معالم حيفا العربية شاهدة على تاريخ فلسطين الثقافي والنضالي

مسجد النصر الكبير الذي يعرف أيضا بجامع الجرينة من العهد العثماني (الجزيرة)
مسجد النصر الكبير الذي يعرف أيضا بجامع الجرينة من العهد العثماني (الجزيرة)

محمد محسن وتد-حيفا

بعد 71 عاما على سقوطها لا تزال المعالم العربية الباقية في مدينة حيفا شاهدة على تاريخ فلسطين، ففي 22 أبريل/نيسان عام 1948، سقطت مدينة حيفا على أيدي العصابات الصهيونية بزعامة الهاغاناه وغيرها التي اعتبرت نجاح مشروعها مرتبطا بانتزاع مدينتي يافا وحيفا من العرب.

وتغيرت معالم حيفا التي كانت ميناء فلسطين وصلتها البحرية بالعالم، فالمدينة الفلسطينية منذ ذلك التاريخ تشهد غالبية معالمها العربية تغييرات جذرية بعد أن اقتحمها واستوطنها سكان جدد غرباء عنها بدعم وإيعاز من مختلف أذرع المؤسسة الإسرائيلية التي غيرت المباني والمعالم التاريخية والحضارية.

المدينة العربية في حيفا.. نحن هنا

وكان أن فقدت المدينة معالمها العمرانية بعدما تم هدم وطمس وتهويد وغلق مئات المباني وشق الطرقات والشوارع التي اخترقت الأحياء العربية بالمدينة لتطمس عروبتها، بيد أن البقية فيها من معالم عمرانية وبشرية خير شاهد على أن المدينة العربية ما زال فيها نبض يشكل حالة الذاكرة الفلسطينية الجماعية التي تعتبر أساس تحقيق حلم العودة، فيما تقول المعالم على مختلف مشاهدها "نحن هنا".

وشهدت حيفا اتساعا في أحيائها السكنية وتنويعا في الطراز العمراني المتأثر بالشرقي والغربي والأوروبي على وجه التحديد، ويستعرض المؤرخ والباحث جوني منصور في كتابه "حيفا، الكلمة التي صارت مدينة"، التاريخ الاجتماعي والثقافي للمدينة، وتاريخ العمارة الفلسطينية التي شهدت نموا وازدهارا في حيفا بالعهد العثماني وفترة الانتداب البريطاني، لافتا إلى أن المدينة وُفّقت في استيعاب نماذج عدة من الفنون المعمارية في فلسطين.

طمس المعالم

وقال منصور -وهو من مواليد حيفا- في مجمل عرضه للكتاب: "لقد تغيرت معالم حيفا وتبدلت عبر العقود السبعة الماضية، منذ وقوعها تحت الاحتلال الإسرائيلي، فآلة الصهيونية سعت إلى تغيير ملامحها ومعالمها من خلال مسلسل من التغييرات شمل تغيير الأسماء إلى العبرانية والصهيونية والتوراتية، وإلى هدم معالم بارزة من المعالم والمواقع العربية التي أقامها وشيدها أصحاب المدينة وسكانها الأصليون عبر الأزمان".

منظر عام لخليج حيفا (الجزيرة)

وأوضح المؤرخ منصور -للجزيرة نت- أن المشروع الصهيوني وبلدية حيفا سعيا إلى طمس المعالم العربية وإخفائها، مع السعي لإبراز الشكل الإسرائيلي واليهودي للمدينة.

وأكد أن البلدية بحيفا عملت -وبإيعاز من الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة- على تبديل الأسماء العربية التي تحملها الشوارع والأزقة والطرقات والأحياء إلى أسماء عبرية ويهودية وصهيونية، وذلك في جزء من مخطط إبادة المشهد الثقافي عبر عملية طمس المعالم الثقافية والفكرية العربية التي ميزت حيفا قبل سقوطها.

مدينة الكفاح والثقافة

في فترة الانتداب البريطاني، عاشت حيفا مشاهد من الحياة السياسية والنشاط الوطني والثقافي والحزبي، التي كان جُل اهتمامها القضية الفلسطينية وطرق مواجهة مخططات الحركة الصهيونية، إذ تشكلت بالمدينة حركة الكفاح المسلح الفلسطينية ضد الإنجليز، التي وضع أسسها الشيخ الشهيد عز الدين القسام إمام وخطيب جامع الاستقلال الذي ما زال شاهدا على تاريخ الثوار، رغم محاولة طمسه بالأبراج والمباني الشاهقة.

ورغم الاستعمار فقد تميزت حيفا التي سكنها 150 ألف نسمة، منهم سبعون ألف فلسطيني، وستون ألف سوري ولبناني وعشرون ألفا من يهود فلسطين، بالحياة الفكرية والثقافية والأدبية، حيث كانت واجهة لكوكبة كبيرة من الأدباء والشعراء والصحفيين والمعلمين والفنانين الكبار.

ساحة الحناطير في البلد التحتى على الطريق الساحلي لمدينة حيفا (الجزيرة)

وفي نظرة على ميناء حيفا بشاطئ البحر الذي اعتبر بوابة فلسطين البحرية إلى العالم، ورافدا أنعش المدينة عمرانيا وتجاريا واقتصاديا، تقابلك المنطقة الصناعية التي تضم معامل تكرير البترول، وسكة الحجاز التي أقيمت بقرار من الدولة العثمانية عام 1900، وربطت حيفا مع مدن بلاد الشام والحجاز ومصر والأردن.

قصة المدينة وصراع الوجود

وتسرد مشاهد معالم حيفا قصة المدينة وتاريخها والحضارات والثقافات التي عايشتها في مشاهد تثبت وجود الشعب الفلسطيني رغم سقوط المدينة في 22 أبريل/نيسان 1948، أي قبل أسابيع من النكبة، وتعكس الصراع الفلسطيني مع الحركة الصهيونية على الوجود بكل فلسطين التاريخية.

شكل قرار تقسيم فلسطين رقم 181 الصادر عن الأمم المتحدة في عام 1947، حافزا للعصابات اليهودية لاحتلال حيفا التي وقعت بموجب هذا القرار ضمن حدود الدولة اليهودية، إذ نفذت العصابات اليهودية المسلحة سلسلة من العمليات الإرهابية في الأحياء العربية، وقتل المئات من الفلسطينيين من جراء هذه العمليات، ولم تحرك القوات البريطانية ساكنا، كما أنها لم توفر الحماية للعرب ومنحت اليهود الضوء الأخضر لاحتلال حيفا وتحويلها لمدينة يهودية.

الاحتلال الإسرائيلي يستخدم عقارات للاجئين بالبلد التحتى مقرات حكومية (الجزيرة)

وتم تطهير المدينة عرقيا من سكانها العرب الأصليين، ومن بقي منهم حوالي ثلاثة آلاف من أصل سبعين ألف فلسطيني، تم تجميعهم في حي وادي النسناس وفرض عليهم حكم عسكري كأنهم أعداء، ولم ينتهِ هذا الحكم إلا بعد مرور سنتين من النكبة، ويبلغ تعداد سكان حيفا اليوم أربعمئة ألف نسمة منهم أربعون ألفا من العرب يسكنون في أحياء، الكبابير، الحليصة، وادي النسناس، وادي جمال، عباس والكرمة، علما أنه في مخيمات اللجوء والشتات هناك قرابة مليون حيفاوي.

معالم دينية متنوعة
وتحتضن حيفا المعالم الدينية لمختلف الطوائف والمذاهب، إذ ما زال هناك العديد من المساجد المنتشرة في أحياء المدينة رغم مشاريع الطمس والتهويد، ولعل أبرزها مسجد النصر الكبير الذي يعرف أيضا بجامع الجرينة، وهو قائم في الجهة الشرقية من المدينة، وكان يخدم رواد الحسبة، وبني في مدخله برج الساعة تكريما لذكرى جلوس السلطان العثماني عبد الحميد الثاني على العرش.

ويوجد في المنطقة ذاتها المسجد الصغير، الذي بناه الشيخ ظاهر العمر الزيداني، ومسجد الاستقلال، الذي شيده الشيخ ظاهر في عام 1925، ويقع خارج أسوار حيفا التي بناها الشيخ ظاهر، إضافة إلى مسجد الحاج عبد الله أبو يونس، الذي شيد في الثلاثينيات من القرن الماضي في حي الحليصة، ومسجد سيدنا محمود للجماعة الأحمدية في حي الكبابير.

إلى جانب ذلك، تشهد كنائس وأديرة حيفا على الحضور العربي للمسيحيين في المدينة، من خلال كنيسة السيدة للروم الكاثوليك التي بنيت في عام 1862، وكنيسة مريم العذراء للاتين، وتقع بجانب ساحة الحناطير.

وشيدت أيضا بجوار ساحة الحناطير كنيسة مار لويس المارونية، في نهاية القرن التاسع عشر، وكنيسة مار الياس للروم الكاثوليك، وكنيسة مار يوحنا الإنجيلي في حي وادي النسناس، وكنيسة القديس لوقا، بالإضافة إلى كنيسة مار يوسف للاتين، وكنيسة الملاك جبرائيل في حي محطة الكرمل.

كما أن للطائفة البهائية "معبد عباس" عند سفوح جبل الكرمل في حي الألمانية، ومن حواليه الحدائق المعلقة، حيث اتخذت هذه الطائفة مدينة حيفا مقرا عالميا لها، وفي عام 2008 أدرجت حدائق البهائيين المعلقة البالغ عددها تسع عشرة، ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو الدولية للتربية والثقافة والعلوم.

المصدر : الجزيرة