المقدسي يزن جابر.. من عتمة الزنازين إلى القمة في الفنون القتالية المختلطة

يزن جابر: شعور رهيب تملكني عند إعلان فوزي عقب المنافسة النهائية عندما حملت علم فلسطين على المنصة وسمعت النشيد الوطني الفلسطيني يصدح في أرجاء المكان

يزن جابر بعد فوزه بالميدالية الذهبية في بطولة غاما الآسيوية 2021 التي أقيمت في قرغيزستان (مواقع التواصل)
يزن جابر بعد فوزه بالميدالية الذهبية في بطولة غاما الآسيوية 2021 التي أقيمت في قرغيزستان (مواقع التواصل)

القدس المحتلة – بمجرد الوصول إلى بلدة العيساوية في القدس، تبدو آثار المواجهات اليومية مع قوات الاحتلال واضحة في الشوارع والأزقة، لكن سكان البلدة يصرون على ممارسة حياتهم الطبيعية رغم المنغصات وأشكال التنكيل المتعددة.

المواجهات الأخيرة اندلعت بعد الإعلان عن استقبال ابن البلدة بطل الفنون القتالية يزن جابر الذي عاد بميدالية ذهبية من قرغيزستان مساء أول أمس الأحد.

ولتنغيص فرحة استقباله، اقتحم جيش الاحتلال والقوات الخاصة البلدة وحاولوا تفريق الحشود التي تجمعت لاستقبال أول فلسطيني يحرز الميدالية الذهبية للرياضة الفلسطينية في "الفنون القتالية المختلطة" (MMA) بعدما شارك في بطولة غاما الآسيوية 2021 التي أقيمت في قرغيزستان.

استقبل جابر الجزيرة نت في منزله بعد عودته من زيارة طبية بسبب الإصابات التي تركزت في رجليه خلال المنافسات الثلاث التي خاضها، ورغم أنه يمارس إحدى أعنف أنواع الرياضة فإنه بدا هادئا وتحدث بصوت خفيض وانتقي كلماته بعناية.

يزن جابر -داخل منزله ببلدة العيساوية في القدس- يتحدث للجزيرة نت عن مسيرته الرياضية 

طفولة مسلوبة

وُلد يزن جابر في القدس عام 1998، وترعرع في بلدة العيساوية لكنه تعلق بالبلدة القديمة والمسجد الأقصى منذ نعومة أظفاره لأنه تلقى تعليمه المدرسي في مدارس البلدة العتيقة، وفي الـ16 من عمره اعتقلته قوات الاحتلال بتهمة رشق الحجارة والزجاجات الحارقة، وصدر بحقه حكم بالسجن الفعلي لمدة عامين مما اضطره لخوض امتحانات الثانوية العامة من داخل أسوار السجن.

تحرر يزن عام 2017 خلال هبّة البوابات الإلكترونية -التي اندلعت صيف ذلك العام- مما أدى إلى تعرضه لسلسلة اعتقالات كان آخرها شهر رمضان الماضي، ويتبع كل اعتقال عادة قرارا بالحبس المنزلي أو الإبعاد عن المسجد الأقصى.

حالة عدم الاستقرار بين الحرية والسجن لم تمنع هذا الشاب المقدسي من إكمال مسيرته التعليمية والالتحاق بتخصص التربية الرياضية في جامعة بيرزيت الفلسطينية التي سيتخرج فيها بعد أيام.

يزن جابر يحمل العلم الفلسطيني بعد تتويجه بالميدالية الذهبية (مواقع التواصل)

دخل عالم الرياضة مبكرا بتشجيع من والده، وكانت السباحة أولى الرياضات التي مارسها بعمر الـ6 أعوام، ثم بدأ تدريباته في كرة القدم لكنه لم يستمر طويلا بعد قرار بطرده من الملعب، لأنه يلجأ للضرب والمصارعة خلال اللعب.

