خصوصاً منتسبي مراكز تحفيظ القرآن بمساجد القطاع.

ويقول إنه بصدد عرض نسخته من القرآن الكريم على جهات رسمية مختصة ووزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية من أجل مراجعتها وتدقيقها وإجازتها للطبع والنشر.

ورغم الفخر والفرح الكبيرين اللذين يشعر بهما عمر بإتمام حلمه، فإنه يشعر بشيء من الحزن لمفارقته عملاً واظب عليه يومياً على مدار عامين مبديا استعداده لطلب أي جهة تود الاستعانة به في عمل يظل يربطه بالقرآن الكريم.

المصدر : الجزيرة