بقطع أثرية فلسطينية مسروقة.. متحف إسرائيلي يعرض الرواية التوراتية

متحف "بلاد الكتاب المقدس" يحرص على تمرير الرواية التوراتية عبر معروضاته (الجزيرة)
متحف "بلاد الكتاب المقدس" يحرص على تمرير الرواية التوراتية عبر معروضاته (الجزيرة)

أسيل جندي-القدس

برفقة الباحث في التاريخ والآثار والتراث الفلسطيني بهاء الجعبة انطلقنا باتجاه غربي القدس قاصدين متحف "بلاد الكتاب المقدس" الإسرائيلي الذي عرض مؤخرا قطعا أثرية مسروقة من الضفة الغربية وسوريا والعراق في خزائن تحت عنوان "تحف ضائعة".

في مدخل المتحف الذي افتتح عام 1992 بعد تشييده على أراضي قرية "لفتا" المقدسية المهجرة عام 1948، يستقبل الزائرين بحفاوة موظفان يتقنان اللغتين العبرية والإنجليزية ويسألان عن سبب الزيارة.

يحصل الزوار على تذكرة دخول ويُسلَّمون خارطة تدلهم على حجرات المتحف العشرين. وبمجرد نزول السلالم الموصلة إلى البهو الرئيسي للمتحف، يجد الزائر نفسه أمام قاعات تضم مقتنيات من حضارات مرت عليها آلاف السنين.

أدوات فخارية معروضة تحت عنوات "تحف ضائعة" في متحف الاحتلال بالقدس (الجزيرة)

ضائعة أم مسروقة؟
جولتنا شملت جميع الحجرات، لكننا لم نعثر خلالها على المقتنيات الأخيرة المسروقة التي وجدناها في طابق آخر يضم قاعة صغيرة للمعارض المؤقتة، وحمل المعرض اسم "تحف ضائعة"، وضمت خزانته الرئيسية أدوات فخارية كتب أعلاها "أدوات من أرض إسرائيل".

باللغات العبرية والعربية والإنجليزية، كتب على لافتة زجاجية النبذة التالية عن المعرض "بوركت أرض إسرائيل والدول المجاورة لها بالمواقع الأثرية الغنية بتراث الحضارات البشرية المختلفة، هذه الوفرة من المواقع والتحف الأثرية لا تجذب إليها الأثريين فقط، بل سارقي الآثار أيضا الذين يتاجرون بالتحف الأثرية بشكل غير قانوني.. مع تأسيس الإدارة المدنية الإسرائيلية في يهودا والسامرة عام 1967 أقيمت معها وحدة ضابط قيادة شؤون الآثار المسؤولة عن البحث الأثري في هذه المناطق ومنع سرقتها، وخلال سنوات عمل الوحدة تمت مصادرة عشرات آلاف التحف الأثرية التي سرقت أو تم تهريبها بشكل غير قانوني من دول الشرق الأوسط".

الباحث المقدسي بهاء الجعبة يدقق في المقتنيات المسروقة والمعروضة في متحف "بلاد الكتاب المقدس" الإسرائيلي (الجزيرة)

على يسار هذه النبذة توجد خارطة تشير إلى مواقع استخراج التحف الأثرية من كافة محافظات الضفة الغربية، وأسفل اللافتة كتب أن هذا المعرض يقام بالتعاون بين متحف "بلاد الكتاب المقدس" والإدارة المدنية الإسرائيلية وضابط قيادة شؤون الآثار.

الباحث المقدسي بهاء الجعبة الذي يعمل في عدة متاحف فلسطينية علق على هذه المقتنيات قائلا إن عرضها غير قانوني لأنها لم توثق بطريقة علمية حسب ما هو متعارف عليه عالميا في أخلاقيات المهنة بالعرض المتحفي، إذ يحظر على أي متحف عرض قطع مجهولة المصدر أو تم الحصول عليها بطريقة غير قانونية.

