كارل ماركس ونظرية قيمة العمل

قبل أن يبدأ ماركس وانغلز بالكتابة عن الشيوعية، فقد توعدا وحددا لأنفسهما هدفاً مبدئياً لا يمكن ادحاضه بسهولة، وهو أنه يجب أن تعتمد جميع كتاباتهم على أساس العلم وقوانينه ولن تكون مثل كتاب آخر يفسر نظرة فيلسوف ما من زاوية معينة على الكون، بل يبحث كتبهم عن تغيير العالم وتحسين المجتمع والتنبأ بالمستقبل. بمعنى آخر، بدأوا بوضع نظريات علمية أساسية تحت اقوالهم حتى لا يتزعزع بخفة من قبل كل من هب ودب.

 

واحد من تلك النظريات الاقتصادية الأساسية التي اعتمد ماركس عليها في شتى كتبه هي نظرية قيمة العمل التي تقول بأن قيمة الاقتصادية لأي سلعة كانت لها علاقة طردية مع كمية الجهد التي صرفت لإنتاجها. مثلاً، سعر البصل أغلى من سعر الفلفل، لأن زراعة البصل والعناية به حصده أصعب بكثير من زراعة الفلفل. فلذلك يرتفع سعر البصل بسبب كمية الجهد الذي صرفه مزارع البصل عليه مقارنة مع كمية الجهد الذي صرفه مزارع الفلفل.

 

هذه النظرية لم تكن من وحي ماركس، بل أتى من قبل واحد من كبار الاقتصاديين آدم سميث، لكن لم يحسنه ويوسعه أحد مثله. اليوم، يؤمن علماء الاقتصاد بأن نظرية قيمة العمل ليست دقيقة بالمعنى العلمي ويتبنون نظريات أخرى مثل نظرية المنفعة الحدية التي تنص على أن قيمة السلع (مادية كانت أم خدمية) تعتمد على انتفاع المستهلك من تلك السلعة أو المتعة التي يمتصه المستهلك منها. نظرية قيمة العمل هي ما زالت باقية ولديها القدرة على تفسير بعض من قيم السلع لكنها تفشل في أحيان أخرى عن التنبؤ بأسعار وقيم بعض المنتوجات المادية والخدمية. تركز هذه المقالة بالرد على بعض الانتقادات التي تأتي من الاقتصاديين ضد هذه النظرية.

واحد من الانتقادات الكبيرة لهذه نظرية هو السؤال: ماذا عن الطلب؟ ماذا لو لم يفضل السوق هذه السلعة الذي اجتهد العامل في صناعتها؟ كيف يفسر نظرية قيمة العمل قيمة الهابطة للسلعة والتعب المضيع للعامل؟ مثلاً، لو قام النحات ببذل جهد ووقت لنحت صورة لشيء ما من أجل بيعه في السوق، لكن تبين لاحقاً أن لا أحد يرغب في شراء هذا النحت، فالسؤال المطروح هنا هو كيف تفسر نظرية قيمة العمل قيمة الدنيئة لهذا النحت الذي تطلب جهداً ووقتاً عظيماً من قبل النحات من أجل صنعه؟ فلنبقى على مثال النحات ولنجب على هذا الانتقاد من خلال النظر إليه بعين الاقتصادي كارل ماركس. نقول أن ماركس كان يظن بأن هناك معطيين أساسيين لم يكتبهما في كتاباته لأنهما كانا واضحين كفاية له ربما:

 

1- إذا كان ذلك النحت يتطلب نفس الجهد من جميع الناس كما تطلبه من ذلك النحات، وإذا كان النحات والناس يملكون نفس التقنيات والأدوات للنحت، فإذاً لا بد من أنهم يقدرون ويقيمون ذلك الجهد العظيم الذي بذله النحات لنحت الصورة (على أقل لو علموا أن النحت يتطلب كثير من الجهد والمهارة).

2- إذا كان النحات قد أتى من نفس خلفية الاجتماعية والتاريخية لمجتمعه وتربى داخل أسرة اعتيادية تثمن وتقدر ما يثمنه ويقدره الآخرون حولهم، وتبحث عن الجماليات وترغب بالأشياء نفسها، فإذاً الفكرة التي طرأ في ذهن النحات لنحت تلك الصورة لا بد أنها أتت لسبب ما (ربما فكر النحات بأن تلك الصورة المنحوتة قد تلمس جانباً عاطفياً من مجتمعه كما شغل عاطفته واحاسيسه). بمعنى آخر، ظن النحات أن الجميع الناس في مجتمعه سوف يحبون سلعته لأنه أحبه. أي إذا كان الناس مثلي، فلا بد أنهم يحبون نفس الشيء الذي أحبه واقدره واتمتع به.

 

هاذان المعطيان يفسران لنا سبب قيام النحات ببذل جهد ووقت من أجل نحته لتلك الصورة بالتحديد، وهاذان هما مختفيان في نظرية قيمة العمل. فنحن نعلم أنه يوجد قيمة لتلك الصورة المنحوتة لأنه ليس جميع الناس يستطيعون النحت مثله وحتى إن قدروا عليه، فلا يمتلكون كلهم نفس الوقت والجهد ليبذلوه، من الجدير ذكره هو أن ماركس لم يفكر بنقطتين مهمتين اخرين هما:

1- لم يتوقع ماركس وجود أفراد أغبياء يصرفون جهداً عظيماً ووقتا طويلاً لعمل سلعة بلا فائدة للإنسان. الأشياء عديمة الفائدة يصنعها أشخاص مجانين ومنعزلين عن المجتمع.

