العراقيب قرية فلسطينية تتحدى محاولات الاقتلاع الإسرائيلية

العراقيب قرية فلسطينية تقع في بادية صحراء النقب داخل أراضي 48، وتحديدا شمال مدينة بئر السبع، وهي واحدة من 45 قرية عربية في النقب لا تعترف بها إسرائيل، وتتعرض باستمرار للهدم على أيدي قوات الاحتلال.
أصبحت القرية عنوانا للدفاع عن الحقوق الفلسطينية، إذ يخوض سكانها معركة إرادات من أجل البقاء والحفاظ على الأرض والهوية من سياسات التهويد التي تهدف إلى اقتلاعهم من أرضهم.
الموقع والسكان
تقع قرية العراقيب في بادية منطقة النقب داخل أراضي فلسطين التي احتلتها إسرائيل إبان النكبة عام 1948، وتحديدا على منطقة جبلية شمال مدينة بئر السبع.
تمتد أراضي القرية على مساحة 1050 دونما (الدونم يعادل ألف متر مربع)، وتبعد عن مدينة القدس نحو 110 كيلومترات إلى الجنوب منها.
وتتكون العراقيب من 40 منزلا أغلبها من الصفيح، وتقطن فيها نحو 22 عائلة، يقدر عدد أفرادها بنحو 400 نسمة.
الاقتصاد
نتيجة لطبيعة الأرض الصحراوية التي تفتقر إلى جميع الخدمات المختلفة، يعتمد اقتصاد العراقيب على رعي الماشية والزراعة، خاصة أشجار الزيتون التي اقتلعت جرافات الاحتلال الإسرائيلي الآلاف منها في عمليات الهدم المتكررة.
تحرم السلطات الإسرائيلية سكان القرية من الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة والماء والكهرباء والاتصالات، باعتبارها من "القرى غير القانونية".
وللحصول على الخدمات يضطر السكان إلى السفر إلى مدينة رهط التي تبعد حوالي 6 كيلومترات عن قريتهم، ويحصلون على الكهرباء من المولدات وألواح الطاقة الشمسية، في حين ينقلون المياه من القرى المجاورة بالصهاريج.
التاريخ
يقول سكان العراقيب إن قريتهم أنشئت منذ مئات السنين، وإنهم يملكون وثائق "طابو" (شهادات ملكية للأرض) صادرة أيام الحكم العثماني، ويستدلون على ذلك بأن مقبرة القرية يعود وجودها إلى بداية القرن 19 الميلادي.
وقد عاشت فيها عائلتا العقبي والطورة حتى عام 1948، عندما طردتهم العصابات الصهيونية إلى منطقة الظاهرية في مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية، ولكن سمح لبعض أفرادها بالعودة عام 1949.
وحين احتلت إسرائيل منطقة النقب عام 1949 أصبحت العراقيب واحدة من 45 قرية عربية في النقب لا تعترف بها السلطات الإسرائيلية، وتحرمها من الخدمات الأساسية وتعتبرها "قرى غير قانونية".
في عام 1951 أمرت الحكومة الإسرائيلية سكان القرية بترك منازلهم 6 أشهر بحجة التدريب العسكري في المنطقة، ومن بعدها لم يسمح لهم بالعودة وصودرت معظم أراضيهم سنة 1954 بموجب "قانون أملاك الغائبين" الذي أقره الاحتلال سنة 1953وصادر بموجبه مئات آلاف الدونمات التي يملكها فلسطينيو الداخل.
ونص القانون -الذي يعرف أيضا باسم قانون "الحاضر الغائب"- على أن كل فلسطيني من الداخل لم يوجد فوق أرضه من عام 1948 حتى أبريل/نيسان 1953 تنتقل أملاكه إلى إسرائيل، وتخصص "للصالح العام" ولأغراض أمنية وعسكرية، وبموجب ذلك نقلت مئات آلاف الدونمات من ملكية فلسطينيي 48 إلى إسرائيل.
انتهى المطاف بمعظم سكان القرية مهاجرين إلى مدينة رهط وبلدة حورة بالداخل المحتل.
وفي عام 1998 قررت 50 عائلة بدوية العودة إلى العراقيب للعيش على أراضيها بعد اعتزام "الصندوق القومي اليهودي" (كيرين كاييمت) تشجير أراضيها. وبمرور الوقت، تصاعدت وتيرة المواجهات بين السكان والسلطات الإسرائيلية.