معروضات متحف "بلاد الكتاب المقدس" لا تحمل رقما تسلسليا ولا توثيقا لتوقيت العثور بما يتنافى مع المواثيق الدولية (الجزيرة)

منافاة الأخلاق
"كل قطعة تعرض في أي متحف يجب أن تحمل رقما تسلسليا وتوثيقا لتوقيت العثور عليها، ثم إجراء دراسة على هذه الآثار لتقديم الرواية الدقيقة عنها عند عرضها في المتحف. وهذه القطع لا تحمل هذه المواصفات، الأمر الذي ينافي المعاهدات الدولية المتعلقة بحماية الموروث الثقافي في حالات النزاع المسلح" يضيف الجعبة.

القطع الأثرية المعروضة عبارة عن أوان فخارية وأسرجة وجرار تعود للعصور الحديدي والبرونزي الأول والثاني والثالث، بالإضافة إلى قطع تعود للقرنين السادس والسابع الميلاديين.

رموز الخصوبة التي كانت تقدم للآلهة قديما لكسب الخصوبة الإنسانية، وهي تحف مسروقة عرضت بالمعرض (الجزيرة)

ويرى الجعبة أن اختيار القطع من هذه العصور بالتحديد لم يكن عبثيا، لأنها تمثل فترات تاريخية معروفة لدى علماء الآثار الذين يعتبرون أن لإسرائيل علاقة مباشرة بالعصر الحديدي في فترة الملك داود وسليمان وبناء الهيكل الأول.

أما العصر البرونزي فيشير إلى الكنعانيين والعبرانيين وصراعهم على الأرض، حسب الجعبة الذي أضاف أن "الرسالة المبطنة من هذا المعرض هي التأكيد أن إسرائيل متأصلة في هذه الأرض منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام، وأن البقاء عليها حق لها كونها تمثل أرض الآباء والأجداد".

هذا المتحف وغيره من المتاحف الإسرائيلية التي زارها الجعبة قال إنها تمرر الرواية التوراتية لتبرير وجود الاحتلال في البلاد، وإن "جميع المعروضات بالمتاحف تتحدث عن أحقية اليهود بالعيش في فلسطين، وتُحبك روايات لربط اليهود بكافة الشعوب والحضارات القديمة في الشرق الأوسط".

الجعبة: كل الآثار الموجودة بالمتاحف الإسرائيلية وبأخرى خارج البلاد هي آثار فلسطينية سرقت أو بيعت (الجزيرة)

إخفاق فلسطيني
وعلى الجانب الآخر أبدى الجعبة أسفه لعدم وجود متاحف فلسطينية منافسة لما تعرضه نظيرتها الإسرائيلية التي تبهر الزوار بمعروضاتها وبقوة بحثها وتسلسل روايتها، وإن كانت تظهر جانبا ضحلا من الحقيقة، "فمتاحفنا الفلسطينية تهتم حتى الآن بالتراث الفلسطيني كالزي والأغاني الشعبية، لكنها تغفل جانبا مهما وهو الآثار، وحتى الآن لا يوجد لدينا متاحف أثرية تنشر الرواية الفلسطينية الحقيقية، وهذا نقص غير مبرر".

وختم الباحث المقدسي حديثه بالتأكيد أن جميع الآثار الموجودة بالمتاحف الإسرائيلية وبأخرى خارج البلاد هي آثار فلسطينية سرقت أو بيعت أو تم نهبها أثناء التنقيب عنها، ويحق للفلسطينيين المطالبة باسترجاع كافة القطع الأثرية المسروقة، وتساعدهم في ذلك المعاهدات الدولية التي وقعت عليها الدول بهذا الشأن.

وكانت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية قد عرضت قبل أيام أن متحف "بلاد الكتاب المقدس" عرضت آثارا منهوبة من مناطق مختلفة في الضفة الغربية وأخرى من سوريا والعراق، في معرض يقيمه المتحف بالشراكة مع الإدارة المدنية الإسرائيلية.

المصدر : الجزيرة