2- الجهد والوقت المبذول للاستكشاف تكون أغلبها ضائعة. مثلاً، قيام إديسون بـ 1000 محاولات فاشلة لاختراع المصباح الكهربائي، لا يمكننا القول على تلك المجهودات بأنها بدون قيمة أو حتى أنها ذات قيمة لأن السلعة لم تنتج بعد (المصباح الكهربائي)، وتلك الجهود والأوقات المبذولة يمكن أن تفسر غلاء سعر المصباح الكهربائي بعد اكتشافه. قيمة الماء أقل من قيمة الألماس لأن الماء يمكن اكتشافه بسهولة في أي مكان ولا يحتاج إلى أي جهد لاستعماله بينما الألماس يتطلب جهداً ووقتاً من قبل الباحث لاستخراجه من أراضٍ مميزة. لذلك تحدد قيمة السلعة حسب الجهد والوقت المبذول عليها. كلما كان الجهد عظيماً كلما ظن الصانع بأن صنعته باهظة الثمن وكذلك يفهم الاخرون سبب غلاء تلك السلع. لكن هذا الجهد يتباين حسب مواصفاته التالية:

1- عدد خطوات العمل: كلما كانت هناك خطوات عديدة لإنتاج منتوج ما، تزداد قيمة تلك السلعة. وكلما كانت هناك خطوات قليلة لإنتاج تلك المنتوج، تصبح قيمة السلعة رخيصة. سعر كيلوغرام واحد من الفولاذ أغلى من سعر كيلوغرام واحد من بوليثين (بلاستيك)، لأن عدد خطوات إنتاج الفولاذ أكثر من عدد خطوات إنتاج البوليثين. ناهيك عن جهد المبذول لنقل الفولاذ وشحنه.

2- كمية السلعة المنتوجة بالجهد نفسه: كلما كانت كمية الجهد تنتج سلع أكثر مقارنة بشيء ما، تصبح سعر تلك السلعة رخيصاً، والعكس الصحيح. سعر التفاح أغلى من سعر البرتقال لأن شجرة البرتقال تنتج أكثر عدداً من شجرة التفاح، إذا اقتنعنا أن كمية الجهد الفلاح لزراعة والعناية واقتطاف التفاح والبرتقال نفسها.

3- قابلية تكرار المجهود: كلما كان المجهود قابلاً للتكرار بزمن قصير (أي تتكرر كل فترة زمنية قصيرة)، تصبح المنتوج أقل سعراً، والعكس الصحيح. وهذا جزء من سبب وجود فرق في أجر العامل والمهندس، حيث إن العامل يقوم بتكرار دورة عمله بينما يتطلب على المهندس أن يكون مرناً في اداء

4- قدرة الآخرون على القيام بنفس العمل: كلما استطاع الاخرون على القيام بنفس العمل وبنفس الجودة وبنفس كميات الانتاج، تصبح قيمة المنتوج رخيصاً بنسبة ضئيلة، والعكس الصحيح. قدرة جميع العمال على العمل كنادل تقلل من قيمة هذا العمل وبالتالي من سعر خدمة النادل، بينما لا يستطيع الجميع العمل كطبيب، فترتفع من قيمة هذا العمل. ومن الضروري الانتباه ان هذه الصفة للجهد لا تقلل من قيمة السلعة التي حددت سعرها الجهد. الجهد المبذول يحسب ويضاف الى سعر السلعة ولا ينقص منه شيئاً بسبب وجود الاخرين الذين يقومون بإنتاج نفس السلعة. لكن بالرغم من ذلك، أن إنتاج الآخرين لنفس السلعة يقلل من ندرة هذا المنتوج داخل السوق وداخل المجتمع، فبالتالي يؤدي إلى فائض ينزل من قيمة السلعة.

 

هناك بعض من الانتقادات والأسئلة الأخرى التي تواجه هذه النظرية منها: عن نزول قيمة السلعة بسبب ظهور نسخة اخرى من تلك السلعة او نسخة مشابهة تقوم بوظيفة نفسها ولكن بشكل أفضل، أو السلعة نفسها أرخص من سابقه. نرد على هذا السؤال بالقول أنه إذا كانت السلعة الجديدة رخيصة، إذاً هذه تعني أن هناك جهد أقل صرفت لصناعة السلعة الجديدة تفسر نزول سعرها. ويقولون ايضاً ماذا لو كانت استعمالات البصل اقل من استعمالات الفلفل. هل تبخس هذه من سعر البصل؟ نجيب بلا، لان وجود البصل سوف يقل في السوق لصعوبة زراعته وعدم شراءه من قبل الناس، لذلك يرتفع سعر البصل مجدداً بسبب ندرته. وبالتالي يصرف الناس طاقة أقل لزراعته. بشكل عام، نقول أي سلعة قليلة الفائدة سوف تقل انتاجها، وتقليل الانتاج سوف تؤدي إلى ندرتها، وهذه ندرة ترفع سعرها مجدداً إلى السعر الأصلي.

 

يجب الانتباه على أن قيمة العمل تحدد السعر الحقيقي للسلعة وليس سعر السوق للسلعة الذي يتقلب لظروف معينة. نظرية قيمة العمل هي أساس التي ترتكز عليها اقتصادية الشيوعية، والحجر الاول في نظر ماركس وانغلز حول بيان استغلال الرأسمالية لجهد العمال.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة