معركة الملوك الثلاثة.. غلطة البرتغال على أرض المغاربة

لطالما عج التاريخ المغربي بأحداث يقف عندها القارئ ليستطْلع مكامن الأمور، حدث اليوم يأخذنا إلى عهد السعديين وتلك الملحمة التي جرت بمدينة القْصر الكبير لنقف عند ما جرى قبيلها، تفاصيلها الملهمة وأيضا تداعياتها الكارثية على البرتغال التي ذاقت شرارة نار أوقدتها وتسببت في إعلانها مستعمرة.

 

فلنبدأ بحادث اغتيال السلطان "الغالب" في سنة 1547م وتولي ابنه السلطان "محمد المتوكل" الحكم، حيث فر آنذاك أخوة السلطان الغالب، أحمد المنصور وعبد الملك، خوفا من تهْديد المتوكل لكي يضْمن توريث ابنه الحكم، استقبلهما حينها العثمانيون حيث قاموا بتدريبهما وتدريسهما بل أكثر من هذا، قاما بالمشاركة في معركتين، "ليبانْتو" سنة 1571 م ومعركة تونس سنة 1574 م، نالا من خلالهما إعجاب السلطان العثماني مراد الثالث، ففي سنة 1576 انتهز فرصة دخول إسْبانيا في حرب مع إنجلترا وقام بإعداد جيش مكون من آلاف الجنود تحت قيادة عبد الملك، نجح الأخير في المهمة وأطاح ب"المتوكل" الذي هرب باتجاه البرتغال ليحل ضيفا على الملك الشاب "سيباستيان"، صاحب الأربعة والعشرين ربيعا، حيث طلب منه يد المساعدة مقابل سيطرة البرتغال على سواحل المغرب، العرض الذي لم يتردد الملك الشاب في رفضه.

 

في 24 يونيو 1578 م أبْحر الملك الشاب سيباستيان وبرفقته 23 ألف جندي محملين على متن خمسمئة سفينة غالبيتهم برتغاليون مع مرتزقة إيطاليين وألْمان وإنْجليز، بعد رحلة طويلة رسوا في أصيلة، في هذه الأثناء السلطان عبد الملك، قادما من مراكش والذي لم يكن آنذاك في أفضل حالاته الصحية، استطاع جمع عشرات الآلاف من الجنود، كانوا على عقيدة عالية، كونهم سيدافعون عن أرضهم وأولادهم ضد من جاءوا لغرض الاستعمار، قبل أن يلتحق به أخوه السلطان أحمد المنصور قادما من فاس مع آلاف من الجنود .

قام السلطان عبد الملك بشجاعة منقطعة النظير بقيادة جيشه ضد الغزاة لكن المرض اشْتد عليه ولم يقدر أن يحتفل مع أنصاره ولفظ أنفاسه الأخيرة في ساحة المعْركة بعد أن أكْمل مهمته، ليتسلم حينها الحكم أخوه السلطان أحمد المنصور، وليحكم لحوالي الربع قرن

الرابع من غشت 1578 دقت ساعة الحرب والتقى الجيشان قرب وادي المخازن افتتح عبد الملك كلمته بالرفع من نفسية جنوده عبر تذكيرهم برمزية هذه المعركة وكونهم يدافعون من خلالها عن أرضهم وأولادهم ضد الغزاة، ولكن ما لم يكن في مخيلتهم حينها، أن عبد الملك كان يعيش آخر لحظاته، حاول طبيبه إقناعه بعدم المشاركة لكنه أصر على أن يقاوم حفاظا على معنويات الجيش إلى آخر رمق، أمر كان في علم أخيه أحمد المنصور والذي أوصاه عبد الملك بأن يحارب حتى آخر لحظة بدون تراجع، في ساحة الحرب كان أحمد المنصور وجنوده على أهبة الاستعداد لتلقي إشارة عبد الملك .

 

في هذه الأثناء اشْتعلت شرارة الحرب، واشتدت وطأتها، كان فارق العدد متجليا في الساحة، وظهرت أخطاء الملك الشاب سيباستيان الذي لم يؤمن ممرا للتراجع أو لإعادة الانتشار، واختار ساحة حرب ليست ملائمة له بالمرة، بالإضافة إلى هذا، الحرارة التي لم يألفها الجنود الغزاة بملابسهم الحديدية، أعطى السلطان عبد الملك الإشارة لأخيه أحمد المنصور، حيث قام بعملية التفاف مع فرسانه، حوصر من خلالها جنود العدو، لكن رؤية جنود البرتغال لزعيمهم وهو ملقى في ساحة الحرب ،حطمت من نفسيتهم، وعند حلول الظلام كان قد قتل الآلاف من الغزاة وأسر الآخرون، اما المتوكل فتقول بعض الروايات أنه سقط في المعركة فيما تقول الأخرى إنه غرق في الواد بعد محاولته الهروب .

 

قام السلطان عبد الملك بشجاعة منقطعة النظير بقيادة جيشه ضد الغزاة لكن المرض اشْتد عليه ولم يقدر أن يحتفل مع أنصاره ولفظ أنفاسه الأخيرة في ساحة المعْركة بعد أن أكْمل مهمته، ليتسلم حينها الحكم أخوه السلطان أحمد المنصور، وليحكم لحوالي الربع قرن عاش من خلالها المغرب ابهى ايامه رخاء، علما، قوة وعمرانا وليصبح أشْهر سلطان سعدي .

 

صدى هذه الملحمة انتشر كالنار على الهشيم، تأثرت كل أسرة نبيلة وبورجوازية في البرتغال، كان الملك سيباستيان الملك ما قبل الأخير لأسرة "أفيز"، لم يصدق البرتغاليون حقيقة مقتل ملكهم آنذاك، حتى انتشرت ظاهرة سميت "السبستيانيزم" وهي أسْطورة تقول إن الملك مازال حيا وأنه ينتظر اللحظة المناسبة للوصول إلى العرش. وقع المعركة كان كارثيا على البرتغال، فاستغل الملك الإسباني فيليب الثاني الوضع المتأزم للجارة، لتغزوها إسبانيا سنة 1580م بالإضافة إلى بعض الثغور المغربية ومنها سبتة، لتفقد البرتغال استقلالها وتنقرض أسرة "افيز" التي حكمت هذا البلد منذ القرن الرابع عشر ميلادي .