هكذا بدأ شغفه بالفنون القتالية يتبلور، فالتحق بدورات لتعلم "الكونغ فو" لمدة عامين، ومنها إلى الملاكمة لكنه لم يشعر أنه حقق ما يصبو إليه، فقرر ولوج عالم رياضة "مواي تاي" التايلندية وتطور فيها سريعا.

لم يكتفِ بذلك فانطلق بتدريباته في رياضة "جوجيتسو" وحول هذه المسيرة قال "لم تستهويني الفنون القتالية التي تقتصر على استخدام اليدين أو القدمين بل أردت تعلم عدة فنون قتالية لأني أميل إلى القتال الحر من دون قوانين وقيود".

في البطولة الآسيوية، خاض جابر 3 نِزالات، 2 منها مع خصمين من كازاخستان، والمنافسة النهائية كانت مع لاعب هندي حيث تمكن يزن من الإطاحة به خلال النِزال الذي يتألف من 3 جولات، مدة كل منها 3 دقائق.

يزن جابر خلال مشاركته في منافسات الفنون القتالية المختلطة في بطولة غاما الآسيوية بقرغيزستان (مواقع التواصل)

جولات رياضية وسياسية

وعن تجربته في البطولة، قال "لم يكن أمرا سهلا خاصة أنني أُصبت في المنافسة الأولى وتفاقم الوضع سوءا في المنافستين الثانية والثالثة، لكنني قررت عدم الانسحاب ليس للحصول على الميدالية الذهبية فحسب، بل لرفع علم فلسطين واسمها عاليا في عالم الرياضة".

وعن شعوره بمجرد إعلان فوزه في المنافسة النهائية، صمت الشاب العشريني للحظات ثم قال "شعوري رهيب ولا يمكن وصفه عندما حملت علم فلسطين على المنصة، وسمعت النشيد الوطني الفلسطيني يصدح في أرجاء المكان. كثيرون هناك لا يعرفون أين تقع دولتنا ولا ما نعانيه تحت الاحتلال، وكان فوزي فرصة لتعريفهم على قضيتنا".

وأضاف جابر أنها المرة الأولى التي يرفع بها علم بلاده من دون أن يؤدي ذلك إلى اعتقاله، إذ تعتقل سلطات الاحتلال كل من يحاول رفع العلم الفلسطيني في القدس.

مجموعة من الميداليات التي حاز عليها يزن جابر خلال مسيرته الرياضية (الجزيرة نت)

يُرجع يزن السبب الرئيسي في نجاحه لابن بلدته ومدربه فادي مصطفى، الذي يقضي معه ساعات تدريبه اليومية في أحد الأندية الرياضية بالعيساوية، وأشار إلى أنه يتدرب يوميا على وقع القنابل الصوتية والغازية التي تخترق المكان وتعرقل تدريباته وتنهكه.

لم تخلُ مسيرته من محاولات الاحتلال تقديم إغراءات له بتبني موهبته الرياضية وتقديم راتب شهري له مقابل الانتساب لاتحاد رياضي إسرائيلي وخوض المنافسات باسمه، وكان ردُّ يزن على ضابط المخابرات "لن أرفع علم دولتكم يوما، ولن أقبل أن يتبنّى مُحتلي موهبتي".

عاد يزن بذاكرته إلى الوراء عندما كان يقبع في سجن "مجدو" للأشبال المقدسيين وكان يحاول ممارسة تدريباته الرياضية في السجن، وكيف قمعته إدارة السجن ومنعته من ذلك بادعاء أنه يمارس تدريبا عسكريا.

من عتمة زنازين السجون التي يزج به فيها قسرا بين الحين والآخر، خرج يزن جابر رغم كل المعوقات إلى العالمية، ولمع اسمه في عالم الفنون القتالية المختلطة، وعاد إلى بلدته المشتعلة بميدالية ذهبية ألهبت مشاعر المقدسيين خاصة بعد إهداء فوزه للقدس وفلسطين.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من القدس
الأكثر قراءة