رحلة نضال
إضافة إلى تجذرهم بأرضهم وتشبثهم بإعادة بناء قريتهم في كل مرة يهدمها الاحتلال، يخوض سكان القرية -أسوة بعشرات العائلات من مختلف القرى- نضالا قضائيا في كل ما يتعلق بحقوق الملكية للأرض، ويرفضون مشاريع إسرائيل لتجميع البدو، ويرون فيها خطة للاستيلاء على أراضيهم، فضلا عن رفضهم قبول أي تعويضات تقترحها إسرائيل مقابل تنازلهم عن أرضهم.
في بداية السبعينيات من القرن العشرين تقدمت عائلات القرية بطلب للمحكمة الإسرائيلية لاسترداد أراضيها، غير أن هذه المطالبات بقيت مجمدة.
وتتعمد السلطات الإسرائيلية أيضا التحايل على سكان القرية لسلبهم حقوق الملكية، بحجة أن المنطقة تابعة "للصندوق القومي اليهودي"، وأحيانا بذريعة البناء من دون ترخيص، إضافة إلى ذريعة "الدواعي الأمنية والعسكرية".
ورغم أن السلطات الإسرائيلية أبلغت السكان البدو بأن "كل من لديه دعوى بخصوص الملكية على الأرض يمكنه التوجه إلى المحاكم"، ورغم أن عشرات العائلات قدمت دعاوى ملكية، فإن أغلب الملفات حسمت لمصلحة الاحتلال الإسرائيلي.
كذلك لجأت محاكم الاحتلال إلى شرعنة مصادرة أراضي القرية تحت ذريعة التطوير للأغراض العامة والأهداف والعسكرية"، وهو وجه آخر للتهجير القسري بقوة السلاح، بغية توظيف الأرض للمشاريع الاستيطانية والتهويدية.
وفي عام 2011 رفع مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بحقوق الشعوب الأصلية، جيمس أنايا، تقريرا إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بشأن ما تتعرض له قرية العراقيب، وردت الحكومة الإسرائيلية رافضة تصنيف سكان القرية شعوبا أصلية ومنكرة وجودهم، وزعمت أن "سكان القرية يسيطرون على أرض تعد ملكا للدولة"، وأن "هذه الأراضي لم تكن يوما ملكية لأفراد".
في العام نفسه، عقدت القيادات والأحزاب السياسية الفلسطينية في أراضي 48 -بمناسبة ذكرى يوم الأرض التي تحل في 30 مارس/آذار من كل عام- أنشطة في العراقيب باعتبارها رمزا للمقاومة والصمود، ودعما لأهلها.
كما نجح نضال سكان القرية في حشد تحالفات وناشطين محليين ودوليين للوقوف إلى جانبهم، مثل منتدى التعايش السلمي في النقب من أجل المساواة المدنية والمجلس الإقليمي للقرى غير المعترف بها وحركة عدالة.
وتُنظّم لجنة الدفاع عن العراقيب بالتعاون مع لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية مظاهرة أسبوعية عصر كل يوم أحد احتجاجا على هدم بيوت القرية.
هدم متواصل
أصيب 4 من سكان العراقيب واعتقل 15 آخرون في صدامات مع الشرطة الإسرائيلية يوم 23 سبتمبر/أيلول 2009، وقمعت إسرائيل السكان أثناء تصديهم لموظفين وعمال تابعين "لصندوق أراضي إسرائيل"، بعد أن دخلوا أراضيهم لمصادرتها وغرس أشجار فيها.
وتعرضت بيوت أهالي العراقيب المبنية من الخشب والبلاستيك والصفيح أول مرة للهدم الكامل بالجرافات الإسرائيلية، وشرّد أهلها في 27 يوليو/تموز 2010، إذ طوق مئات من عناصر الشرطة الإسرائيلية القرية لحماية الجرافات الإسرائيلية التي باشرت هدم 40 منزلا في القرية بحجة البناء من دون ترخيص، وشردت نحو 300 من سكانها البالغ عددهم وقتها 400 نسمة، مما أدى إلى اندلاع مواجهات بين سكان القرية وقوات الشرطة.
وبحلول يونيو/حزيران 2025 شهدت العراقيب 241 عملية هدم، ففي عام 2024 هدمت 11 مرة، و11 مرة في عام 2023، و15 مرة في عام 2022، و14 مرة في عام 2021، وذلك في محاولة من سلطات الاحتلال لدفع أهالي القرية إلى الإحباط واليأس وترك أرضهم.
وتفرض سلطات الاحتلال غرامات عالية بملايين الدولارات على سكان القرية أجرة للآليات والقوات التي تشارك في عمليات هدم منازلهم.