انقطاع الدواء وشح حليب الأطفال.. أزمات متكررة تفاقم معاناة السوريين

"اضطررت إلى تخفيف حليب بودرة للكبار بالكثير من الماء لإرضاع ابني البالغ من العمر 4 أشهر ليومين متتاليين، قبل أن أتمكن من شراء علبة حليب أطفال من إحدى الصيدليات بثلاثة أضعاف ثمنها الذي كنت أشتريها به قبل شهر فقط".

تقول هيفاء (38 عاما)، وهي أمّ من ريف دمشق، واصفة جزءا من معاناتها مع انقطاع حليب الأطفال مؤخرا من الصيدليات في مدينتها بريف دمشق، رغم الارتفاع الكبير الذي شهدته أسعاره.

وكحال هيفاء، تلجأ أمهات سوريات إلى إرضاع أطفالهن حليبا مجففا أو حليب أبقار بدلا من حليب الأطفال الذي فُقد قبل أسابيع من الأسواق، وهو ما ينطوي على أخطار صحية محتملة "كعسر الهضم، ونقص الفيتامينات والمعادن الضرورية لنمو الطفل، وإرهاق لكلى الأطفال العاجزة عن التعامل مع الحليب المجفف وحليب الأبقار، وقد يسبب إرضاع الطفل تحت سن 10 أشهر حليب الأبقار نزيفا معويا"، بحسب طبيب الأطفال محمد صباغ.

وعلى الرغم من رفع وزارة الصحة تسعيرة حليب الأطفال "نان" إلى 18 ألف ليرة (2.7 دولار) و"كيكوز" إلى 15 ألف ليرة (2.3 دولار)، فإن المادة لم تتوفر في الأسواق إلا بكميات شحيحة وبسعر 50 ألف ليرة (7.6 دولارات) للعلبة الواحدة.

كما شهدت الأسابيع القليلة الماضية انقطاعا لبعض الأصناف الدوائية في مناطق سيطرة النظام، وسط تصريحات لعاملين في المجال بتوقف 15 معملا للأدوية عن العمل بشكل مستتر، ومطالبة آخرين بزيادة تسعيرة الأصناف الدوائية بـ150% لتغطية كلفة الإنتاج المرتفعة.

A Jordanian money changer exchanges currency for customers during their travel to Syria, at Jordan's Jaber border crossing, near Syria's Nassib checkpoint, near Mafraq, Jordan, October 25, 2018. Picture taken October 25, 2018. REUTERS/Muhammad Hamed
ارتفاع أسعار الأدوية يرجع إلى ارتفاع سعر صرف الدولار أمام الليرة (رويترز)

سيناريو مكرر

ورفعت وزارة الصحة في حكومة النظام، الثلاثاء الماضي، أسعار الأدوية بنسبة 50% استجابة لمطالب المجلس العلمي للصناعات الدوائية وأصحاب معامل الأدوية، وشمل الرفع نحو 12 ألفا و826 زمرة دوائية.

وأرجعت مديرية الشؤون الصيدلانية في الوزارة، في منشور على صفحتها الرسمية في فيسبوك، ارتفاع أسعار الأدوية إلى ارتفاع سعر صرف الدولار أمام الليرة في البنك المركزي من 3015 ليرة إلى 4522 ليرة، وإلى ارتفاع تكاليف حوامل الطاقة، و"حرصا على استمرار توفر الأدوية في السوق"، كما جاء في منشور المديرية.

وكان المجلس العلمي للصناعات الدوائية طالب، الخميس الماضي، برفع أسعار الأدوية بنسبة 152% لتتناسب مع تكلفة الإنتاج المرتفعة، ولتجنب استمرار أزمة الدواء الراهنة.

وقال عضو في المجلس العلمي للصناعات الدوائية، لصحيفة الوطن شبه الرسمية في العاشر من يناير/كانون الثاني الجاري، إن الصناعة الدوائية في مناطق النظام "في أسوأ أيامها"، مبينا أن تكاليف الإنتاج مرتفعة جدا ولا تتناسب مع نشرة الأسعار السابقة للوزارة.

وأشار إلى توقف 15 معملا للأدوية عن العمل في سوريا بشكل مستتر خلال الأزمة الحالية لعدم توفر الشروط اللازمة للإنتاج.

في حين كشف رئيس المجلس العلمي للصناعات الدوائية نبيل القصير، في مقابلة الأسبوع الماضي على إذاعة "شام إف إم" المحلية، عن انخفاض الإنتاج الدوائي بشكل كبير، وأرجع السبب في ذلك إلى شح الوقود وعجز الحكومة عن تأمين حوامل الطاقة.

وقال القصير إن معامل الأدوية بحاجة إلى 75 ألف لتر من مادة المازوت شهريا، في حين لم يُوزع عليها سوى 5 آلاف لتر خلال شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي، مما اضطر المعامل إلى تخفيض عملها إلى يومين أو 3 أيام فقط في الأسبوع.

ويرى أنس (27 عاما)، صيدلاني في دمشق، أن سيناريو انقطاع الدواء ورفع سعره ثم إعادة توزيعه بالأسعار الجديدة بات مكشوفا، وقال "إنها حيلة قديمة يقوم بها كبار التجار والمستفيدين بالتعاون مع الحكومة لرفع الأسعار عن طريق الصدمة التي يشكلها انقطاع الأصناف الدوائية".

خسائر ونقص في التوريدات

وقدّرت نقيبة الصيادلة في مناطق سيطرة النظام وفاء كيشي حجم خسائر معامل الأدوية في الآونة الأخيرة بنحو 200% بسبب التوقف الاضطراري عن الإنتاج.

وعن أزمة شح حليب الأطفال المستمرة منذ مطلع يناير/كانون الثاني الجاري، قالت كيشي -في حديث الأسبوع الماضي على إذاعة "شام إف إم" المحلية- إن التوريدات من المادة منقطعة منذ أسبوعين، وهو ما أدى إلى انقطاعها من الصيدليات، وإن الكميات التي ستستورد خلال الأسبوع الحالي ستكون قليلة أيضا.

وزارة الصحة في حكومة النظام رفعت أسعار الأدوية بنسبة 50% (شترستوك)

سخط شعبي

وأثار انقطاع الدواء وحليب الأطفال وارتفاع سعريهما مؤخرا موجة غضب بين السوريين على مواقع التواصل الاجتماعي.

واستنكر الدكتور منذر خدام، في منشور على صفحته في فيسبوك، انقطاع دواء الضغط الخاص به في 15 صيدلية قصدها تباعا قبل أيام، وذلك قبل أن يتوفر الدواء بعد رفع الأسعار "بقدرة قادر"، حسب تعبيره.

في حين دونت الصيدلانية رهام حيدر قائلة "إن البلاد التي تدعي أن الخبز والدواء هما خط أحمر قد أسقطت حليب الأطفال من اعتباراتها"، وأشارت في منشور لها على فيسبوك إلى انقطاع حليب الأطفال من صيدليتها لشهر كامل قبل أن تصلها أخيرا 4 عبوات من المادة، واضطرت الصيدلانية للمفاضلة بين زبائنها ما دامت غير قادرة على مساندة جميعهم لشح الكمية.

وقال إلياس (52 عاما)، موظف حكومي من دمشق، إن أسعار الأدوية الجديدة لا تتناسب ومعاشه الذي بالكاد يكفيه لطعام أسبوع.

وأضاف في حديث للجزيرة نت "أصبح ثمن دواء القلب الخاص بي "Arni 53″ بألف ليرة (8 دولارات)، وبالتالي فإن راتبي لن يكفي حتى ثمن دواء، علاوة على الغلاء الذي شمل كل المنتجات الأخرى".

واشتكى سوريون في مناطق النظام من ارتفاع أسعار الأصناف الدوائية بنسب تتراوح بين 50% و100%، في حين يبلغ متوسّط راتب الموظف في القطاعين العام والخاص نحو 150 ألف ليرة (23 دولارا).

المصدر : الجزيرة