شعار قسم مدونات

مالك بن نبي والمسألة اليهودية!

"المجهول في قومه".. مالك بن نبي الذي يعرفه الغرب ويجهله العرب
الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي (الجزيرة)

يعدّ مالك بن نبي -رحمه الله- من المفكرين العاملين، والدارسين لواقعهم وتاريخهم بشكل دقيق، ومن الساعين للبناء على هذه المعطيات؛ للحديث عن الزمن الآتي، واستشراف المستقبل. وتضم كتب بن نبي -على غرار معظم المفكرين- أفكاراً متجاوزة لحدود الزمان والمكان، وأخرى قابعة في قعر زمانها ومكانها، والجهد متروك على القارئ في استخراج العبر من الأولى، ومنح الثانية وزنها النسبي الحقيقي من إجمالي أفكار الكتاب وأطروحاته.

وقد خصص بن نبي كتابه الثاني المخصص لنقاش وجهة العالم الإسلامي للمسألة اليهودية، والذي كتبه عام 1952، إلا أنه نُشر عام 2012 من قبل وصي مالك بن نبي الأستاذ عمر مسقاوي، ويرجع حجب الكتاب لأسباب ارتآها بن نبي وقتها.

يسلط بن نبي الضوء في كتابه على أحد الفجوات البنيوية في العالم الإسلامي؛ والمتمثل في إشكال الارتهان لمنطق الدولة الحديثة، والتعامل مع الحدود الاستعمارية الناتجة عنها كمسلمات غير قابلة للنقاش، وعدم وجود أي عمل إسلامي حقيقي مشترك.

يناقش الكتاب مجموعة من الأفكار المتعلقة بنشوء دولة الاحتلال والسياق والزماني والمكاني الممهد لذلك، ويستعرض بن نبي في كتابه على شكل تسلسل كرنولوجي تطور الشخصية اليهودية في السياق الغربي، ويبرز كيف سعى اليهود إلى التماهي مع السياقات الثقافية التي وجدُوا فيها في مختلف البيئات. كما يسرد العديد من الأحداث العالمية التي تزامنت مع إعلان تأسيس دولة الاحتلال وقتها؛ وهو ما يمنح الكتاب كذلك جزءا من أهميته باعتباره مرجعاً في التحقيب لتلك الفترة التاريخية.

ويُفصِل بن نبي في علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بالكيان الصهيوني، ويذكر أن اعتراف الأولى بالأخيرة لم يحتج إلى أكثر من نصف يوم فقط، منذ إعلان قيام الدولة. وقد مثلت أمريكا جنباً إلى جنب مع حليفاتها القوة المؤسسة لهذا الكيان الغاصب في التاريخ، كما تمثله اليوم الحاضر، وتقدم نفسها على أنها صمام الأمان لهذه الدولة. ويشير بن نبي إلى أن شعور الخوف من الولايات المتحدة الأمريكية مثل الأساس في فشل كل المحاولات العسكرية والدبلوماسية في استعادة الأراضي الفلسطينية، ويؤكد واقع تغليف هذا الخوف برومانسية الثقة بالأمم المتحدة، وما زالت هذه الرومانسية والتغازل مستمرة إلى يومنا هذا، رغم كل الوقائع وتكرار الوقائع.

يسلط بن نبي الضوء في كتابه على أحد الفجوات البنيوية في العالم الإسلامي؛ والمتمثل في إشكال الارتهان لمنطق الدولة الحديثة، والتعامل مع الحدود الاستعمارية الناتجة عنها كمسلمات غير قابلة للنقاش، وعدم وجود أي عمل إسلامي حقيقي مشترك. ويؤكد أن الكيان الصهيوني يعتبر المستفيد الأول من هذا الواقع في وقته والمستقبل. وهو ما حصل ويحصل؛ فارتهان دول الطوق في المقام الأول لهذه المعادلة يمثل أحد الأسباب الرئيسة فيما يحصل في غزة وفلسطين عموماً اليوم.

من الإشارات اللطيفة التي أشار لها بن نبي في كتابه كذلك؛ أهمية التحالف مع الشعوب الحرة في العالم، وإشكال انكفاء المجتمعات المسلمة على بعضها، وأهمية امتلاك مجتمعاتنا للفكر السياسي الذي يسمح لها بالتحالف لتحقيق مكتسبات معينة، دون التماهي في اتفاق على كل المستويات مع هذه الأطراف. وهو فعلاً ما نفتقده هذه الأيام، سواء على المستوى السياساتي، أو حتى على المستوى الفكري والاستراتيجي؛ فواقع المجتمعات المسلمة عموماً يبين -بشكل عجيب- وجود فقر في فهم السياسة، والتفكير بشكل سياسي.

يشدد بن نبي في طرحه على أهمية المؤسسات ذات البعد الاستراتيجي، ويؤكد محورية الارتكاز على الأفكار في بقاء هذه المؤسسات؛ فالمؤسسات التي لا تقوم على الأفكار محكوم عليها بالزوال.

يؤكد بن نبي على أن أحد أسباب العداء الغربي للإسلام والمسلمين يرجع إلى تغلغل اللوبي الصهيوني في المجتمعات الغربية. ويُرجع بن نبي أسباب هذا التغلغل؛ إلى تقديم -الصهاينة- أنفسهم منقذا لإرث الحضارة الأوروبية بعد الحروب العالمية التي عايشها العالم، والتي نتجت عنها خسائر كبيرة. وقد نجح الصهاينة في طرح العديد من الحلول التي لاقت رواجاً وقبولاً من الكيانات السياسية وقتها. وبناءً على هذا الإرث؛ يتعمد اللوبي الصهيوني تشويه صورة المسلمين وأهل فلسطين وإبرازهم في صورة العدو الهمجي الذي يجب القضاء عليه.

ونجد أن من مكاسب طوفان الأقصى البدء في تفكيك هذه السردية، وتشجع العديد من أفراد المجتمعات الغربية على مُساءلة هذه الصورة النمطية ودحضها، بل تبيين زيفها.

وقد ساهمت المادة الإعلامية التي يوفرها رجال المقاومة بشكل مكثف في إبراز روح الإسلام النقية، والتي تبقى في أحلك الظروف منضبطة بتعاليم دينها وإرشاداته؛ وذلك في التعامل مع الأسرى، وكل ما يتعلق بأدبيات الحرب والقتال والجهاد.

يشدد بن نبي في طرحه على أهمية المؤسسات ذات البعد الاستراتيجي، ويؤكد محورية الارتكاز على الأفكار في بقاء هذه المؤسسات؛ فالمؤسسات التي لا تقوم على الأفكار محكوم عليها بالزوال. وهنا أسوق نصاً بديعاً من كتابه (مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي)، وذلك في سياق حديثه عن الأخطاء التي تواجه تعاطي المجتمعات المسلمة وتفاعلها مع الحراك التحرري والثوري: "فكرنا خاضع لطغيان الشيء والشخص، وهذا السبب سيختفي عندما تستعيد الأفكار سلطانها في عالمنا الثقافي. حينئذ فإن محاكمتنا للأمور بصفة عامة؛ وفي الإطار السياسي بصفة خاصة تأخذ أو تسترد طابعها المنهجي والمعمم؛ والذي يستطيع أن يصهر بدفعة واحدة عديداً من التفاصيل في كل موحد، وأن يصبها في تركيب متآلف". ومن الواضح أننا نتيجة لخضوعنا الفكري؛ فقد تعرضت الأفكار المنشِئة لمجتمعاتنا لخيانات متعددة خلال العقود الماضية، وها هي الخيانة تتكرر من جديد؛ فما عسانا إلا أن ننتظر انتقام الأفكار المخذولة لنفسها.

ختاماً، لن يكون عالم ما بعد طوفان الأقصى كسابقه، وهذا العالم الآتي -كما يقول بن نبي- لن يكون فيه مكان لإسرائيل، وسيكتسب -بطبيعة الحال- بعض الخصائص الموروثة من العالم السابق، وأخرى ستكون من لوازم تكوينه وحقيقة وجوده. ورحم الله بن نبي وأثابه على حمله هم هذه الأمة، وسعيه من خلال بث أفكاره لبلورة آليات تساهم في انعتاق هذه الأمة من ربقة الاستعمار القديم والحديث، وتحررها من إشكال قابليتها للاستعمار. ونسأل الله في هذه الأيام الفاصلة التي تعيشها أمتنا النصر لأهلنا في غزة وفلسطين قاطبة، وأن يحقق هذا الطوفان الهادر طوفان الأقصى أهدافه الاستراتيجية، وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.