أنا استهلك إذن أنا موجود!

 

العولمة لها جوانبها السياسية والثقافية والاقتصادية، وأكثر شيء نجحت في تحقيقه هو نشر النمط الاستهلاكي، والمساواة بين البشر في الاستهلاك، وتحويل الإنسان إلى كائن استهلاكي يستهلك الضارّ قبل النافع، ويسيء استخدام الموارد الطبيعية، ويلحق الضرر بمكونات النظم البيئية المختلفة، ويتسبب بذلك في حدوث كوارث بيئية.

 

خطر داهم يهدد البشرية

فرط الاستهلاك هو أخطر المشكلات التي تواجه البشر وتهدد وجودهم على كوكب الأرض، ولذلك ينبغي أن يهتم دعاة الإصلاح في جميع المجالات بالعمل على توعية الجماهير من أجل الحدّ من الاستهلاك، وخلق المستهلك الواعي الذي يراعي البيئة ويحافظ عليها عند شراء المنتجات أو الحصول على الخدمات المختلفة.

والحضارة المادية المسيطرة على العالم اليوم نجحت في ربط مفهوم الغنى بالقدرة على الاستهلاك وليس مجرد امتلاك الأموال، وهو ما يدفع الفقراء ومتوسطي الدخل إلى تقليد ومحاكاة الأثرياء في الإنفاق والسعي إلى امتلاك الكماليات، ومحاولة تعويض الخواء الفكري والفقر النفسي بالماديات، وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال

ليسَ الغِنَى عن كَثْرَةِ العَرَضِ، ولَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ.

والنظرة الفلسفية كان لها دورها في تغذية النزعة الاستهلاكية لدى البشر، فالإنسان في نظر بعض الفلاسفة وبعض التيارات الفلسفية هو محور الكون، وهدف الإنسان ينبغي أن يكون الحصول على أكبر قدر ممكن من الملذات، وهذه الملذات لا تتحقق إلا بالاستهلاك سواء كان نافعًا أو ضارًا.

 

 

لماذا يركزون على المستهلك؟

الهدف الذي سعت إليه القوى الاستعمارية في الماضي هو السيطرة على الموارد الطبيعية في العالم وفتح أسواق جديدة لما تنتجه مصانعها، وهذه المهمة تقوم بها حاليًا الشركات متعددة الجنسيات، والسياسات الاقتصادية الحالية وعلى مستوى العالم هدفها الرئيس هو الحفاظ على مصالح تلك الشركات وتعظيم أرباحها حتى ولو كان ذلك على حساب صحة المستهلكين وعلى حساب البيئة ومكوناتها.

ولأن المستهلك هو غايتهم تجدهم يصوّرون الاستهلاك على أنه الطيب الذي ينقذ البشر من براثن الجوع ويوفر لهم الدفء ويشبع رغباتهم، وذلك في مقابل الشرير المتمثل في الجوع والبرد والملل.

والنظام الرأسمالي يقوم على الاستهلاك وعلى إشعال الرغبة في التملك عند الجماهير والعمل على تغذيتها، والمنتجون في شتى أنحاء العالم يستخدمون جميع الوسائل لإيقاع المستهلكين في شرك وحبائل الاستهلاك، ومن أبرزها الإعلانات التي تنفق عليها الشركات مليارات الدولارات سنويًا.

 

فخاخ الاستهلاك

ينفق المنتجون ملايين الدولارات على الأبحاث المتعلقة بالتسويق ودراسة نفسية المستهلكين وفهم أنماط الاستهلاك المختلفة والعمل على تلبية الاحتياجات التي تخلقها، ومن الوسائل التي يستخدمها المنتجون في عالمنا المعاصر لترويج منتجاتهم خلق الاحتياجات لدى المستهلكين، وقديمًا كانوا يقولون إن الحاجة هي أم الاختراع، وهذه الحاجات يخترعها المنتجون ويعملون عليها من أجل جعل الناس يقبلون على شرائها بداعي الحاجة، ومن أبرز الأمثلة على ذلك غطاء الهواتف المحمولة.

