حنين عالمي إلى العصور الوسطى بالسينما والأدب.. هل أخفقت وعود الحداثة؟

سحر وخيال العصور الوسطى يجمع مشاهدي مسلسل "لعبة العروش" الشهير (مواقع التواصل)
سحر وخيال العصور الوسطى يجمع مشاهدي مسلسل "لعبة العروش" الشهير (مواقع التواصل)

عمران عبد الله

إنه سحر وخيال العصور الوسطى والحنين الجارف إليها في العالم الغربي، الذي يجمع مشاهدي مسلسل "لعبة العروش" الشهير، ومنكري كروية الأرض والاحتباس الحراري ومناهضي التطعيمات والمشككين في إنجازات العلوم الحديثة من المهووسين برومانسية العصور الوسطى ووحشيتها وقسوتها وبدائيتها.. إنه مسار مختلف للتقدم غير ما يقدمه السياسيون والأكاديميون المعروفون، وغير ما يعد به المتفائلون من خبراء التكنولوجيا الحديثة.

لكن هذا المسار البديل الذي يتبناه كثيرون ممن يشعرون بالضياع والعدمية وفشل وعود الحداثة في الأزمنة المعاصرة، لا ينتمي إلى المستقبل، بل إلى الفترة بين القرنين الخامس والخامس عشر الميلاديين، وتحديدا في أوروبا منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية وانتهاءً بتشكل عصر النهضة والكشوفات الجغرافية.

فإذا نحّيت التنانين والزومبي بعيدًا عن الحبكة الدرامية لروايات "أغنية الجليد والنار" لجورج ريث مارتن، ستجد أمامك صورة أصيلة -على ما يبدو- لعالم من القرون الوسطى. وفي الواقع استلهم مارتن قصصه من أحداث تاريخية أوروبية، مثل حروب الورود والحروب الصليبية وحرب المئة عام، ويمتلئ المسلسل بمفردات وشخصيات تبدو من العصور الوسطى الأوروبية، بما في ذلك الفرسان (الذين انتهوا بحلول الحرب العالمية الأولى) والملكات والأمراء والسادة والقلاع، وكذلك المخططات المكيافيلية والمحاربون الوحشيون والأبطال النبلاء والأباطرة والسادة الأرستقراطيون المتعطشون للسلطة.

ورغم أن مسلسلات مثل "صراع العروش" و"فايكينغ" وغيرهما ليست تاريخية وتبدو مستوحاة من الأساطير الشعبية، فإنها -مع كشفها القليل فقط عن الماضي- تخبرنا الكثير عن كيفية تخيل ذلك الماضي، بحسب محاضر التاريخ بالجامعة المفتوحة ريتشارد مارسدن.

ويرى فلاسفة معاصرون أن مأزق ما بعد الحداثة يمكن من خلاله فهم الواقع المعاصر على أنه إعادة إصدار للقرون الوسطى. وخلال العقد الماضي اكتشفت دراسات العصور الوسطى بالفعل ثروة من آثار ومخيال هذه الفترة الزمنية في ثقافة البوب وألعاب الفيديو على سبيل المثال، فضلا عن الأفلام والتلفزيون والأدب الشعبي.

وجادل أستاذ العلاقات الدولية هيدلي بول بأن المجتمع الحديث يتجه نحو شكل من أشكال "العصور الوسطى"، حيث يجري تقويض مفاهيم الحقوق الفردية ويتزايد الشعور "بالصالح العام" والسيادة الوطنية.

الأمراء والقلاع والحصار والفرسان مفاهيم من العصور الوسطى (مواقع إلكترونية)

رومانسي وبشع وغريب
يسود العصورَ الوسطى في الخيال الشعبي قيم الهمجية والتمزق والجهل والركود الاجتماعي والانحدار، وتتناول الصورة الرائجة غالباً أزمنة الإقطاع والتمسك الشديد بالتقاليد والحروب الصليبية ومحاكم التفتيش. كما تنتمي المخلوقات الأسطورية مثل التنانين إلى فلكلور العصور الوسطى.

