التصنيف الائتماني.. ماهيته وأهميته للدول والمؤسسات

من مستقر إلى سلبي.. تحول في التصنيف الائتماني السعودي
التصنيف الائتماني بالنسبة للشركات أو البنوك أو الدول يعني الجدارة الائتمانية وقدرة تلك الكيانات على الحصول على القروض اللازمة (الجزيرة)

في ظل عالم تحكمه قواعد الاقتصاد الرأسمالي، نجد أن الدَّيون كآلية، لها أهمية كبرى، فهي التي تمول مشروعات الشركات والدول، وعليها تُبنى الكثير من القرارات والإستراتيجيات الاقتصادية، ومن هنا وجدت الحاجة لتنظيم عالم الديون، ومن بين مقتضيات هذا العالم، الوقوف على إمكانيات المدين، وقدرته على السداد المنتظم، الذي لا يربك سوق الدين، ويضمن حقوق الدائنين.

ولطالما طالعنا وسائل الإعلام التي تنشر تقارير وكالات التصنيف الائتماني، حول البنوك أو الشركات الكبرى، أو الدول، ولعل الجانب الأكثر أهمية بالنسبة للتصنيف الائتماني، هو ما يتعلق بالدول، فعليه تترتب أوضاع إيجابية أو سلبية بالنسبة لتكلفة الاقتراض.

  • فإذا كان التصنيف الائتماني لدولة ما قويا، فهو يعني أن الدولة لديها جدارة ائتمانية، تمكنها من الحصول على القروض، وسدادها في موعدها، وعندئذ، تكون تكلفة التمويل الذي تحصل عليه الدول المقترضة، عند حدودها الدنيا المتعارف عليها، والعكس صحيح، فكلما كانت الجدارة الائتمانية ضعيفة لدولة ما، كانت تكلفة حصولها على الديون عالية، بل وقد تصرف الدائنين عن إقراضها، على الرغم من احتياج الدول لتلك القروض.

ماهية التصنيف الائتماني

التصنيف الائتماني (Credit Rating)، بالنسبة للشركات أو البنوك أو الدول، يعني الجدارة الائتمانية، أو قدرة تلك الكيانات على الحصول على القروض اللازمة، ومدى وفائها بما عليها من التزامات في موعدها، وعادة ما ينظر من خلال التصنيف الائتماني إلى عدة مؤشرات، منها:

ـ الأصول التي يمتلكها الكيان طالب القرض.

– وكذلك مدى سهولة التدفقات النقدية إليه، سواء من الداخل أو الخارج

– وأيضًا سابقة تعامله مع الدائنين، وأسعار الفائدة التي حصل بها على قروضه من قبل.

– وفي حالة الدول، عادة ما يتناول تقرير وكالات التصنيف مدى حالة الاستقرار السياسي والأمني، وتأثيرها على الوضع الاقتصادي، وبخاصة القدرة على سداد الديون.

ـ عادة ما يكون التصنيف يتناول البعد الزمني، لوضع الكيان الذي يشمله التصنيف، من حيث المدى القصير أو الطويل، لذلك عادة ما نجد تقارير وكالات التصنيف الائتماني تضع عبارة "نظرة مستقبلية سلبية، أو إيجابية، أو غير مستقرة، أو مستقرة".

ـ ثمة مفهوم آخر مرتبط بالتصنيف الائتماني، وهو استدامة الدَّين، فكلما كان الكيان طالب القرض قادرًا على سداد التزاماته تجاه الديون، من فوائد وأقساط، في مواعيدها، ولم يطلب تأجيل السداد، أو إعادة هيكلة الديون، أو مد أجل السداد أو لم يتعثر في السداد، وصف دَين هذا الكيان بالاستدامة، ويكون مؤهلا للحصول على القروض من المؤسسات الدائنة، سواء كانت مؤسسات دولية، أو تجارية، أو من أسواق الدين الدولية، مثل السوق الدولية للسندات.

ـ يعد التصنيف الائتماني، بمثابة صك لصلاحية أو عدم صلاحية الكيان المعنِي، للحصول على القروض من أسواق الائتمان، أو المؤسسات المالية الدولية، وعادة ما يلجأ الكيان طالب القروض، للحصول على تقرير عن وضعه الائتماني من وكالات التصنيف الائتماني، أو يقوم هو بإعداده عبر إداراته الداخلية، ولكن في بعض الأحيان، تقوم جهات خارجية بعمل التصنيف لتتأكد من شفافية ما تتضمنه التقارير الخاصة بالتصنيف الائتماني من معلومات، يمكن أن يبنى عليه قرار الائتمان.

ـ كانت وكالات التصنيف الائتماني في بداية عملها تنشر تقاريرها عن الدول والمؤسسات نظير اشتراك، لمن يريد الحصول عليها، ولكن نظرًا لضياع حقوقها المادية بسبب نسخ أو تصوير تلك التقارير وعدم دفع مقابل مادي لها، جعلت بعد ذلك تكاليف إعداد هذه التقارير على من يطلبها، سواء كانت مؤسسات أو دولا.

