شعار قسم مدونات

ما الذي نفقده عبر مطاردات الحياة؟!

blogs - girl

الشغف والقوة، ممتلكان ينطفئان بتدريج الفجأة! دون حسبان أو مقدمات، حتى نبيت على وساداتنا نشعر أننا فقدنا الحياة، حلاوتها ومتعتها، وأننا نتابعها دون أي وجه حماس، وأننا لم نعُد نصلح لمعافرات إضافية، قد نتقن العبور، والكفاح، وكسب المعارك، وقطف النجاحات، ونبدو في نظر المحيط متوهجين لامعين مزهرين، دون أن يعلم أي أحد من الذين يحيطون بكَ أن كلّ هذا الآن لا يعني لك شيئًا، فأنت لا تخشى الفشل، ولا تهابُ نقاط الصفر، ولا تقلقك المشاوير الطويلة، إنما أكثر ما يرعبك في الحياة هو أن تجد نفسك فجأة قد فقدت هذه الرغبة التي كانت تضيئك وتبثّ الروح في تفاصيل الحياة العادية.

  

هل الشغف مهم إلى هذا الحدّ؟ يقول باولو كويلو "الشغف هو الإثارة التي يحدثها ما هو غير متوقع، هو الرغبة في التصرف بورع، واليقين أننا سننجح في تحقيق الحلم الذي طالما راودنا، يرسل الشغف إلينا إشارات لنهتدي بها في حياتنا، ويجب أن نعرف كيف نفك رموز هذه الإشارات"، الشغف باختصار هو الرغبة في إحداث فرق، في تجسيد أثر، هو الحماس، الشعلة، الحرارة التي تبثّ التوهّج في برود الأشياء فتحييها، وإنّ فقدان الشغف هو أسوأ نوع اكتئاب عرفته، يجعل الروح مسطحةً تمامًا، مُتخمَة بمشاعر الفراغ، يصل به الإنسان إلى حالة منّ حالات عدم التجاوب refractory phase، وهي المرحلة التي لا تنجع معها العلاجات، فكلّ الخيارات المتاحة إما قد تم تجريبها، أو أن الخيار المطروح هو مضاد حيوي أقلّ بكثير من وجه البكتيريا العاجية التي غزت القاع.

 

"الرغبة نصف الحياة، أما عدم الاكتراث فنصف الموت" يقول جبران، وفقدان الشغف هو المرحلة التي عندها يقف الإنسان أمام الأشياء التي قد تلهّف من أجلها قبل سنوات، غير مكترثٍ غير مبالٍ غير متلهّف، يبصرها شيئًا سخيفًا مملًا، فاليوم قد وصلت إلى ما تريده، لكنك لم تعد تريده! لا تريد أيّ شيء، لا القراءة، لا الكتابة، ولا الخروج إلى الصباحات، أنت فقط تريد الجلوس والتحديق وحيدًا تمارس وجوه الانطفاء، وصولك إلى هذه المرحلة ليس مخيفًا، إنما ما يخيف هو استسلامك لها والخضوع للموج، ظنًّا خاطئًا منك أنها مرحلة مؤقتة، ستحيلك إلى مرسى ما، بشغفٍ ما، ورغبةٍ ما بطعم ولون جديد، هذا الاستسلام للانطفاء سيراكم ممارسات البؤس، ويكتّل الغبرة فوق المحركات، فتصبح ذات صدأ وصرير، ويصبح أمر العودة بها إلى برمجيات التشغيل شبهَ مستحيل، ابدأ من هنا! من هذا التأمّل البريء في المرسى، من هذا التلهّف لشغفٍ جديد..!

 

الشغف يعطي الروح قوّةً تشبه السحر، كثّف طاقتك بكلّ ما استطعت لتستطيع تحصيل أكبر قدرٍ ممكن من النور، ما قد تعلّمتُه عبر مخاضات الحياة هو أنّ الشغف لا ينتظر