يقترح الباحث في العصور الوسطى ديفد ماثيوز أنه يمكن تصنيف وجهات النظر الحديثة عن العصور الوسطى بأنها إما رومانسية أو غريبة، ويتميز "صراع العروش" بكلا العنصرين.

ويعد أبطال المسلسل مثل الملك الشرير جوفري باريثون ووالدته سيرثي لانيستر وأمير الحرب المريض نفسياً رامزي بولتون، نماذج على البشاعة. وهم كذلك يمثلون نموذج العصور الوسطى كحقبة عنيفة لا يحكمها قانون.

وتم تناول هذه الفكرة من قبل أدباء عصر النهضة في إيطاليا الذين سعوا لإعادة اكتشاف وتعلم ثقافة اليونان القديمة وروما. وتعززت هذه الصورة عبر "الإصلاح الديني" الذي ربط الكاثوليكية بحماقات القرون الوسطى، بحسب الأكاديمي البريطاني مارسدن المختص بالتاريخ والمنتمي كذلك إلى حزب العمال.

وجرى تعزيز هذه المواقف في عصر التنوير خلال القرن الثامن عشر، إذ كان "نور العقل الحديث" والموضوعية متناقضين مع "الظلام" الخرافي الذي نُظر إليه باعتباره سمة للعصور الوسطى التي أصبحت تمثل إحباطا بالمقارنة مع إنجازات الحداثة.

التنانين مخلوقات أسطورية حاضرة بقوة في أدب العصور الوسطى (مواقع إلكترونية) 
وحشية قديمة وحديثة
أصبحت العصور الوسطى مرادفة للوحشية، واستُخدمت أيضًا لوصف شخصيات غير غربية. فمنذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 على الولايات المتحدة، اعتاد المسؤولون والصحفيون الغربيون وصف "المتطرفين الإسلاميين" بأنهم "من القرون الوسطى". وفي العام 2015، زعمت المرشحة الرئاسية الجمهورية الأميركية كارلي فيورينا أن دراستها لتاريخ العصور الوسطى ستساعدها في قتال تنظيم الدولة الإسلامية.

وبالمثل يمكن ملاحظة هذه الصورة في مسلسل "صراع العروش"، إذ جرى تصوير دوثراكي بأنهم تجار رقيق منغوليون ذوو طبيعة وحشية وبدائية، وفي المقابل جرى تقديم دانيريس تارجاريان باعتبارها محررة العبيد في قارة إيسوس الشرقية، وهي صورة تنتمي إلى العصور الوسطى وعالم الحروب الصليبية، إذ تمثل المنقذ الأبيض الذي يجلب الحرية للعبيد الشرقيين الذين يحملون بصمات ثقافية من الشرق الأوسط والأقصى، وفي المقابل جرى تقديم ويستيروس الغربية على أنها حظرت العبودية منذ قرون.

وبخلاف البشاعة والغرابة هناك الرومانسية التي تصور أبطالا شجعانا وشرفاء ويحملون قيم الفروسية ويقعون في الحب الرومانسي، وهي صورة كانت رائجة عن أبطال أدب العصور الوسطى باعتباره عصرا بطوليا حيث يمكن للأفراد اتخاذ خياراتهم الأخلاقية الخاصة، مثل آرثر وروبن هود.

وبالنسبة لمفكري القرن التاسع عشر ومنهم جون روسكين ووليام موريس، كانت فترة العصور الوسطى نموذجًا استطاعت البشرية من خلاله الهروب من التقلبات القاسية إلى الرأسمالية الصناعية.

ويبدو أن السينما والأدب اللذان يستلهمان العصور الوسطى قد نجحا بالفعل في إخبارنا بشعور المجتمع اليوم تجاه الماضي، ورغم أن معظم الناس قد يكونون سعداء بالتقدم البشري الذي تجاوز همجية العصور الوسطى، فإن الواقع السياسي والاجتماعي لا يزال محتفظا بالكثير من ظلمات الماضي. وإضافة إلى ذلك، يشعر كثيرون أيضًا بأن قيم الواجب والنبل والمسؤولية الاجتماعية قد فُقدت على طول الطريق نحو التقدم المزعوم.

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية