رواية الخيميائي.. هل نحن بصدد حكاية مسروقة؟

من جملة القوانين التي تحكم هذا العالم، أن بعض العناصر الحيوية في ثقافة من الثقافات، لا تزهر إلا إذا بانت عن التربة التي بُذرت فيها أول الأمر، ولو أنها قرَّت في موطنها قدرا لا بأس به من الوقت، للحقتها دواعي الفساد، ولأتت عليها عوادي الزمن، تلحق هذه العناصر الكثير من الأشياء، بما في ذلك الأفكار والناس والكتب، فكم من فكرة لم تلق ترحيبا في الموطن، لكنها أخصبت في المهجر، وكم من فرد أهين وَضُيِّقَ عليه في الحارة، فلم يلبث بعد الهجرة أن نما ونبت وأنبت، وكم من كتاب لقي وهو في العشيرة فنون الإهمال قرونا، ولما أذن ربك، طالته أيدي الترجمة، وصادف رواجا، فإذا هو أعز ما يطلب، ولعل أجلى مثال لهذا الضرب الأخير، كتاب "ألف ليلة وليلة". فكان شأن هذا الكتاب شأن رائعة سرفانتيس "دون كيخوته"، من جهة أن فئة عريضة من كُتاب الإنسانية يشيدون بهما إشادة عظيمة، فلا نصادف أحدا منهم يأتي على ذكرهما إلا وَيَلُزُّهُمَا في قرَن واحد مع الإعجاب، وهما من الكتب -كما يقول عبد الفتاح كيليطو- التي يود الجميع الحديث عنها، حتى أولئك الذين لم يقرأوهما.

 

ففي مقابل ثنائية تقدير الأجانب للكتاب، وازدرائه وتجاهله من قبل العرب، نلفي أنفسنا مدفوعين لطرح بعض الأسئلة المؤرقة، فنتساءل: ما الذي لامسه الغربيون في "ألف ليلة وليلة" مما لم نلاحظه نحن؟ وهل يكون احتفالهم بها، ليس سوى "تطبيل" أو مجاملة مجانية يخصوننا بها؟ بمعنى آخر، ما الذي يرونه في الكتاب ولا نتمكن نحن من رؤيته وإن حَمَّجْنَا النظر؟

 

هل من المحتمل أن يكون الروائي البرازيلي باولو كويلو قد اطلع على "ألف ليلة وليلة"؟ أو بالأحرى، هل اطلع عليها قبل أن يخطر باله تأليف رواية بوسم "الخيميائي"؟

في روايته "كافكا على الشاطئ"، يصر الكاتب الياباني، هاروكي موراكمي على جعل شخصيته ذات الخمسة عشر عاما "كافكا تامورا" أثناء وجودها في مكتبة "كوميورا" تقرأ من بين ما تقرأ، كتاب "ألف ليلة وليلة". فَلِمَ اختار الكَاتب هذا الكِتاب بالذات من بين ملايين الكتب؟ هل كان الأمر مجرد صدفة؟ أيضا وبينما نمرح في الرياض الفلسفية في ضيافة "زوربا اليوناني"، نجد نيكوس كزانتزاكي يردد كلمة "السندباد البحري" على امتداد الرواية، عددا يفوق السبع مرات، وهو في ذلك يشبه شخصيته (زوربا) المثيرة للجدل والإعجاب في الآن نفسه، بالسندباد البحري؛ ولعل ذلك لجامع ما بينهما من التوغل في مخاطر السفر، الشيء الذي أكسبهما وضع الامتياز، فما يتمتعان به من حكمة ورجاحة عقل جديران بالحب. فهل كان ذلك مجرد صدفة عارية أيضا؟

  

أما من جانبه، فيقول خورخي لويس بورخيس، -الكاتب الأرجنتيني المفتون بالشرق، و"بألف ليلة وليلة"- في مستهل إحدى محاضراته: "السيدات والسادة: إن أبرز حدث في تاريخ الأمم الغربية كان اكتشاف الشرق. سيكون أكثر دقة الحديث عن الوعي بالشرق المتواصل، مقارنة بحضور فارس في تاريخ اليونان. إضافة إلى الوعي بالشرق -الشاسع، الساكن، المذهل، وبعيد المنال- هناك لحظات فارقة، سأسجل القليل منها. يبدو لي أن هذه أفضل مقارنة لموضوع أحبه كثيرا، شيء أحببته منذ الطفولة، كتاب "الألف ليلة وليلة". وفي موضع آخر من المحاضرة، يقول عن عنوان الكتاب: "سأتوقف قليلا عند هذا العنوان، إنه واحد من الأشياء الجميلة في العالم، بالغ الروعة".

 

إثر ما سبق أحب طرح تساؤل مباغت، مباغت وخبيث في نفس الآن: إذ هل من المحتمل أن يكون الروائي البرازيلي باولو كويلو قد اطلع على "ألف ليلة وليلة"؟ أو بالأحرى، هل اطلع عليها قبل أن يخطر باله تأليف رواية بوسم "الخيميائي"؟ بل هل يمكن أن يقع في الافتراض أن مصباح فكرة تأليف الرواية ومض في ذهنه قبل قراءته حكاية "الحالمان"؟

 

يندرج الإطار العام لرواية الخيميائي في شخصية الغجرية التي فسرت الحلم الذي راود "سانتياغو" راعي الغنم الإسباني، فكان مفاد الحلم، أنه سيعثر على كنز في الشرق، ذلك المكان هو أهرامات مصر. بعد رحلة شاقة ومثيرة، يصل "سانتياغو" إلى الأهرامات ويشرع في الحفر، لكن لصوصا يهاجمونه ويوسعونه ضربا، وقبل أن يغادروه، يلتفت إليه زعيمهم، مستفسرا إياه عن قصته، يخبره "سانتياغو"، ثم لا تلبث ملامح الزعيم أن تنفرج عن ضحكة ساخرة، مخبرا غريمه أنه غبي وساذج، وأنه -أي الزعيم- راوده نفس الحلم مرتين في نفس المكان.

 

خلاصة الحلم، أن كنزا مدفونا في كنسية يتردد عليها الرعيان عند جذع شجرة في الأندلس، لكنه ليس غبيا ليتجشم عناء قطع الصحراء لمجرد حلم راوده مرتين. عند انصراف قطاع الطرق، يدرك "سانتياغو" أن الكنيسة التي أتى على وصفها الزعيم، هي نفسُها الكنيسة التي كان يتردد عليها، ويستظل بظل شجرتها عندما كان راعيا للغنم، وبالجملة فقد عرف موضع الكنز في حلم الزعيم. يعود "سانتياغو" أدراجه إلى إسبانيا رأسا، ثم يحفر عند الجذع، فيظفر بالكنز أخيرا.

 

من الاتفاقات العجيبة أن كتاب "الليالي" لم ينفق في السوق العربية إلا بعدما لحقته الترجمة وعني به الغربيون، ثم وكأن التاريخ آثر أن يعيد نسج نفس الحكاية مع حكاية "الحالمان"

بغض النظر عن جمالية الدرس المشبع بالحكمة الذي نستشف ظلاله من الرواية، فإننا ندهش لحكاية أخرى تشبهها في "ألف ليلة وليلة"؛ بل نجزم أنها هي بحذافيرها، وأن جل ما أقدم عليه الكاتب البرازيلي، أنه عمد إلى تمطيط الأحداث، وحشوها بحكايات أخرى فرعية، الله أعلم بمصدرها! وكما هو ملاحظ فإن أصل الرواية مبني على حلم راود الراعي في المنام، وبخصوص موضوعة الحلم هذه، وفي نفس سياق الحكاية التي وردت في "ألف ليلة وليلة"، يقول بورخيس: "إن الأحلام هي الموضوع الأثير لـ "لألف ليلة وليلة"، فعلى سبيل المثال، حكاية "الحالمان". رجل في القاهرة سمع هاتفا في حلمه يأمره بالذهاب إلى أصفهان في فارس، حيث ينتظره كنز هناك، وتجشم صعوبة ومدة الرحلة، ووصل أخيرا إلى أصفهان. تمدد متعبا في فناء مسجد ليستريح، وبدون أن يدري كان وسط لصوص، تم القبض عليهم جميعا، وسأله القاضي عن سبب قدومه إلى المدينة؟ أخبره المصري. فضحك القاضي حتى بانت أسنانه وقال له: "أحمق وساذج، حلمت ثلاث مرات بمنزل في القاهرة، خلفه مزرعة، وتوجد مزولة في المزرعة، ثم نافورة ثم شجرة تين، وتحت النافورة يوجد كنز. إلا أني لم أعط أي اعتبار لهذه الكذبة، لذلك لا تعد إلى أصفهان، وخذ هذه النقود ثم غادر". رجع الرجل إلى القاهرة. وعرف منزله في حلم القاضي، حفر تحت النافورة وعثر على الكنز".

  

عند عقد مقارنة ساذجة بين الحكايتين، يخلص بنا اليقين إلى أنهما من معين واحد، وأن باولو كويلو استفاد من حكاية "الحالمان"، ثم طورها لينسج في خلالها روايته، فهل أخطأ فيما فعل؟ لست جديرا بالإجابة عن مثل هذا السؤال، ولست معنيا به رأسا؛ لأنه يتفرع بنا إلى موضوع شهير هو "السرقات الأدبية"، ثم إلى طرح سؤال عريض: هل تعد السرقات الأدبية منقصة في شخصية المبدع؟ أم هي مجرد تقليد أدبي يُتَسَاهلُ في شأنه؟ إلا أن ما يقع في اهتمامنا هنا، هو الكشف عن ذلك الإعجاب المضمر الذي استبد بالكاتب البرازيلي إلى النهج على أسلوب "ألف ليلة وليلة". فهل كان ذلك مجرد صدفة مجانية؟

  

ولله ما أشد غرابة التاريخ وما أعجب منطق الأحداث! إذ من الاتفاقات العجيبة أن كتاب "الليالي" لم ينفق في السوق العربية إلا بعدما لحقته الترجمة وعني به الغربيون، ثم وكأن التاريخ آثر أن يعيد نسج نفس الحكاية مع حكاية "الحالمان"، فلم تلق الاستحسان الجدير بها إلا بعد أن اقتبسها الكاتب البرازيلي لكتابة روايته. فهل يكون ذلك النفَس الشرقي العربي الذي يتخلل روح الرواية سببا في كونها رواية ناجحة لاقت ذلك الترحيب على صعيد العالم، لاسيما وأنها ترجمت إلى أكثر من ستين لغة؟ هنا سأتوقف لأضع المعول، لن أرتدي عباءة الحكيم لأجيب، إنه سؤال ضخم، أكبر مني، لا أملك الجرأة الكافية للتدليل عليه.

————————————————————————

  

المراجع:

1-ألف ليلة وليلة، مقالتان لبورخيس في الترجمة والتأثير الأدبي، تقديم وترجمة: ناصر الكندي.

2-الخيميائي، باولو كويلو.

3-زوربا اليوناني، نيكوس كزانتزاكي.

4-كافكا على الشاطئ، هاروكي موراكامي.

٥-عبد الفتاح كيليطو، كل كتاب أكتبه يصحح الذي سبقه، نِزْوَى، مجلة فصلية ثقافية، العدد الثامن والتسعون.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الخيميائي لديه مهارات عالية، وقدرة متميزة على التعامل مع مجموعة من القضايا في ذات الوقت، بغض النظر عن تفاصيل الموضوع وأبعاده، ويستطيع اتخاذ قرارات جريئة وصحيحة دون التباس بين المواضيع

الأكثر قراءة