وهناك وسائل متعددة توظّف من أجل الإيقاع بالمستهلك ودفعه إلى شراء السلع أو الحصول على الخدمات ومنها الانتقال من الحديث عن فوائد المنتج إلى مخاطبة شعور اللذة لدى الإنسان سواء كانت تلك اللذة حسية أو معنوية.

ومنها اللعب على وتر غريزة وحب التملك للمنتجات الفاخرة التي يعتقد البعض أنها تعطي الإنسان قيمة أكبر من قيمته الحقيقية.

والمحتوى الإعلاني في كثير من الأحيان يتضمن كلمة الكل أو الجميع ويشير إلى الوجهة التي يقصدها الجميع للتسوق أو للسياحة وغيرها، وهنا تضطلع ثقافة القطيع بدورها في جعل الناس يستهلكون تقليدًا لغيرهم وليس بدافع الحاجة إلى هذا المنتج أو ذاك.

وبعض الإعلانات تركز على أن سلعة أو خدمة ما أو مكانًا ما يتيح الفرصة لتجمع أفراد العائلة كوجبة عائلية أو مكان لتجمع العائلات، لكنها في الغالب تكون وجبات غير صحية مغلفة بشرك تجمع العائلة أو الأصدقاء.

 

 

وأصحاب بعض المنتجات يركزون في تسويقها على الضغوط التي تشكلها "الشلة" ويشكلها الأقران وبخاصة لدى المراهقين الذين يضطرون في كثير من الأحيان إلى تقليد رفقائهم في اقتناء بعض المنتجات.

وبعض الشركات تركز في عملية الإعلان وتسويق منتجاتها على فئة معينة من المستهلكين، والفئوية هي التي تجمع مستخدمي إحدى العلامات التجارية المشهورة، وتشعرهم بنوع من الخصوصية والتميز عن الآخرين لأنهم يقتنون منتجًا بعينه كطراز معين من السيارات أو ماركة معينة من الملابس وغيرها.

والجنس من الأشياء التي يستخدمها المعلنون في ترويج بعض المنتجات، فشركات كثيرة توظف الجنس في جذب المستهلكين، وذلك عن طريق الإعلانات التي تتضمن صورًا عارية أو إيحاءات جنسية، ومنها وضع صورة امرأة عارية بجوار بعض المنتجات مثل السيارات وكريم الحلاقة وغيرها من المنتجات التي لا توجد علاقة بينها وبين المرأة.

 

ومن الوسائل التي يستخدمها المعلنون في جذب المستهلكين "التكرار"، والمثل يقول:

ما تكرر فقد تقرر.

ومنها قوة الحكاية إذ يقدم الإعلان في صورة قصة قصيرة محكية.

ومنها تجسيم صورة المنتج وربطه في ذهن المستهلك بشخصية كرتونية أو نوع من أنواع الحيوانات.

ومن هذه الوسائل سعر الإغراء وهو عبارة عن سعر متوسط لأسعار منتج معين تدفع المستهلك إلى شراء المنتج الأغلى سعرًا بدافع التوفير!

ومنها اللعب على وتر تجنّب الخسارة، الذي يدفع المستهلك إلى شراء منتجات أقل قيمة من نظيراتها في الأسواق.

 

والكثير من الإعلانات تغلب جانب العاطفة على الجانب العقلاني، بل إن مهمتها الأساسية هي تغييب الجانب العقلاني والتركيز على الجانب العاطفي، وهو ما يدفع كثيرين إلى شراء منتجات ضارّة بالصحة، أو منتجات غير ضرورية، أو الحصول على خدمات معينة بأسعار خيالية.