الوكالات الدولية للتصنيف الائتماني

ـ تعرف سوق الائتمان 3 مؤسسات كبرى، معنية بإصدار تقارير الائتمان عن المؤسسات والدول، وهي موديز، وستاندرد آند بورز، وفيتش، وهذه الوكالات بعضها مارس عمله في بداية القرن الـ20، إلا أنها اكتسبت أهمية كبرى، عندما اعتمدتها هيئة الأوراق المالية الأميركية في عام 1975، كجهات ذات مصداقية واعتماد لديها. وهذه الوكالات هي مؤسسات أميركية، منذ نشأتها وحتى الآن.

ـ تسيطر هذه الوكالات على نسبة كبيرة من سوق إصدار التصنيفات الائتمانية، يقدرها البعض بنحو 95%، ولكن نصيب موديز وستاندرد آند بورز هو الأكبر، وتتراجع حصة فيتش مقارنة بالوكالتين الأخريين، وإن كان السوق قد شهد مؤخرًا ميلاد شركة تصنيف صينية، ولكنها ما زالت دون مستوى الوكالات الثلاث الأخرى.

ـ مستويات التصنيف لدى وكالات التصنيف الائتماني، تتراوح ما بين (AAA) "درجة أمان عالية"، وهو أعلى تصنيف للجدارة الائتمانية، وإن كان يتضمن درجات تابعة مثل (AA)، أو (A)، ثم تصنيف (BBB) ويعني جدارة ائتمانية متوسطة" ودرجاته المختلفة، كما هو في التصنيف السابق، ثم التصنيف (CCC) "جدارة ائتمانية عالية المخاطر"، ثم التصنيف الأخير (DDD) "جدارة ائتمانية متعثرة" ودرجاتهما المختلفة كما في التصنيفين السابقين.

أثر تقارير وكالات التصنيف على الاقتصاديات والعملات

ـ يلاحظ أن ثمة آثارًا مختلفة لتقارير وكالات التصنيف الائتمانية على أداء الاقتصاديات المختلفة للدول وعُملاتها، وذلك حسب مدى سيطرة الدولة على إدارة الاقتصاد، فكلما كانت مقدرات السوق أو العملة خاضعة لآليات العرض والطلب، كان تأثير تقارير التصنيف الائتماني عاليًا، إيجابًا وسلبًا.

ـ تقارير وكالات التصنيف الائتماني، قد تساعد على تدفق الاستثمارات الأجنبية للبلاد، وبالتالي رفع قيمة عملتها، أو العكس فقد تساعد على خروج الاستثمارات الأجنبية، وبخاصة تلك الاستثمارات غير المباشرة، التي يمكنها الخروج بسرعة من الأسواق المعرضة للخطر.

ـ أن العملات المحلية في هذه الحالة تتراجع بشكل كبير، تأثرًا بخرج الأموال الخاصة بتلك الاستثمارات، بسبب زيادة الطلب على العملات الأجنبية في السوق المحلية.

ـ أما الاقتصاديات التي تشهد تدخلاً كبيرًا من قبل الدول، فتأثير وكالات التصنيف على اقتصادياتها، يكون محدودًا، وبخاصة في المحيط المحلي، أما على الصعيد الخارجي فتكون تقارير تلك الوكالات مؤثرة بشكل كبير.

المؤسسات الدولية واعتماد تقارير وكالات التصنيف

ـ عادة ما تطالب المؤسسات المالية الدولية، الدول طالبة المساعدة أو القروض، بأن يتوفر لديها تصنيف ائتماني يحدد جدارتها الائتمانية، كأحد مسوغات التعامل معها.

ـ فضلاً عن أن المؤسسات الدولية، تقف عبر فرق خبرائها على حقيقة الوضع الائتماني للدول التي تطلب مساعداتها والحصول على القروض، وعادة ما تكون تقارير وكالات التصنيف مسوغًا لتسويق الدول المقترضة لدى الدائنين الدوليين، أو أسواق الدَّين.

حيادية محل شك

ـ الأصل أن وكالات التصنيف الائتمانية، هي مؤسسات فنية محايدة، ولكن الممارسة العملية، أثبتت أن بعض هذه التقارير وفي بعض الأوقات، كانت مسيسة، وفق إرادة القوى الكبرى.

ـ مثلاً في عام 2010، وفي عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما، ذهب تقرير مؤسسة ستاندر آند بورز إلى تخفيض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة الأميركية، وهو ما أغضب أميركا، وطالبت أميركا الوكالة بسحب تقريرها خلال 24 ساعة، وهو ما تم بالفعل، وتم إعادة تصنيف الوضع الائتماني لأميركا عند أعلى درجاته كما كانت (AAA).

ـ تكرر الوضع مع نحو 9 دول أوروبية عقب تفاقم الأزمة المالية لأوروبا بعد عام 2010، وهو ما دعا بعض الدول الأوروبية وعلى رأسها ألمانيا بالتفكير في تأسيس وكالة تصنيف خاصة بأوروبا.

ـ تكرر الشيء نفسه في عام 2018 مع تركيا، حيث تم تخفيض تصنيفها الائتماني على الرغم من أدائها الاقتصادي الجيد، بسبب خلافها السياسي مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

المصدر : الجزيرة