ماذا تريد؟! أريد أن أعود لشغفي، من هنا فلتنطلق، من شغفك للشغف، وضع يدك على قلبك وتحسسه، أدرك علّته، يمكنك أن تستخدم نموذج كيوبلر روس في مراحل تقبل العلل والأمراض، وأن تختصر كثيرًا من الوقت والخسائر، عبر انتقالك سريعًا من مراحله العديدة إلى مرحلة التقبّل، ويصف هذا النموذج مراحل الحزن الخمسة التي تُعَبّر عن الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع المواقف العضال، وتبدأ من مرحلة الإنكار: "أنا بخير"، والانكار مجرد دفاعٌ مؤقت، سريعًا ما ينتقل إلى مرحلة الغضب "كيف يمكن لهذا أن يحدث؟!"، التي تنقله بدورها إلى مرحلة المساومة "سأفعل أي شيء من أجل أن أنتصر" هذه المرحلة تحمل شيئًا من الأمل الطفيف، الذي للأسف لا يصمد طويلًا، فيسلّم الإنسان إلى مرحلة الاكتئاب.

 

والاكتئاب هو المرحلة التي خلالها نكون قد أدركنا حقًا ما حدث لنا، أسوأ ما فيها أننا نصل خلالها إلى حتمية الموت "لا أقصده بمعناه"، فيردد الفرد في قرارة نفسه: ما الفائدة من أي شيء سأفعله؟! لماذا سأستمر بعدها؟ هنا يصبح المرء أكثر صمتًا، ويتجنّب مقابلة الناس، يمضي وقتًا كبيرًا في البكاء الحيّ أو الصامت، والعزلة والحزن، ويقطع نفسه عن الأشياء التي يحبها، عن الأشخاص أيضًا، إذا كنت تشهد فردًا يمرّ بهذه المرحلة لا تحاول أن تبهجه، أو أن تقطع عنه هذا التَنسُّك، لكي يتعافى عليه أن يعيش هذه المرحلة كاملة، ويتعامل معها بكافة تفاصيلها، لا بأس بأن يتوه في حالة من العدمية والضياع، ماذا يقول محمود درويش في قصيدته؟

  

"ليتني حجرٌ

لا أَحنُّ إلي أيِّ شيءٍ

فلا أَمسِ يمضي، ولا الغَدُ يأتي

ولا حاضري يتقدَّمُ أَو يتراجَعُ

لا شيء يحدث لي!

ليتني حَجَرٌ ـ قُلْتُ ـ يا ليتني

حَجَرٌ ما ليصقُلَني الماءُ

أَخضرُّ، أَصفَرُّ … أُوضَعُ في حُجْرَةٍ

مثلَ مَنْحُوتةٍ، أَو تمارينَ في النحت

أو مادَّةً لانبثاق الضروريِّ

من عبث اللاضروريّ ..

  

مرحلة من العدمية البحتة، من تضييع تاريخ اليوم، شيء يشبه حالة "الشرنقة" الفكرية"، أن تعتق نفسك من العالم ومن توقّعاته، فلتمنح نفسك إجازة بدون حدود، أو صكّ غفران لا نهائي، ولتسمح لنفسك أن تخوض حالةً من الحجر الناجع في تأجيج اشتياقك لكلّ شيء، حالة من فقدان الشعور بالوقت، والأشخاص، وكلّ شيء، ماذا يتابع درويش في قصيدته؟

"يا ليتني حجرٌ

كي أَحنَّ إلي أيِّ شيء!"

  

ما الذي يقتل شغفنا؟ هناك جملة قالها أحمد زكي في فيلم النمر الأسود: "الحاجات بتيجى أول ما نبطل ندور عليها أو نستناها، المشكلة بقي هل لما هتيجى هتكون لسة جوانا بنفس الشغف؟" حسنًا، إنّ الشغف يعطي الروح قوّةً تشبه السحر، كثّف طاقتك بكلّ ما استطعت لتستطيع تحصيل أكبر قدرٍ ممكن من النور، ما قد تعلّمتُه عبر مخاضات الحياة هو أنّ الشغف لا ينتظر، افعل كلّ ما استطعت قبل رحيله، وابتعد عن مبدّدات الوقت ومشتتات الانتباه، وأعطِ نفسك فرصًا من حالات العدمية التي تعيد شحنه لك بين فينة وفينة، أيضًا عليك أن تنتبه من آفةِ الانتظار، وآفةِ الروتين ودائرة التعوّد، ما أشدّ هذه الآفات فتكًا بالروح، فعالجهما بأقصى قوتك، وبأسرع ما استطعت.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.