ومن الأوتار الحساسة التي يلعب عليها المعلنون وتر الرغبة العارمة في السعادة المثالية، فالوجوه الإعلانية التي تظهر في جميع الإعلانات هي وجوه ناعمة وباسمة ومترفة؛ لأنها تستهلك سلعة أو خدمة معينة، وهذه الإعلانات تولد لدى المستهلكين قناعة بأنهم سوف يصبحون سعداء مثلهم في حالة استخدام هذا المنتج أو ذاك.

ومن الوسائل التي يستخدمها المعلنون في جذب المستهلكين استخدام الوجوه المألوفة لدى الجماهير كمشاهير الرياضة والفن ومنصات التواصل الاجتماعي، ومع الأسف يعدّ هؤلاء قدوة للكثير من الشباب والفتيات، وهو ما يدفعهم إلى الإقبال على المنتجات أو الخدمات التي يروّج هؤلاء المشاهير لها مقابل الحصول على ملايين الدولارات.

والإعلانات تعتمد على ثقافة الباروكي (البهرجة المفرطة) في الأزياء والسيارات والكثير من المنتجات التي يقتنيها المشاهير، ومن الفئات الجديدة التي انضمت إلى المشاهير فئة "الفلوغرز" وحياتهم الباذخة الممتلئة بالمتعة والإثارة في السفر والسياحة وتجربة أنواع مختلفة من الأطعمة، وممارسة أنواع متعددة من الألعاب والرياضات.

 

هل من علاج لحمّى الاستهلاك؟

البحث عن علاج ناجع لحمّى الاستهلاك التي أصابت البشر وتوشك أن توردهم موارد التهلكة بات أمرًا حتميًا؛ لأن معدلات الاستهلاك الحالية للموارد الطبيعية تنذر بحدوث كوارث إنسانية وبيئية، فحمّى الاستهلاك التي أصابت ملايين البشر تحرم ملايين آخرين من الحصول على الضروريات التي تضمن لهم البقاء على قيد الحياة.

ومعدلات الاستهلاك الحالية ينتج عنها كميات هائلة من المخلفات والملوثات البيئية التي تعجز النظم البيئية والكرة الأرضية عن تحملها، والتلوث البيئي أدّى إلى انقراض كثير من الكائنات الحية، وأصبح مصدر تهديد مباشر لحياة الإنسان ويزيد من احتمال إصابته بكثير من الأمراض.

وعلاج حمى الاستهلاك التي اجتاحت العالم لكي ينجح ويؤتي أكله لا بد من أن يركز على معالجة الجوانب الفكرية ومعالجة الجوانب المادية المرتبطة بالاستهلاك، والجوانب الفكرية تتمثل في ضرورة تصحيح النظرة إلى الإنسان، فالإنسان ليس محور الكون وليس سيده كما يزعم بعض الفلاسفة، وغاية الإنسان في هذه الحياة ليست الحصول على أكبر قدر من الملذات كما يزعم آخرون، فالإنسان خلق لمهمة جليلة وهي عبادة الله عز وجل وعمارة الأرض، يقول الله عز وجل:

{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} سورة الذاريات: 56.

ويقول الله عز وجل: {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} سورة هود: 61.

ومن الأفكار التي ينبغي تصحيحها أن قيمة الإنسان ليست في ما يملكه من متاع الحياة الدنيا، وأن قيمته الحقيقية تكمن في الإيمان والتقوى والعلم والجهد الذي يبذله في نفع الآخرين. يقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} سورة الحجرات: 13.

وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "خيرُ النَّاسِ أَنفَعُهُم للنَّاسِ". السلسلة الصحيحة: 426.

 

وعلاج حمى الاستهلاك من الناحية المادية ينبغي أن يكون على 3 مستويات: المستوى الأول هو ترشيد استهلاك الموارد الطبيعية، والمستوى الثاني هو خفض الإنتاج وبخاصة المنتجات التي تستنزف الموارد الطبيعية وتلوّث كوكب الأرض، والمستوى الثالث هو الحدّ من استهلاك السلع والمنتجات والخدمات التي تؤثر في التنوع البيولوجي والنظم البيئية.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة